موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الإيمان بالقدر - المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني لفضيلة .
  
 
 المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
 مقدمة
 الإيمان بالقدر
 الإيمان قول وعمل
 الترحم على الصحابة والاستغفار لهم
 القرآن كلام الله
 الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة
 الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة
 الذنوب نوعان
 ثلاث منها فلا يناظر تاركها
 مقدمة الرسالة الثانية
 لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان
 صفات الله كاملات دائمات أزليات
 فناء الخلق وانتهاء أعمارهم وما يصيرون إليه بعد الموت
 ولاة الأمور وأحوال الرعية معهم
 الكف عن تكفير أهل القبلة
 فضل الصحابة
 الصلاة والبدعة والجهاد
 أحكام الصلاة والصيام في السفر
 ختام المقالات وتوجيهات للإمام
المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني - الإيمان بالقدر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضلُ الصلاة وأتمُّ التسليم.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه وللحاضرين ولجميع المسلمين.

قال الإمام عبد الله بن الزبير الحميدي رحمه الله تعالى:

السُّنَّة عندنا أنْ يؤمنَ الرجل بالقدَر خيره وشره، حُلوه ومُرّه، وأنْ يعلمَ أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنّ ذلك كلَّه قضاءٌ مِن الله عزّ وجلّ.


بدأ رحمه الله تعالى بقوله: "السُّنَّة عندنا" السُّنَّة في هذا المقام يُراد بها الاعتقادُ، للفقهاء اصطلاحٌ، وللأصوليين اصطلاحٌ، ولعلماء العقيدة اصطلاحٌ – لكلمة السُّنَّة -، فإذا سمعتَ كلمةَ السُّنَّة في العقيدة فالمراد بها العقيدةُ التي مَن خالفها فقد ابتدع، وليس المراد بها السُّنَّة بمعناها المعروف - وهي ما يُثاب فاعلُه ولا يعاقبُ تاركُه! -، وإنما المقصود بها السُّنَّة التي خلافها البدعة، ثم هذا الخلاف للسُّنَّة - التي هي العقيدة - إمّا أنْ يكون خلافًا يوصل إلى الكفر -والعياذ بالله-، وإمّا أنْ يكون دون ذلك، لأنّ البدعة على نوعين: بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة، ولهذا لاحظ أنه قال: "السُّنَّة عندنا أنْ يُؤمن الرجلُ بالقدَر" ليس المقصود السُّنَّة التي يثاب فاعلُها ولا يعاقب تاركُها! لأنّ الإيمان بالقدَر -كما تعلم- ركن مِن أركان الإيمان، فمراده رحمه الله تعالى هنا السُّنَّة التي مَن خالفها فإنه مبتدع ما ستسمعُ مِن القدَر والإيمان وما يتعلق بالصحابة -رضي الله عنهم- إلى آخر أمور الاعتقاد التي سردها.

"أنْ يؤمن الرجل بالقدَر" القدَر معلوم أنه واحد مِن أركان الإيمان الستة، وهذا القدَر اعتدنا أنْ نقسم النصوص الواردة فيه إلى ثلاثة أقسام، حتى يعرف طالبُ العلم ما ورد مِن النصوص الواردة في القدَر؛ ويعلم أنّ هذه النصوص لا يُضَادُّ بعضُها بعضًا.

القسم الأول مِن النصوص: إثباتُ ما يتعلق بالرب سبحانه وتعالى، والمتعلِّقُ بالرب سبحانه وتعالى في القدَر هو مراتب القدَر الأربع: العلم والكتابة والمشيئة والخلق – على التفصيل الآتي -، إثبات ما يتعلق بالرب مِن الأمور الآتية:

أ- أنّ اللهَ تعالى عَلِمَ كلَّ شيء جملة وتفصيلًا.

ب- أنّ اللهَ تعالى كَتَبَ ذلك في اللوح المحفوظ.

ج- أنه لا يقع شيءٌ إلّا بمشيئة الله عزّ وجلّ.

د- أنه ما مِن شيء - كائنًا ما كان - إلّا والله تعالى خالقُه، فالله هو الخالق وما سواه تعالى مخلوق.

هذا يتعلق بالرب سبحانه وتعالى، وبه يُعْلَمُ أنّ الرب تعالى عَلِمَ الأشياءَ قبل أنْ تُوجد، وشاءها قبل أنْ تُوجد، فعَلِمَ سبحانه وتعالى أهلَ النار مِن أهل الجنة، وعَلِمَ سبحانه وتعالى الأشقياء مِن السعداء، هذا كلُّه متعلِّق بعِلْمِه سبحانه وتعالى، وهو الذي شاءه، وهو الذي سَبَقَ به كتابُه، إلى غير ذلك مِن المراتب التي ذكرناها.

النوع الثاني مِن أنواع النصوص الواردة بالقدَر: إثباتُ ما يتعلق بالعبد، ما تقدم كله يتعلق بالرب سبحانه وتعالى -مِن عِلْمِه وكتابته ومشيئته وخلقه-.

