موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - القرآن كلام الله - المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني لفضيلة .
  
 
 المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
 مقدمة
 الإيمان بالقدر
 الإيمان قول وعمل
 الترحم على الصحابة والاستغفار لهم
 القرآن كلام الله
 الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة
 الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة
 الذنوب نوعان
 ثلاث منها فلا يناظر تاركها
 مقدمة الرسالة الثانية
 لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان
 صفات الله كاملات دائمات أزليات
 فناء الخلق وانتهاء أعمارهم وما يصيرون إليه بعد الموت
 ولاة الأمور وأحوال الرعية معهم
 الكف عن تكفير أهل القبلة
 فضل الصحابة
 الصلاة والبدعة والجهاد
 أحكام الصلاة والصيام في السفر
 ختام المقالات وتوجيهات للإمام
المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني - القرآن كلام الله

قال رحمه الله تعالى: والقرآنُ كلامُ الله، سمعتُ سفيانَ يقول: "القرآنُ كلامُ الله، ومَن قال مخلوقٌ؛ فهو مبتدعٌ، لم نسمع أحدًا يقول هذا"، وسمعت سفيان يقول: "الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص"، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: "يا أبا محمد؛ لا تقل ينقص!" فغضب وقال: "اسكت يا صبي، بل حتى لا يبقى منه شيء".


