موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الخطبة الأولى - أنصفوا بلادنا- توجيهات للدعاة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الخطب / أنصفوا بلادنا- توجيهات للدعاة
  
 
أنصفوا بلادنا- توجيهات للدعاة - الخطبة الأولى

فلقد أنهى الحجاج مناسك حجهم قبل أيام تقبل الله منا ومنهم ، وعاد منهم من عاد وتوفي منهم من كتب الله وفاته وسبب لذلك الأسباب، غفر الله للأموات، وكتب الشفاء للمصابين،  ولقد آلم المسلمون المصاب الجلل الذي وقع في منى، جراء تدافع الحجاج، وكثرة الزحام، وهنيئا لمن مات محرما فعند البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْه ولا تُحَنِّطُوهُ ، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً» ولقد استغل المتربصون هذا الحدث أشنع استغلال، فأخذوا يشككون في قدرة المسؤولين في هذه البلاد على تنظيم الحج وسلامة الحجاج، وأخذوا ينادون بتدويل الحرمين، والتشكيك في قدرة رجال أمننا على ضبط الأمن والسعي الحثيث لسلامة الحجاج.

فيا أيها الجاحدون لفضائل هذه البلاد على الحجاج، أيها الناكرون للجميل، أيها المتناسون للفضائل، أما ترون توسعات الحرمين، أما تشاهدون نظافتهما والعناية بهما، أغاب عن أعينكم مواقف رجال الأمن في الحج فذاك يغيث ملهوفا، وثان يسقي عطشانا، وهذا يساعد عاجزا، وذاك يطعم جائعا، ويحمل طفلا، ويرش الماء على من أعياه التعب، وينظم سير الحجاج ، ويسلك بهم طريق الرشاد، بوجوه باسمة، وشفاه داعية، لا يرون إلا أنهم يقومون بالواجب، ويفرحون بما أنعم الله عليهم من خدمة حجاج بيت الله الحرام.

عباد الله : أوجب الله علينا طاعته ، ووعدنا بمكافأته ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ» فمَنْ لَمْ يَشْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ إِمَّا بِالْمُقَابَلَةَ بِالْمِثْلِ ،أَوْ أَنْ يَشْكُرَهُ بِلِسَانِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ أَوْ جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ كَامِلَ الشُّكْرِ للهِ على مَا أَعْطَاهُ، فَإِنَّ مِنْ كَمَالِ الشُّكْرِ للهِ الإحْسَانَ إِلى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا.

فيا أيها الشامتون، المتناسون لقدر الله، ويا أيها المتهمون بالعجز، الرامون بالتخلف، تأملوا عندما فر بعض المهجرين من الشام وتوزعوا في أوروبا على سعة مساحتها وهم عشرات آلاف، ماذا كان حال تلك البلاد التي أووا إليها، تعطلت موانؤهم، وانغلقت طرقاتهم ، وضاقت معيشتهم، وأغلقوا حدودهم في وجوه الضعفاء، وبلادنا تستقبل كل عام ما يزيد على مليوني حاج ، في بقعة صغيرة ويتنقلون فيها في وقت واحد، على اختلاف جنسياتهم، وثقافاتهم ولغاتهم، فمن منى إلى عرفات، إلى مزدلفة إلى منى، ثم الحرم، يؤدون نفس الأعمال ، وفي نفس المكان والزمان، كل هذا في خمسة أيام وفي بقعة لا تتجاوز عشرات الكليومترات، والأعداء يكيدون لها، والمؤامرات تحاك لإسقاطها، والاستخبارات تخطط للنيل منها ، يسعون لإشاعة الفوضى بين الحجاج، أفتستغربون ما يحصل من تقصير إن حصل، وتستكثرون من خلل إن حدث.

عباد الله : لئن وقع القدح في خدمات الحجاج ، من الأعداء فهذا أمر متوقع لكن أن يقدح في ذلك من ينتسب لهذه البلاد، ويسارع في الاتهام بالتقصير دون بينة أو برهان، وقبل أن ينتهي ناقل الخبر من قراءته، حتى يسارع في كيل التهم أين التنظيم وأين النجاح؟ هذا ينقد قطار المشاعر، ويزعم كثرة تعطله،  وذاك يرمي بتهمة التدافع على رجال الأمن والتنظيم، ألم يعلموا وهم مدعوا فقه الواقع، أن كلامهم هذا أصبح حجة للباحثين عن أخطاء ليلصقوها في بلادنا، ويسعون من ورائها لرفع اليد السعودية عن الحرمين، وجعلهما تحت إشراف دولي، أما بصره علمه بالخطر العظيم المحدق حول بلادنا فهي تحارب الحوثيين وإيران في الجنوب، وتحارب داعش وأنصارها داخل البلاد، وتحمي حدودها من الشمال، ثم يأتي ويطعن في خاصرة الوطن، ويعطي السلاح للعدو،فقل لي بربك يا فقيه الواقع، ماذا تنتظر إذا كان الصفويون و العثمانيون يشرفون على الحرمين، فماذا تنتظرون غير أن تسمعوا لبيك يا حسين بدلا من لبيك اللهم لبيك، ولن تروا غير القباب والقبور يعيدها بنو عثمان إلى أطهر البقاع، فوعيا يا معاشر الناقمين، وتقديرا يا من تتسمون بالناشطيين الحقوقيين، وإنصافا يا مشاهير القنوات، يا من متابعيكم بالملايين، قدروا أمانة الكلمة، واستشعروا عظم الأمان،أعطوا بلادنا جزءا يسيرا من الثناء الذي تستحقه، أبرزوا جهود ولاة أمرنا وجنودنا الصابرين في المشاعر، والله لو عمل معشار ذلك مرشدكم ومريدوه، أو خليفتكم وعسكره؛ لملأتم الدنيا ضجيجا، والهواء صراخا ، والأفاق تمجيدا، رفقا ببلادكم وولي أمركم، وجنودكم والعاملين معهم، أنصفوهم ، فقد أنصفهم عقلاء الأعداء والعجائز، ولهج بذكر مآثرهم المنصفون، ورأى إنجازهم المتجردون، وعميت عيونكم عن ذلك كله، فقد طمسها غبار الحزبية، وأعشتها قيود التبعية. وتزعمون أن ذلك من النقد وإنكار المنكر، أهكذا علمك رسول الله ، أما تعلمت من الشرع ، المصالح والمفاسد، والمآلات والمقاصد، أنسيت ممن وعلى من ومتى وكيف ينكر المنكر إن وجد؟