فما الذي يتعلق بالعبد مِن جهة القدَر؟ الذي يتعلق به أنّ ما تقدم ذِكْرُهُ في مراتب القدَر - المتعلقة بالله تعالى - لا يعني أنّ العبدَ خالٍ مِن المسؤولية! فليس له أنْ يَترك ما أوجب اللهُ؛ ولا أنْ يأتي ما حَرَّمَ الله، لأنّ القسمَ الأول مرتبط بالرب وإثبات ما للرب، الثاني مرتبط بالعبد، وليس ثمّة تناقض بين ما أثبتته النصوص مِن سَبْقِ عِلْمِ الله تعالى وكتابته، فهذا مِن شأن الله تعالى، والعبد لا يدري به أصلًا، ولا يعلم بتاتًا ما الذي جرى به القدَر سابقًا، ما المتعلِّق به؟ المتعلِّق بالعبد هو الذي لأجله أرسل اللهُ الرسلَ - صلى الله عليهم وسلم - وأنزل الكتب؛ وأنه تبارك وتعالى امتحن العبدَ بالعمل ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(1).

فالعبد وُجِدَ بعد أنْ جرت المقادير، هذا العبد أُرسلت له الرسل - صلّى الله عليهم وسلّم -، وأُنزلت له الكتب، وبُيِّنَ له الطريق، وحُذِّرَ مِن أمور، وأُمِرَ بأمور، فإذا ركب الطريق السليم - الذي جاءت به الرسل صلّى الله عليهم وسلّم - فقد سلك طريق السعادة، وإنْ عَكَسَ؛ فسلك الطريق المخالفة لِمَا أَمرتْ به الرسل فقد سلك طريق الشقاوة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(2) وَعْدٌ مِن رب العالمين سبحانه وتعالى؛ أنّ مَن سلك هذا الطريق الصالح السليم؛ فإنّ الله تعالى سيُيسره لليسرى، وأمّا مَن بخل واستغنى وكذب بالحسنى؛ فسنُيسره للعسرى، فالذي يركب الطريق المعاكس المخالف؛ فإنّ الله تعالى سيُولجه - والعياذ بالله - دارَ الأشقياء، ولهذا العبد المُوفَّق يعلم أنّ القدَر لا يمكن أنْ يكون سببًا في تَرْكِ الشرع، الشرع بأوامره ونواهيه هذا موجهٌ الكلامُ فيه للعبد، القدَر وما جرى وسبق هذا متعلق بالرب سبحانه وتعالى.

فالعبد ما الذي عليه؟ عليه أنْ يعمل وأنْ يلزم طريق الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ويسلك هذا الدرب الذي فيه النجاة، ويحذر الدرب الذي فيه الهلاك، ولهذا ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّ الصحابة رضي الله عنهم سألوه لمّا جاء الكلامُ في أَمْرِ القدَر (يا رسول الله فِيْمَ العمل؟ أفيما جرتْ به الأقلامُ وجَفَّتْ به الصحف؟ أو فيما يُستقبل) يعني: هل قد كتب الله تعالى الأمورَ مسبقًا أم لا؟ فقال: «بل فيما جرت به الأقلام؛ وجفت به الصحف» قالوا: ففيم العمل؟ يعني: إذا كانت الأمور مكتوبة مسبقًا؛ ففيم العمل؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: «اعملوا؛ فكلٌّ مُيسر لِمَا خُلِقَ له، أمّا أهل السعادة؛ فيُيسرون لعمل السعادة، وأمّا أهل الشقاوة؛ فيُيسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ الآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(3)»(4)، فمَن ركب الطريق السليم فإنه - بإذن الله تعالى وعونه وتوفيقه - سيسر أمره فيكون إلى طريق أهل الجنة، ومَن عَكَسَ فكذب بالحسنى؛ وبخل واستغنى؛ هذا درب لا يوصل إلّا إلى النار، لا يمكن أنْ يكون دربًا موصلًا إلى الجنة، فإنه يوصل أصحابه – إذا لقوا اللهَ تعالى عليه - يوصلهم إلى النار.

القسم الثالث مِن النصوص الواردة في القدَر: النهيُ والتحذيرُ عن المجادلة والمنازعة في القدَر، فإنّ المجادلة والمنازعة في القدَر منهي عنها بعدد مِن النصوص، ولابُدّ مِن التفريق في هذا المقام بين أمرين،

الأمر الأول: الإيمان بالقدَر؛ هذا ركن مِن أركان الإيمان، لابُدّ أنْ تتعلم ما الذي تُحقق به الإيمان بالقدَر.

الأمر الثاني: المجادلات والمنازعات الباطلة في أَمْرِ القدَر.

