موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الإيمان قول وعمل - المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني لفضيلة .
  
 
 المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
 مقدمة
 الإيمان بالقدر
 الإيمان قول وعمل
 الترحم على الصحابة والاستغفار لهم
 القرآن كلام الله
 الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة
 الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة
 الذنوب نوعان
 ثلاث منها فلا يناظر تاركها
 مقدمة الرسالة الثانية
 لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان
 صفات الله كاملات دائمات أزليات
 فناء الخلق وانتهاء أعمارهم وما يصيرون إليه بعد الموت
 ولاة الأمور وأحوال الرعية معهم
 الكف عن تكفير أهل القبلة
 فضل الصحابة
 الصلاة والبدعة والجهاد
 أحكام الصلاة والصيام في السفر
 ختام المقالات وتوجيهات للإمام
المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني - الإيمان قول وعمل

قال رحمه الله: وأنّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص، ولا ينفع قولٌ إلّا بعمل، ولا عمل وقول إلّا بنيّة، ولا قولٌ وعملٌ ونيّةٌ إلّا بسُنّة.


ذَكَرَ رحمه الله تعالى المسألة الثانية - وهي مسألة الإيمان -، والإيمان عند أهل السُّنَّة - كما ذَكَرَ رحمه الله تعالى - قول وعمل، ينبغي أنْ يُعرف المرادُ بقول السلف "الإيمان قول وعمل"، مرادهم بكلمة قول هنا شيئان، قول اللسان - وهو نطقه-، وقول القلب - وهو اعتقاده -، لأنّ القلبَ يقول - كما أنّ اللسان يقول -، فقول اللسان هو نطقه وهذا معروف، فما المراد بقول القلب؟ اعتقاده، هذا هو المراد، قول وعمل، ما المراد بالعمل؟ العمل يُراد به أيضًا شيئان، عملُ الجوارح المعروف مِن سجودك وطوافك بالبيت وغيره هذه أعمال الجوارح، وعَمَلُ القلب كمحبة الله عزّ وجلّ وخشيته ورجائه والتوكل عليه، فتارة يقولون: قول وعمل؛ فيُجْمِلُون العبارة، وتارة يُفصلون فيقولون: قول باللسان واعتقاد بالجنان – أي القلب - وعمل بالجوارح والأركان، يزيد وينقص، القسم الأول في قوله "الإيمان قول وعمل" يسميه أهلُ العلم حقيقةَ الإيمان، يعني ما حقيقة الإيمان؟ مسائل الإيمان الكبار ثلاث، مسائله الكبار ثلاث، الأولى: حقيقته وهو أنه قول وعمل، الثانية: أنه يزيد وينقص، وهي التي ذكرها هنا – هذه الثانية -، الثالثة: الاستثناء في الإيمان، بأنه إذا سُئِلَ هل أنت مؤمن؟ فيقول: إنْ شاء الله؛ ولا يزكي نفسه جزمًا، هذه مسائل الإيمان الثلاث، الإيمانُ قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يبقى أمرٌ مهم للغاية في موضوع الزيادة والنقصان، الزيادة والنقصان هل ترتبط بالقلب أو الناس في أمر القلب سواء؟ لاشك أنّ الزيادة والنقصان مرتبطة بالقلب أيضًا، يعني مِن المعلوم والأمور المؤكدة أنّ تفاوتَ الناس في العمل هذا واضح، يعني إنسان صام اليوم وتصدق وصلّى على الجنازة وعاد مريضًا ووصل رحمًا وقرأ مِن القرآن جزءًا؛ هذا أكثر عملًا، عند الجميع هذا أكثر ممّن لم يصم اليوم ولم يتصدق بشيء ولم يقرأ مِن القرآن شيئًا، معلوم هذا التفاوت في العمل واضح، لكنّ التفاوت حتى في قوة التصديق، فالتصديق يشترك فيه الأنبياء والملائكة وعموم المؤمنين، لكنّ درجة تصديق الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ودرجة تصديق الملائكة – عليهم الصلاة والسلام - درجة لا يبلغها أحد، ولهذا قال ابن أبي مليكة - كما في البخاري -: "أدركتُ ثلاثين مِن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلهم يخاف النفاق على نفسه" يعني يخاف الرياء وليس النفاق الأكبر "كلهم يخاف النفاق على نفسه؛ ما منهم مِن أحد يقول: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل!"(1) لا يزكون أنفسهم إلى أنْ يصفوا حقيقة إيمانهم بأنه كإيمان جبريل وميكائيل، ولهذا الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا الأمر يعرفه الإنسان حتى مِن نفسه، فتجد أنك في بعض الأحيان أكثر إقبالًا على الطاعة، تجد أنك أكثر إقبالًا على الطاعة، وأنّ قلبك أعظم في خشوعه، كما يحدث في بعض الأحيان، في رمضان أو عندما تقرأ آية ويتحرك لها قلبك وتخشع ونحو ذلك، قد قرأت هذه الآية في ختمة سابقة ولم يتحرك لها قلبك، ما الفَرْقُ؟ الفَرْقُ في موضوع الزيادة والنقصان، والشيء القابل أصلًا للزيادة هو قابل للنقصان؛ لأنه قبل الزيادة كان ناقصًا.