ذَكَرَ هنا رحمه الله مسألة القرآن، القرآن كلام الله، وكلام الله عزّ وجلّ صفة مِن صفاته، وصفات الله قطعًا غير مخلوقة، ومَن قال: إنّ شيئًا مِن صفات الله مخلوق! فقد أعظم الفرية على الله عزّ وجلّ، والرب سبحانه بأسمائه وصفاته غير مخلوق بلا شك، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(1) الفَرْقُ العظيم بين الرب وبين غيره - سبحانه وتعالى - الفَرْقُ الأعظم أنّ الله تعالى رب يَخْلُق؛ وكل مَن سواه عبيد مخلوقون، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(2) فهم عبيد خلقهم الله، فإذا قيل: إنّ مِن الله تعالى - والعياذ بالله - شيء مخلوق! ترتب على هذا - والعياذ بالله - إبطالُ أصل العبادة، يقول عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(3)، فأبطل الله سبحانه استحقاقهم لعبادته بأنّ هذه المعبودات - أيًّا كانت المعبودات - أبطل استحقاقها للعبادة بكونها تُخْلَق، والذي يُعبد هو الذي يَخْلُق، ولهذا قال تعالى في الآية قبلها: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(4)، فإذا قيل: إنّ مِن صفات الله تعالى شيئًا مخلوقًا! بَطَلَ أصلُ عبادة الرب عزّ وجلّ، لأنّ الله عزّ وجلّ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ(5)، قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ(6) تعليل، لماذا تعبدون ربكم؟ لأنه هو الذي خلقكم، فإذا قيل: إنّ مِن الله تعالى شيئًا مخلوقًا؛ قيل: استحقاق العبادة مبني على كون الله تعالى يَخْلُق، فإذا كان مِن الله تعالى شيء مخلوق؛ بطل أصلُ استحقاق العبادة، وهذا نموذج – يا أخوة - على أنّ الخلل في أي نوع مِن أنواع التوحيد ينعكس على النوع الثاني، هذا الخلل الذي وقع فيه المعتزلة وأضرابهم - ولا تزال عليه الإباضية الآن - هذا الخلل في الأسماء والصفات يضرب توحيدَ العبادة، لأنّ استحقاق الله للعبادة عزّ وجلّ لكونه هو الخالق، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ(7) فكونه هو الخالق يجعله المستحقَّ للعبادة وحده، فإذا قيل: إنّ منه شيئًا مخلوقًا! فإنّ هذه كلمة عظيمة جدًا، أولًا: في استنقاص رب العالمين، الأمر الثاني في أنه يُبطل استحقاقَه للعبادة! لأنه لم يَعُدْ بين الخالق والمخلوق - نسأل الله العافية – فَرْقٌ! ولهذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى وأئمة السُّنَّة لَمّا ابتُلوا بالمعتزلة وتَقَوّت المعتزلة عليهم بخلفاء بني العباس الثلاثة - المأمون والمعتصم والواثق - وسُجن مَن سُجن مِن علماء السُّنَّة؛ وعُذِّبَ مَن عُذِّبَ؛ أحمد رحمه الله تعالى لَمّا قيل له: إنْ عُرِضْتَ على السيف ترجع؟ قال: لا، أنت تعلم أنّ العرض على السيف ماذا يعني شرعًا؟ الإكراه، والإكراه شرعًا ليس فيه مندوحة! قال: ما أرجع؛ حتى لو عُرضتُ؛ يعني حتى لو قُتِلْتُ، المسألة عظيمة، وستضل الأمة لو سكتنا، ولهذا وقف رحمه الله تعالى هذا الموقف حتى يُعلم أنّ هذه المقولة بشعة للغاية، ولهذا وقف رحمه الله تعالى، ورفع الله تعالى له ذِكْرَهُ، هنا مسألة مهمة أنّ الموقف هنا ليس لأحمد وحده، أحمد أظهره الله تعالى لأنه أقوى مَن قاوم، لكن هنا عدد مِن علماء الأمة قُتِلوا رحمهم الله تعالى وسُجِنَ منهم مَن سُجِنَ حتى أخرجه المتوكلُ رحمة الله تعالى عليهم، وهو الخليفة السُّنِّي الذي جاء بعد الخلفاء الثلاثة الذين جَارَوا المعتزلة في هذه العقيدة، فالعقيدة هذه خطأ، وبعض مَن لا يعي ولا يفقه يقول: هذه المسألة الإمام أحمد رحمه الله وأسكنه الجنة كان ما ينبغي له أنْ يقف لها هذه الوقفة! وأنْ يُعرض نفسه للمحنة لأجل مثل هذه المقولة! لأنك أنت تجهل المسألة، ولا تدري بالذي سيترتب على القول بأنّ القرآن مخلوق، لأنّ القرآن كلام الله؛ وكلام الله صفته، وإذا قيل: إنّ صفات الله تعالى مخلوقة! بَطَلَ استحقاقُ الرب أصلًا للعبادة، فكونك أنت تجهل ما الذي يترتب على القول بأنّ القرآن مخلوق؛ لا يعني أنْ تنتقدَ أحمدَ بن حنبل؛ وتظن أنّ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان فارغًا! ما يدري بمثل هذه المسائل وما دونها! أو كان يتلذذ بالسجن والأذية! الإمام أحمد لفقهه وعلمه بخطورة هذه المسألة وأنها مقولة إنْ سَرَتْ في الأمة سَرَى الكفر؛ وقف رحمه الله، ورأى أنّ الإكراه أصلًا لا يُعفيه في مثل هذه المسألة رحمه الله، وكون الناس يَقْصُرُون عن فهم أبعاد بعض الخلل العقدي وخطورته لا يعني أنّ أهل العلم الراسخين مِن علماء السُّنَّة يكونون محل النقد! فإنّ علماء السُّنَّة ما وقفوا ذلك الموقف تعصيًّا وعنادًا للولاة! ليس هذا مِن طبعهم رحمة الله تعالى عليهم، وإنما لِعِلْمِهم الذي كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "فإنْ قلتَ أين آية كذا؟ فقد قرأوا مثلما قرأتم وعَلِمُوا منها ما جهلتم"(8) فهم علموا ما جهله الذي لا يعي بأبعاد مثل هذه المقولة، لهذا قال رحمه الله: "سمعت سفيان يقول: القرآن كلام الله، ومَن قال: مخلوق فهو مبتدع" أي بدعة مكفرة، هذا المراد، لأنّ القول بأنّ القرآن مخلوق؛ قد أجمع أهل السُّنَّة والجماعة على أنّها مقولة كفرية، فمَن قالها فإنه يكفر، ونقل اللالكائي رحمه الله عن أكثر مِن خمسمئة مِن علماء السُّنَّة في الشام العراق ومصر والجزيرة والحجاز والثغور وخراسان وسَرَدَهم واحدًا واحدًا - رحمه الله - أنهم جميعًا متفقون على أنّ القول بأنّ القرآن مخلوق كُفْرٌ، أي أنّ قائله يكفر، وأشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله في النونية فقال: "ولقد تَقَلَّد كفرَهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان" خمسون في عشرة خمسمئة، "ولقد تَقَلَّد كفرَهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان، واللالكائيُّ الإمامُ حكاه عنهم؛ بل حكاه قَبْلَه الطبراني"، فهي مقولة خطرة جدًا، ولا يعي أبعادَها كثيرٌ مِن المُخَبِّصِيْن؛ مِن الذين تكلموا في هذه السنوات الأخيرة، وإلّا المسألة على جانب كبير مِن الوعورة والخطورة، ولأجل ذلك وقف أئمةُ السُّنَّة هذا الموقف، ثم نَقَل عن سفيان رحمه الله - وهذه مسألة الحقيقة مرتبطة بالإيمان لكنه عاد إليها الآن - أنّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فأخوه إبراهيم بن عيينة قال: يا أبا محمد: لا تقل يزيد وينقص! فغضب وقال: "اسكت يا صبي"، هو ليس طفلًا صغيرًا! لكنّ يقصد أنّ عقلك عقلُ طفل، "بل حتى لا يبقى منه شيء"، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء، هذا المعنى، يعني أنه ينقص حتى لا يبقى منه شيء.


(1) النحل: 17.
(2) مريم: 93.
(3) النحل: 20، 21.
(4) النحل: 17.
(5) البقرة: 21.
(6) البقرة: 21.
(7) فصلت: 37.
(8) الإبانة الكبرى لابن بطة (4/ 232).