الإيمان بالقدَر على ما سمعت، هناك أمور تتعلق بالرب تؤمن بها، هناك أمور تتعلق بالعبد: تعْلَمُها وتمشي في ضوئها، وتعلم أنّ الاستمساكَ بالشرع لا يخالف القدَر! بل تؤمن بالقدَر وتعمل بالشرع، فإذا جعلتَ الشرع معاكسًا للقدر؛ فتقول: أنا لن أعمل بالشرع لأنّ المتعلِّق بالرب سبحانه وتعالى - بشأني - لا أدري به! فهذا هو المنهي عنه، وهو الذي مِن أجله نشأت فرقتان ضالتان في القدَر، وهما مِن أخبث فِرَقِ الضلال - وهما فرقة القدَريّة وفرقة الجبريّة -، وجاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أُخِّرَ النزاعُ في القدَر لشرار أمتي آخر الزمان»(5)، قوله "أخر" وقوله "آخر الزمان" يدل على أنّ الصحابة رضي الله عنهم سالمون مِن الوقوع في هذه البدع - وهم كذلك ولله الحمد -، فالصحابة سالمون مِن البدع، وقوله "أُخِرَ النزاعُ في القدَر لشرار أمتي" هذا مِن علامات نبوته صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ هاتين الفرقتين الضالتين مِن أشرّ وأفسد الفِرَق، ومِن أكثر ما نَشَرَ في الأمة الشكوكَ والضلالات، مِن أشرّ فِرَق الأمة هاتان الفرقتان الخبيثتان، وكلمة "الجبريّة" ينطوي تحتها عدد مِن الفرق، وكلمة "القدَريّة" ينطوي تحتها أيضًا عددٌ مِن الفِرَق، فالقدَريّة هم الأوائل الذين كانوا ينفون مراتب القدَر الأربع، وأدركهم صغارُ الصحابة رضي الله عنهم كابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأنس رضي الله عنهم، وفيهم الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وبدأ به في صحيحه - رحمه الله - حين سُئِلَ ابنُ عمر رضي الله تعالى عنهما عن قوم نشأوا في البصرة يَتَقَفَّرُون العلم – وهو نوع مِن التكلف والتعمق في تتبع العلم بطريقة على غير طريقة الصحابة - يزعمون أنّ الأمر أُنُفٌ وأنْ لا قَدَرَ! أنّ الأمرَ أُنُفٌ يعني – والعياذ بالله -: جديد مستأنف؛ وأنه لا يجري لله تعالى عِلْمٌ به، فقال ابنُ عمر رضي الله عنهما: (فإذا لقيتَ أولئك؛ فأعلمهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، وللذي يحلف به عبد الله لو أنّ أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ما قَبِلَ اللهُ تعالى منه حتى يؤمنَ بالقدَر) ثم ذكر الحديث الطويل - حديث جبريل الذي رواه عمر رضي الله عنه – (بينما نحن جلوس عند رسول الله) إلى قوله لَمَّا سأل النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عن الإيمان قال: «أنْ تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ وتؤمن بالقدَر خيره وشره»(6).

فالواجب أنّ يُعْلَمَ أنّ مسائل الاعتقاد تُؤخذ مِن النصوص مباشرة؛ وأنّ مِن أشرّ ما يكون أنْ تُطْرَحَ فيها الشكوك، لأنّ هذه الشكوك هي التي أوجدت الفِرَقَ، أنت لو تتأمل الفِرَقَ الضالة تجد أنّ كل فِرْقَة نشأت مِن شبهة، كل فِرْقَة تجد أنها نشأت مِن شبهة، هذه الشبهة شبهة شيطانية صادفتْ أناسًا قلَّ عِلْمُهم وقلَّ إيمانُهم وتقواهم، فما الذي ترتب على ذلك؟ أنِ انضمَّ مجموعةٌ إلى هذا الذي نشر هذه الضلالة، وترتب عليها أنْ نشأ في الأمة هذه الفِرْقَة، وهذا كثيرٌ كثيرٌ في واقع الفِرَق - سواء الجهمية أو المعتزلة أو الرافضة أو الخوارج - تجد أنهم ينشؤون مِن شبهة، هذه الشبهة مِن آيات الله عزّ وجلّ البالغة أنها تنشأ بمعزلٍ عن العلماء، كلُّ هذه الفِرَق الضالة سواء في وقتنا هذا أو ما قَبْلَه أو زمن الصحابة رضي الله عنهم، أَمْرٌ عجيب للغاية، تجدُ أنّ الضلالات لا تنشأ إلّا بعيدًا عن العلماء، لأنّ العلماء يقمعون البدعة، حتى جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (والله إني لأحسب أنّ أحبَّ شيء إلى الشيطان موتي) فقيل له: كيف ذلك؟ قال: (تأتي البدعةُ مِن شرق الأرض؛ فتوصل إليّ فأقمعُها)(7)، يعني أنّ البدع تُقمع مِن قِبَلِ أهل العلم، الشيطان يحب أنْ تنتشر ولا تصل إلى أهل العلم، ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الرافضة يقول: "مذهبهم لا ينشأ إلّا في الأطراف والبوادي"(8)، الغالب على مِثْلِ هذه الفِرَق أنها تنشأ في مكان بعيد، فلمّا اشتدتْ غربةُ الدين في هذا الزمن وصارت حتى المدن - مثل الأطراف والبوادي في السابق - انتشر مذهبُ الرافضة، وإلّا فإنه مذهب مقموع على امتداد التاريخ - قليلٌ مَن يدخل فيه -، فلما اشتد الضعفُ العلميُّ؛ واشتدت الغربة؛ نشأ للرافضة هذه الأقوال ونشأ لهم هؤلاء الأتباع.