ثم قال رحمه الله: "ولا ينفع قول إلّا بعمل" هذا رَدٌّ على المرجئة، المرجئة يُخرجون العمل، تتفق طوائف المرجئة على إخراج العمل مِن حقيقة الإيمان، ثم منهم مَن يقول: "إنّ الإيمانَ قولٌ باللسان واعتقادٌ بالقلب" - كما هو قول مرجئة الفقهاء -، ومنهم مَن يقول: "إنّ الإيمانَ هو الاعتقادُ فقط ولو لم يكن هناك نُطْقٌ باللسان"، ولهذا قال رحمه الله مبينًا بطلان قول المرجئة: ولا ينفع قول - بأنْ يظهر الإسلام بلسانه - إلّا إذا عمل، أمّا إذا تَرَكَ العمل ولم يعمل أيَّ عمل؛ فإنّ الشافعيَّ رحمه الله تعالى - وهو إمام كبير جدًا - وقد نَقَدَ رحمه الله تعالى مَن ينقلون الإجماعَ بلا تروي، هذا الإمام نقل عنه شيخُ الإسلام رحمه الله تعالى أنه حكى إجماع الصحابة والتابعين ومَن بعدهم قال: "ومَن أدركنا؛ أنّ الإيمان قول وعمل ونية لا يُجزأ واحدٌ منها دون الآخر"(2)، يعني مَن اقتصر على القول وحده لم ينفعه، مَن اقتصر على القول والاعتقاد لم ينفعه، ولا ينفعُه إلّا أنْ يأتي بالأمور الثلاثة مجتمعة، ولهذا هل العمل شرط أو ليس بشرط؟ ما هذا الإطلاق؟؟ مِن أين أتى هذا الإطلاق؟؟ الشرط خارج الماهية، عندنا شروط الصلاة، شروط الصلاة ليست مِن صُلْبِ الصلاة، هذه أركان الإيمان تُسمى، أركانه مكونة مِن هذه الأركان الثلاثة، أنه قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعَمَلٌ بالجوارح والأركان، هذه حقيقة الإيمان، ولهذا قال الشافعي رحمه الله في إجماع الصحابة والتابعين ومَن بعدهم: "لا يُجزأ واحد منها دون الآخر" ومعلوم عند الجميع أنّ مَن قال بلسانه وعمل بجوارحه - وهو لم يعتقد - أنه لا ينتفع - عند الجميع - لأنه منافق، يظهر القول والعمل وحقيقته فاسدة في قلبه؛ وأنّ مَن عمل في الظاهر وكان قلبه - بزعمه – منطويًا على الاعتقاد الحق لكنه أبى أنْ ينطق؛ فإنه لا ينفعه حتى ينطق، فما الذي أخرجَ العمل إذن؟؟ لماذا يقال: إنه إذا نطق بلسانه واعتقد بقلبه ولم يعمل أنه يكون مؤمنًا! ما هنالك فائدة إذن مِن قولك: قول واعتقاد وعمل! فإنه إذا قلت: إذا ترك العمل فإنه يكون مؤمنًا! فإنّ حقيقة الإيمان عندك – وأنت لا تشعر - قول واعتقاد! لأنه لم يَعُدْ للعمل عندك أيّ معنى، ولهذا حكى الشافعي رحمه الله إجماع الصحابة والتابعين ومَن بعدهم على أنّ هذه الأمور الثلاثة مجتمعة لا ينفع واحد منها دون الآخر، لابُدّ مِن هذا، فالحاصل أنّ الأمر كما قال رحمه الله: "ولا ينفع قول إلّا بعمل" وهكذا لا ينفع قول واعتقاد إلّا بعمل، فلو زعم أنه يعتقد ونطق بلسانه وأبى أنْ يعمل؛ فإنه لا ينفعه، ولهذا قال في بقية كلامه: "ولا عمل وقول إلّا بنية" وهذا توضيح على أجلى ما يكون، كما أنه لا ينفعه أنْ يعمل في الظاهر وينطق الشهادتين إذا كان فاسد النية والقصد وليس بمخلص! هذا لا ينفع عند الجميع، قال: فكذلك لا ينفع القول إلّا بالعمل، هذه هي حقيقة الإيمان، واضبط هذه المسألة، مَن عرف معنى الإيمان عرف معنى الكفر، ومَن عرف معنى التوحيد عرف معنى