الحاصل أنّ القسمَ الثالث مِن هذه النصوص يتعلق بنهي النبي صلّى الله عليه وسلّم الشديد عن الخوض بالباطل والمنازعة الباطلة في القدَر، فإنّ القدَر - كما قال الإمام أحمد -: "هو قدرة الله عزّ وجلّ"(9)، والخوضُ في القدَر في الباطل معناه أنه خوض فيما يتعلق بالله عزّ وجلّ، والرب سبحانه وتعالى ليس محلًّا لخوض الخائضين وتخرُّص المتخرصين، وإنما الرب سبحانه يُعَرِّفُ بنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فليس فيما يتعلق بعِلْم الرب إلّا الكتاب والسُّنَّة، إذا علمتَ الآن هذه الأقسام الثلاثة مِن النصوص علمتَ أنّ أهلَ السُّنَّة - ولله الحمد - أثبتوا ما يتعلق بالرب، ولم يتصوروه مخالفًا للقسم الثاني المتعلق بالعبد! بل هذا له مجال مِن النصوص، والنصوص مِن القسم الثاني لها مجال، يأتي القسمُ الذي فيه الوعيد الشديد مِن الخوض في القدَر ووقع في زمن الصحابة - زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم - أنْ تناقش بعضُ الصحابة رضي الله عنهم في مسألة القدَر - وهذا نادر جدًا -، فقابل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك بغضب شديد، في اللالكائي وأحمد وغيرهما – في مجموع متن الحديث - أنّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لَمَّا اختلف بعضُ أصحابه في أَمْرِ القدَر؛ يقول: هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، يعني هذا ينزع بآية مِن القسم الأول المتعلق بالرب وهذا ينزع بآية مِن القسم الثاني المتعلق بالعبد، مع أنّ القسمين – كما قلنا - ليس بينهما تعارض، فخرج صلّى الله عليه وسلّم مغضَبًا، يقول الراوي: "كأنما يُفقأ في وجهه حبُّ الرمان" مِن شدة احمرار وجهه صلّى الله عليه وسلّم؛ قال: «مهلا يا قوم! بهذا أُهلكت الأمم مِن قبلكم؛ باختلافهم على أنبيائهم، وضرْبِهم الكتبَ بعضها ببعض، إنّ القرآن لم ينزل ليكذب بعضُه بعضًا! بل يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا»، يعني هذا النوعُ مِن المنازعات يُظهر كأن ثمّة آيات متصادمة مع آيات أخرى؛ وليس الأمر كذلك، بل هذه الآيات - كما قلنا - مِن القسم الأول لها معنى لا يصادم المعنى الذي في القسم الثاني، «إنّ القرآنَ لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا؛ بل يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به؛ وما جهلتم فكِلُوه إلى عالمه»(10)، الذي يُعرف ويتبين؛ فإنه يُعمل به، الذي تجهله فإمّا أنْ يكون مما يُرَدُّ إلى أهل العلم فيُعْلِمُوك به، وإمّا أنْ يكون مما استأثر الله تعالى به فإنك تَكِلُهُ إلى عالمه سبحانه وتعالى، فالنزاع في القدَر أَمْرُه خطير للغاية وهو مِن سُبُلِ التشكيك الشديدة للناس، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يشددون جدًا على ما يمكن أنْ يتسبب قولُه في شيء مِن الباطل وإزاغة الناس، وثبت أنّ عمرَ رضي الله تعالى عنه ضرب صَبِيْغ بنَ عِسْلٍ ضربًا شديدًا حتى أدماه، لأنه كان يسأل عن متشابه القرآن، يأتي إلى أشياء ويطرحها في الناس فيؤدي ذلك إلى شيء مِن الشكوك والخصمة بين الناس؛ وأنْ يبدأ الناس في حال مِن البلبلة في اعتقادهم؛ فترتبَ على هذا أنْ ضربه رضي الله عنه ضربًا مبرحًا شديدًا، فقد أعدَّ له عراجين المدينة - عراجين النخل - ثم أَمَرَ ألّا يكلمه أحد، فحبسه في وسط الناس، أَمَرَ ألّا يكلمه أحدٌ نهائيًا، فكان يدخل المسجد فيها الحلقة العظيمة؛ فإذا أتاهم قاموا وتركوه، يذهب إلى حلقة أخرى فتناديهم حلقة: عزمة أمير المؤمنين – يعني عزم أمير المؤمنين أنْ يُهجر هذا الرجل -، حتى جاء إلى أبي موسى رضي الله عنه وأظهر توبتَه وإقلاعَه؛ فكتب أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه بذلك لعمر فكتب عمرُ في مجالسته.(11)

الحاصل أنّ المشكك للناس في ربهم تعالى أو في مسائل دينهم؛ فالواجب أنْ يُمنع بالقوة وأنْ يُعلم أنّ هذه المسائل ليست مسائلَ خاضعة لأهواء الناس؛ وأنها مسائل جاء الشرع فيها بمنع الخوض فيها، الشرع في هذه المسائل المتعلقة بالرب يجعل الحرية تَسَيُّبًا وفوضى، انظر ماذا فعلتِ الحرية الهمجية في بلاد الغرب، أوصلتهم إلى أنْ يعبدوا الشيطان - نسأل الله العافية - عبدوا الشيطان! وهل بعد عبادة الشيطان شيء؟؟ الشيطان لم يَطمع أنْ يُعبد في الجاهلية العربية، وصل الأمر إلى أنْ عُبِدَ الشيطان، وجدت منظما في آسيا وقالوا لك: إنّ القانون يحمي هذه المنظمات التي تعبد الشيطان! قبحه الله مِن قانون، وأخزى الله مَن ينشر في أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم أفكار أعداء الله ممّن قال الله فيهم: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(12)، أناس تاهوا وضاعوا لا يعرفون مَن خلقهم ولا يعرفون لماذا خُلِقوا، وهم على حال مِن الضياع والهلكة، وفي حال مِن العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة، حال مِن التذبذب والتردد، وانتشار الأمراض النفسية المستعصية، وانتشار أعداد المنتحرين على هيئة يَعلم مَن بَصَّرَه اللهُ تعالى أنْ الله قد عاقبهم عقوبة في الدنيا قبل الآخرة، إنّ التَسَيُّبَ في العقيدة يترتب عليه هذا، كما أنّ التَّسَيُّبَ في الأعراض - الذي هو موجود عندهم - ترتب عليه هذه الأمراض التي نشأت؛ وأبناء الزنى - والعياذ بالله - حتى بلغوا مبالغ عجيبة في الإحصاءات، نعم هكذا الأنظمة الفاجرة الفاسدة، فلهذا الشرع حينما يمنع أمورًا كهذه يمنعها لِمَا فيها مِن فساد الدين والدنيا معًا، فالرب ليس فكرة تُتداول بين الناس! الاعتقاد في الرب كتاب وسُنَّة، ولا يُعلم فيما يتعلق في الرب سبحانه وتعالى إلّا بما فطر عليه عباده سبحانه وتعالى مِن كونه ربهم وبالتفاصيل التي جاء بها رسل الله صلّى الله عليهم وسلّم، وليس لأحد أنْ يتجاوز هذا، ولهذا قال رحمه الله تعالى: "أنْ يؤمن الرجل بالقدَر خيره وشره" وقوله هنا "الرجل" ينبغي أنْ يُعلم أنه في كلام العرب كثيرًا ما يقولون: الرجل، فليس المقصود إخراج المرأة! يعني أنْ يعتقد الرجل دون المرأة! لا، إنما كما يُعبّر دائمًا المرء؛ الرجل؛ ونحو ذلك، لكنْ يدخل في هذا بلا شك كلُّ مكلف مِن ذكر أو أنثى؛ ومِن إنس ومِن جِنّ، كلُّ هؤلاء يدخلون فيما أوجب الله مِن اعتقاد.

"أنْ يؤمن الرجل بالقدَر خيره وشره" دلَّ على أنّ القدَر فيه خيرٌ وفيه شرٌّ، كما في حديث جبريل «وأنْ تؤمن بالقدَر خيره وشره»(13) مِن الله تعالى، فالقدَر فيه خير، مثل أنْ يكون في الناس شيءٌ مِن البسطة في الرزق والأمن في الأوطان والصحة في الأبدان مع طاعة لله عزّ وجلّ مع طاعة لأمره، هذا لا شك في أنه مِن الخير الذي جَمَعَ خيرَ الدنيا والدين، وهو متبوع بخير الآخرة، إذا كان على هذا الحد فإنه يكون جامعًا لخيري الدنيا والآخرة وخير الدين.