الشرك، فإنْ خلَّط في معنى الإيمان لابُدّ أنْ يُخَلِّطَ في معنى الكفر، وإنْ خلّط في معنى التوحيد لابُدّ أنْ يُخلّط في معنى الشرك، ولهذا لَمّا عُرِّفَ التوحيد عند أهل التخنيث بأنّ معناه الإقرار بأنّ الله هو الرب الخالق؛ أشركوا بالله مِن حيث لم يشعروا أنهم وقعوا في الشرك، قالوا: لأنه - وإنْ صرفنا العبادة لهؤلاء في قبورهم - إلّا أنّا لا نعتقد أنهم يخلقون ويرزقون! فيقال: مَن قال لكم إنّ التوحيد الذي جاءت به الرسل هو اعتقاد بأنّ الله هو الخالق الرازق؟؟ هذا منصوص القرآن على أنّ أهل الجاهلية يُقِرُّون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ(3) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ(4) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ(5) فهم يُقرّون بهذا أصلًا؛ ومع ذلك وقعوا في الشرك، سمّاهم الله بالمشركين لأنهم صرفوا العبادة لغير الله، فحقيقة الشرك الذي نهت عنه الرسل صلّى الله عليهم وسلّم هو صَرْفُ العبادة لغير الله، كيف خفي عليهم هذا؟ لأنهم ظنوا أنّ التوحيد الذي دعت إليه الرسل أنْ يُقِرُّوا أنّ اللهَ هو الربُّ، فبالتالي صار الشرك أنْ يعتقدوا أنّ هناك ربًّا مع الله! وهذا لم يكن يعتقده كفار قريش بنص الآية الكريمة، ومنها آية سورة يونس ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ(6) كل الأمر ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(7) كيف تُقِرُّون بأنّ لله كلَّ هذا ثم تصرفون العبادة لغيره؟؟ لماذا صرفوا العبادة لغيره؟ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا(8) هذه الشبهة، لأنهم هؤلاء معظمون مِن صالحين أو ملائكة أو أنبياء أو غيرهم؛ فنتقرب بالعبادة لهم حتى تُقَرِّبَنَا إلى الله، فأمّا أنْ يعتقدوا أنها هي التي تخلق وترزق! فأبدًا ما كانوا يعتقدون هذا، ولهذا كانوا يقولون في طوافهم -كما في صحيح مسلم–: لبيك لا شريك لك، فيقول النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «قَدٍ؛ قَد»(9) يعني حسبكم، قفوا عند هذا، لأنّ هذا توحيد، فيقولون: إلّا شريكًا هو لك تملكه وما مَلَكَ، هم يعتقدون أنّ الله يملك هذه المعبودات، الملك الحقيقي لله عزّ وجلّ؛ ومع ذلك كانوا مشركين، لماذا خفي هذا على أناس ينتسبون للإسلام؟ لأنهم لم يعرفوا حقيقة التوحيد، كذلك الحال بالنسبة للإيمان، إذا لم تعرف حقيقة الإيمان لابُدّ أنْ ينعكس هذا عليك في حقيقة الكفر، ولهذا المرجئة لَمّا عزلوا العمل وعزلوا القول عن الإيمان وجعلوا الإيمان مرتبطًا بتصديق القلب فقط؛ جعلوا الكفر مرتبطًا بكفر القلب فقط، فانفتح بابٌ خطير جدًا وهو أنه إذا كان الأمر كذلك فما حال مَن ينطق بالكفر؟ كمن يَسُبُّ اللهَ - والعياذ بالله - أو رسوله صلّى الله عليه وسلّم؟ وما حال مَن يفعل الكفر كمَن يسجد لغير الله تعالى غير مكره وإنما مختارًا متعمدًا؟ فإنْ قالوا: إنه كافر؛ نقضوا قولهم: إنّ الإيمان مرتبط بالقلب، وبالتالي الكفر مرتبط بالقلب، لأنّ هذه أقوال وأفعال، وإنْ لم يكفروه فإنهم كما قال الكشميري - وهو واحد منهم – قال: يخالف إجماع الأمة, الأمة مجمعة على أنه مثل هذه التصرفات كَسَبِّ الله أو السجود للصنم – مِن قِبَلِ المختار المتعمد - أنّ هذا كُفْرٌ ولا يمكن ألّا يكون كفرًا! نقول: السبب في هذه الفوضى عندهم في الكفر أنهم لم يضبطوا معنى الإيمان، والسبب في الفوضى في الشرك أنهم لم يضبطوا معنى التوحيد، ولهذا ضَبْطُ المسألة يكون بمعرفة أنّ الإيمان قول واعتقاد وعمل، وبالتالي الكفر قول واعتقاد وعمل، كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ(10)، فنطقوا كلمة الكفر، كما قال تعالى: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ(11) فلابُدّ أنْ يُضبط هذا الأمر، لابُدّ أنْ يُضبط أَمْرُ الإيمان؛ وأنْ يُعرف مِن خلال كلام أهل العلم، وكلام الحميدي هنا - رحمه الله تعالى - غاية في الوضوح: أنّ الإيمان قول وعمل، وهذا كثير مِن الناس يقوله، لكن ما يدري بأنه لا ينفع قول إلّا بعمل، فإذا قال: لابُدّ أنْ يعمل، أمّا إذا قال واعتقد ولم يعمل؛ فإنه لا ينفعه، لهذا قال: لا ينفعه قول إلّا بعمل؛ ولا عمل وقول إلّا بنية، يعني لا ينفعه أنْ يعمل ويقول إذا كان فاسد القلب وقصده ليس لله عزّ وجلّ، فالمسألة مرتبطة على هذا الرابط، ومَن لم يضبط المسألة هذا الضبط صار عنده التخليط، ولهذا تركب – للأسف - عند بعض المتأخرين مقولة غريبة جدًّا أوَّلُها مِن قول أهل السُّنَّة وآخرها مِن قول المرجئة، فيقول: إنّ الإيمان قول واعتقاد وعمل؛ ثم إذا ترك العمل؛ فإنه لا يكون كافرًا! لو ترك العمل مطلقًا! إذًا ما معنى قوله: "قول واعتقاد وعمل؟" الحقيقة أنك تقول: إنّ الإيمان قول واعتقاد! لأنه ليس هناك أثر لقولك بترك العمل، وكان شيخنا - الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى - يغضب غضبًا شديدًا لو جاء أحدٌ يستدل بحديث «لم يعملوا خيرًا قطّ»(12) - كما هو حال كثير نسأل الله أنْ يردنا وإيّاهم لهدايته - كان يقول رحمه الله تعالى: "هذا الحديث يُرَدُّ إلى بقية الأحاديث" ويقول للسائل مرة – وهو قليل المناقشة مع السائل رحمة الله تعالى عليه - لَمّا قال هذا الحديث؛ قال له مَرَّةً مِن المرات قال له: "لو قال: لا إله إلّا الله؛ وأبى أنْ يقول: محمد رسول الله؛ ينفعه؟ قال السائل: لا، قال كذلك في الحديث: «مَن قال: لا إله إلّا الله دخل الجنة»؛ وإنْ لم يقل محمد رسول الله!! قطعًا لا، مِن أين علمنا - والحديث هنا فيه إطلاق – «مَن قال: لا إله الله دخل الجنة» وليس في الحديث أنّ مَن قال: محمد رسول الله دخل الجنة! مِن النصوص الأخرى، تجمع النصوص بعضها إلى بعض، هذا اعتقاد أهل السُّنَّة كما ترى، قول واعتقاد وعمل، وكما حكى الشافعي رحمه الله الإجماع، لا ينفع واحد منها إلّا بالآخر، كما قال الآجريُّ رحمه الله في الشريعة "لا ينفع واحد منها إلّا بالآخر"(13)، فلا يُرَكَّز على اثنين منهما ويُترك الأخر، وإلّا ما صار لقولك "عمل" فائدة! ولذلك تركبت