"وشره" القدَرُ فيه شرٌّ، لكنْ الشرُّ ينبغي أنْ يُعلم في القدَر ما المراد به؟ الشرُّ مَن قدره؟ قدَّرَه الله بلا أدنى شك، لأنه لا يقع تحريكة ولا تسكينة إلّا بمشيئة الله عزّ وجلّ، لكنّ تقديرَ الله تعالى للشرّ هو مِن جهة استحقاق المكان لأنْ يقع عليه الشرّ، وتقدير الله لهذا الشرّ حكمةٌ بالغة منه عزّ وجلّ، ولهذا ينبغي أنْ يُعلم المرادُ بحديث «والشرّ ليس إليك»(14)، النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «والشرّ ليس إليك» ولم يقل: "والشر ليس منك"، بل القدَر - خيره وشره - مٍن الله عزّ وجلّ، لهذا قال: «والشرّ ليس إليك» يعني أنّ الله تعالى لا يُقدر الشرّ عبثًا! وإنما يقدره سبحانه وتعالى لحكمة بالغة، نموذج ذلك: إذا تأملتَ ما يتعلق بالنصر في بدر فهذا خير، لأنّ المكان مهيأ للنصر، اتقوا الله عزّ وجلّ وأطاعوا نبيّه صلّى الله عليه وسلّم فأمدهم الله تعالى بالنصر، ما الذي حصل في أحد؟ حصل هزيمة، وسمّاها الله بنص القرآن بالمصيبة فقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا(15) أي كيف يقع هذا؟؟ كيف نُغلب؟؟ فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن مسلمون وهم كفار؟؟ فأجابهم رب العالمين: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يعني يوم بدر أصبتم قَتْلَ سبعين وأَسْرَ سبعين؛ وأصابكم يومَ أحد أنتم قَتْلُ سبعين فقط ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ(16) يعني بسببكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17) يعني أنّ الله هو الذي قَدَّرَه وقدَّر كل شيء، لكنْ لِمَ قدره؟ بسببكم، لذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: بسببكم وأنا الذي قدَّرْتُه عليكم - كما بَيَّنَ السلف -، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ(18) يعني أنّ الله تعالى هو الذي قَدَّرَ ما أصيبوا به، لكن لِمَ؟ لأنه عصوا رسول الله - تحديدًا الرماة – رضي الله عنهم وغفر الله لهم، النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وضعهم على جبل وقال: «لا تبرحوا مكانكم؛ وإنْ رأيتم الطير تتخطَّفُنا، لا تبرحوا مكانكم حتى أُرسل إليكم، إنْ رأيتموهم غلبونا فلا تُعينونا»(19)، فالرماة رضي الله عنهم ما عصوا عصيان المتعمد! وإنما وقع منهم رضي الله عنهم ما وقع على سبيل التأول، لأنهم يقولون: إنّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام أمرنا أنْ نلزم هذا المكان لَمَّا كانت الحربُ قائمة؛ أمَا وقد ولّى العدو وانتهتِ الحرب فالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ما أراد ذلك مِنّا! وإنما أراد صلّى الله عليه وسلّم منا أنْ نبقى في أماكننا هذه حتى تنتهي الحرب؛ فقد انتهتِ الحرب، فرأوا رضي الله عنهم أنّ الأمرَ النبويّ كان موقتًا بهذا، رأى المشركون موضعَ الرماة قد خلا فأتوا مِن نفس الموضع - وهو الذي جَعَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الرماةَ عليه حتى لا يقع هذا مِن المشركين - فقَدَّرَ اللهُ تعالى أنْ وقعتِ المصيبةُ التي قدَّرَها سبحانه وتعالى، وكاد رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أنْ يُقتل لولا حِفْظُ الله تعالى له، ووقعت مصيبة كبيرة على المسلمين بقتل سبعين، ولكنّ الله تعالى سَلَّمَ وعافى، ولم يقع ما كان في نفوس الكفار مما أرادوه وسعوا إليه بكل ممكن – وهو قَتْلُ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم -، لكنّ اللهَ تعالى حال بينهم وبين ذلك، ولهذا الشرُّ هو بالنسبة إلى الموضع، قال أهل العلم: مثاله قَطْعُ يد السارق، السارق إذا قُطعت يده لا شك أنّ الألم وإبانة كفِّه بالنسبة له شرٌّ وألمٌ، لكنْ مِن جهة كون هذا الحكم الشرعي واقعًا موقعه فهو خير، فالحُكْم مِن الله - وهو الذي قَدَّرَه على هذا السارق سبحانه وتعالى - فهو بالنسبة للمحل وللموضع يؤلم بلا شك صاحبَه وتَبِيْنُ منه يدُه ويبقى بلا يد؛ لا يشك أنّ هذا بالنسبة له ضررٌ، لكنْ مِن جهة أنّ هذا حقٌّ وقع موقعَه؛ وأنه عَدْلٌ؛ وأنّ الواجبَ إنفاذُه هذا مِن جهة الله عزّ وجلّ لا شك أنه خير، فالله لا يُقَدِّرُ الشر عبثًا! وإنما يُقَدِّرُ الشرّ - سبحانه وتعالى – حكمة، ما فائدة تقدير الشرّ؟ هناك فائدة كبيرة جدًّا للأمة كما قال عزّ وجلّ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ ما السبب في ظهور هذا الشر؟ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فهل لربي حكمة في هذا؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(20)، إذا سَلَّطَ اللهُ عليهم واشتدتْ عليهم المصيبةُ وتوالت عليهم النكبات - مثل وضْعِ الأمة الآن - فإنهم يرفعون رؤوسهم إلى ربهم؛ هل مِن سبيل إلى الخلاص؟ نعم، ارجعوا إلى ربكم سبحانه وتعالى، هذه حكمة رب العالمين في التقدير، ولكنْ لِعِلْمِك تقديرُ الله عزّ وجلّ فيه لُطْفٌ عظيم جدًا حتى بالعقوبات، يعني هذا الوضع الذي فيه المسلمون لولا لُطْفُ الله تعالى بالمسلمين لكان أشد مما هو أضعافًا مضاعفة، فمِن لُطْفِ الله تعالى أنّ هذا الحال الذي فيه الأمة - على ما فيه مِن المشقة والصعوبة لولا لطف الله - لكان أشد مِن هذا بكثير، لأنّ لله تعالى في تقديره ألطافًا سبحانه وتعالى، وإلّا فالأمة تستحق الأشد والأكثر بلا ريب، لكنّ الله تعالى يُقدر ويلطف سبحانه وتعالى، هذا الوضع عُلِمَ مما وقع في أحد ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ(21) هذا يقال للصحابة رضي الله عنهم وفيهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى تعلم الأمةُ إلى قيام الساعة أنّ المعاصي عاقبتها وخيمة، وأنّ السبب الحقيقي في حال الأمة هو في مخالفتها لِأَمْرِ الله عزّ وجلّ في الاعتقاد أو في الشرع، في الاعتقاد بالبدع والضلالات والخروج على نهج أهل السُّنَّة، أو في الشرع بعدم تطبيقه كما ينبغي، أو في المعاصي التي تكون بين الناس، ولهذا تجد المصائب في بعض الأحيان تتسلط على العبد وتتوالى وتكثر تنبيهًا، وهذا أفضل له مِن أنْ يوافيَ يومَ القيامة فيجد هذه النعم قد قَلَّ شكرُها؛ وهذه الذنوب قد تواردت عليه سنين طويلة فيُعاقَب عليها، فإذا أراد الخلاص؛ أين الطريق؟ عُدْ إلى الله عزّ وجلّ، فهذا للأمة عمومًا ولكل فرد في خاصة نفسه ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(22) فإذا رجعوا إلى ربهم تبارك وتعالى فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ(23)، ثم لا تُفكر تفكير مَن لا يفقهون؛ عند الكفار أسلحة نووية! وعندهم ترسانات عسكرية! عندهم جيوش مدججة! إذا شاء الله جعلها وبالًا عليهم، وجعلها عليهم أشرّ مِن كل شرّ، أليسوا تحت تصرف رب العالمين؟؟ أليس قادرًا سبحانه وتعالى أنْ يجعل كيدهم عائدًا إلى نحورهم؟؟ لا تتحدث بمثل هذا الأسلوب، هذا الأسلوب في أصله لا يتحدث به المؤمنون أصلًا، وإنما المؤمن المتوكل على ربه يُصلح ما بينه وبين الله ويُعِدُّ العُدَّةَ التي أوجب الله؛ ثم البقية لا يسأل عنها أبدًا، لكنّ الإشكالَ إذا كان الإشكال في الأمة مِن الداخل وتريد النصر! لا يمكن هذا، لابُدّ أنْ تعودوا إلى نصر رب العالمين، لأنّ الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ(24) الله تعالى ليس بحاجة لأحد أنْ ينصره، بمعنى أنه تعالى يستكثر بهم مِن قِلّة أو يتقوى بهم مِن ضعف! إنما نصرُ الله تعالى بإقامة حُكْمِه وأَمْرِه سبحانه وتعالى - سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات -، وكثيرًا ما يُتحدثُ عن إقامة حُكْمِ الله تعالى على مستوى الجماعات والدول والشعوب، وهذا حق وواجب على الحكام، وهذا أكبرُ واجبات الحكام، لكنْ انظر أولًا إليك أنت؛ وإلى إقامتك أنت شَرْعَ الله وحُكْمَه ودينه سبحانه وتعالى في نفسك وفيمَن تحت يدك مِن ذريتك وفي وسط بيتك، هل أقمتَه كما ينبغي؟ هذا كلُّه متوجِّب على الجميع، والتوبة لَمّا ذكرها الله تعالى قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(25) التوبة ليست خاصة بأحد دون أحد، وإنما هي واجبة على الجميع، ولهذا لو تتأمل في صفوة الناس اليوم وفي أهل الدين وفي أهل الخير – الذين يظهر عليهم الصلاح - تجد العجب العجاب - فضلًا عن العصاة-، تجد تخلفًا عن الصلاة ولاسيما مثل صلاة العصر والفجر، تجد في هذه الجوالات العجائب والغرائب، أناس مِن أهل الدين والخير والصلاح جوالاتُهم مليئة بالصور، ما حُكْمُ النظر إلى صور النساء؟ ما في أحد يجهل أنّ صورَ النساء محرمة، أناس مِن أهل العبادة والصلاح والخير مليئة جوالاتُهم بهذا، ويأتيهم الشيطان يقول: تريد أنْ تنقطعَ عن الأرض؟؟ انظر مَن حولك مِن أخبار وأحوال الناس، يأتي الشيطان مِن باب آخر يقول: إخوانك المسلمون اللاجئون والضعفاء والمساكين؛ هؤلاء كيف تعرفهم؟ حتى تتفرج عليهم! انظر إلى عبث الشيطان بأهل الدين - فضلًا عن غيرهم والله المستعان -، كأنك لن تنفعَ الأمة حتى تعصيَ الله عزّ وجلّ، وهكذا الأخبار حدِّث، قناة كذا قناة خبيثة فيها كذا وكذا! ما شاء الله، مِن أين أتتك هذه المعلومات؟ تتابعها؛ وأنت ذو دين وصلاح وعِلْمٍ؛ يخفى عليك أنّ هذه القنوات نتنة قذرة عفنة، يقوم عليهم ناسٌ مِن أهل الليبرالية والعفن والفساد، يلعب في القلب لعبًا مِن صور النساء الفاتنات والشُّبَه والضلالات، كيف تدخل هذا بيتك؟؟ كيف تتحدث وتجهر بمثل هذا - وأنت رجل مِن أهل الخير وربما كان مِن أهل العلم -، إذا تأملتَ؛ وضعُ كثيرٍ مِن خاصة المسلمين – والله المستعان -على هذا الوضع، الرب تبارك وتعالى حَكَمٌ عَدْلٌ لا يُقَدِّرُ إلّا لحكمة بالغة، فإذا عاد الناس إلى ربهم تعالى العودَ الحميدَ وتركوا عنهم مثلَ هذه الحيل الشيطانية والألاعيب التي جعلها الشيطانُ لمَن قَلَّ نصيبُه مِن الوعي والفهم؛ فإنّ الله تعالى يعود عليهم بالنصر، أمّا والإنسان يظهر منه هذا ويجاهر به - وهو مِن أهل الخير! - فلا تعجب إنْ صار أَمْرُ الأمة إلى هذا، ووالله لولا الله ولطفه سبحانه وتعالى كان الوضع أشد بكثير، يعني أنّ الذي يُستحق أشدُّ بكثير، لكنْ لُطْفٌ مِن اللطيف الخبير سبحانه وتعالى أنْ يجعل الأمور على هذا النحو الذي تراه.