هذه المسألة، وأنا في هذا المقام أُنَبِّهُ لأمر مهم جدًّا لطلبة العلم: اعلم أنّ كثيرًا مِن شروح الحديث وكتب التفسير وكتب الأصول صنفها أناس مِن المرجئة وصنفها أناس مِن المعطلة للصفات، فانتبه يا طالب العلم لِأَخْذِ ما فيها مِن النافع وترك ما قد يلج إلى هذه الكتب مِن عقائد المصنفين، لأنّ جزءًا مِن الخلل الذي وقع في بعض طلبة العلم ممّن انحرف كان أتاهم مِن الشروح، ولهذا تجد أنهم يستدلون بكلام المرجئة، فيقولون: قال فلان, فنقول: هذا ممّن هو؟ مِن الأشاعرة, طيب والأشاعرة ما عقيدتهم؟ يرون أنّ الإيمان تصديق فقط فيخرجون العمل ويخرجون القول حتى، مِن هنا أُتُوا، وقد نبَّه وذَكَرَ هذا الكلام أكثر مِن مرة الشيخ العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى إلى أنّ بعض طلبة العلم يركزون على أبواب مِن العلم كالفقه مثلًا والمصطلح ويغفلون عن أَمْرِ العقيدة، ولهذا تدخل عليهم مثلُ هذه الدواخل وهم لا يشعرون لأنّ الفقه - كما تعلم - ميدان واسع، يصنف فيه مَن هو على اعتقاد صحيح ومَن هو على غير اعتقاد صحيح، شروح الحديث هناك مَن شرح مِن ذوي الاعتقاد الصحيح وهناك مَن شرح مِن غير ذوي الاعتقاد الصحيح، فانتفع بالشروح هذه كلها، ولا تفعل مثلما قال بعضهم: تُجْمَعُ وتُحْرَقُ!! هذا إنسان ليس مِن الراسخين في العلم، يُستفاد منها هذه، لكنْ لابُدّ أنْ تعرف اعتقادَ المصنف حتى لا يُدخل عليك شيئًا مِن الخلل وأنت لا تشعر, خُذْ عندك على سبيل المثال تفسير الزمخشري، تفسير الزمخشري - كما ذكر شيخ الإسلام - يقول رحمه الله تعالى: الزمخشري يدخل اعتزالياته بطريقة خفية لا يشعر بها القارئ، وفعلًا الزمخشري بهذه الطريقة يُدخل مسائله - لأنه معتزليّ - يُدخل مسائل الاعتزال في أثناء تفسير الآيات ولا يدري بعضُ مَن ينقلون هذا الكلام أنّ هذا قول المعتزلة.

الحاصل أنّ على طالب العلم أنْ يضبط مثلَ هذه المسائل وأنْ يَرُدَّها - إذا اشتبهت عليه - إلى مَن هو أعلم منه؛ وأنْ لا يخوض فيها، وهذه المصنفات والردود التي تكاثرت كلها بسبب عدم ضبط المسألة على هذه الهيئة، فالواجب أنْ تُضبط هذه المسألة ضبطًا سليمًا على وفق ما ترى الآن مِن كلام المصنفين السابقين رحمهم الله، وتضبط المسألة على فهم الصحابة والتابعين في هذا الباب وفي غيره مِن الأبواب.


(1) رواه البخاري (18/ 1) تعليقًا، ووصله الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه (فتح الباري) (110/ 1) عن ابن أبي خيثمة في تاريخه، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له.
(2) يُنظر: مجموع الفتاوى (7/ 209).
(3) الزخرف: 87.
(4) العنكبوت: 61.
(5) العنكبوت: 63.
(6) يونس: 31.
(7) يونس: 31.
(8) الزمر: 3.
(9) صحيح مسلم (1185) من حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعًا.
(10) التوبة: 74.
(11) التوبة: 74.
(12) صحيح مسلم (183) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(13) يُنظر: الشريعة للآجريّ (2/ 611).