حاصل الأمر أنّ القدَرَ خيرُه وشرُّه؛ حلوه ومُرُّه كله مِن الله تبارك وتعالى لحكمة بالغة يعلمها علّام الغيوب.

قال: "وأنْ يَعْلَمَ أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه" ما أصابه يعني مِن خير أو شرّ، كلُّ ما أصابك ووقع فمِن المحال أنْ يخطئك ولا يتحقق، وعكسُه ما أخطئك وفاتك ولم يتحقق لك؛ أو سلمك الله تعالى مِن شَرّ وغيره؛ فإنّ مِن المحال أنْ يصيبك - ولو كنت في الموضع الذي يقع فيه هذا الأمر -، لا يمكن أنْ يصيبك شيء إلّا بإذن الله ولا يمكن أنْ يفوتك شيء إلّا بإذنه تعالى، ولهذا قال: "وأنّ ذلك كله قضاء مِن الله عزّ وجلّ"، هذا مُجمل ما يقال في الأمر الأول الذي بدأ به – وهو أَمْرُ القدَر -.


(1) الملك: 1، 2.
(2) الليل: 5 - 7.
(3) الليل: 5 - 10.
(4) صحيح البخاري (4948) من حديث عليّ رضي الله عنه بنحوه.
(5) صحيح. الحاكم في المستدرك (3765) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (1124).
(6) صحيح مسلم (8) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(7) شرح اعتقاد أهل السنة لللالكائي (61/ 1).
(8) يُنظر: منهاج السنة النبوية (6/ 179).
(9) أخرجه الخلال في كتاب (السُّنَّة) (544/ 3).
(10) صحيح. مسند أحمد (6702) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر رحمه الله.
(11) يُنظر: الشريعة للآجريّ (1/ 484)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (4/ 703).
(12) الفرقان: 44.
(13) صحيح مسلم (8) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(14) صحيح مسلم (771) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(15) آل عمران: 165.
(16) آل عمران: 165.
(17) آل عمران: 165.
(18) آل عمران: 166.
(19) صحيح البخاري (3039) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه مرفوعًا.
(20) الروم: 41.
(21) آل عمران: 165.
(22) الروم: 41.
(23) محمد: 7.
(24) محمد: 7.
(25) النور: 31.