موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة - المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني لفضيلة .
  
 
 المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
 مقدمة
 الإيمان بالقدر
 الإيمان قول وعمل
 الترحم على الصحابة والاستغفار لهم
 القرآن كلام الله
 الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة
 الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة
 الذنوب نوعان
 ثلاث منها فلا يناظر تاركها
 مقدمة الرسالة الثانية
 لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان
 صفات الله كاملات دائمات أزليات
 فناء الخلق وانتهاء أعمارهم وما يصيرون إليه بعد الموت
 ولاة الأمور وأحوال الرعية معهم
 الكف عن تكفير أهل القبلة
 فضل الصحابة
 الصلاة والبدعة والجهاد
 أحكام الصلاة والصيام في السفر
 ختام المقالات وتوجيهات للإمام
المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني - الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة

قال رحمه الله تعالى: والإقرارُ بالرؤية بعد الموت، وما نطق به القرآنُ والحديثُ مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ(1) ومثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ(2) وما أشبه هذا مِن القرآن والحديث، لا نزيد فيه ولا نفسره، نقف على ما وقف عليه القرآن والسُّنَّة ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(3) ومَن زعم غير هذا فهو مُعَطِّلٌ جهميٌّ.


ذَكَرَ رحمه الله تعالى أكثرَ مِن مسألة، المسألة الأولى: ما يتعلق بالرؤية يعني رؤية الرب سبحانه وتعالى في الجنة مِن قِبَل المؤمنين، وهذه مسألة أجمع أهل السُّنَّة عليها جميعًا، وما خالف فيها إلّا المعتزلة ومَن تأثر بأقوالهم، والرؤية تكون إلى وجه الرب سبحانه وتعالى، كما قال صلوات الله وسلامه عليه: «أسألك لذة النظر إلى وجهك»(4)، فالنظر يكون إلى وجه الله، قال أهل العلم: إنّ أعظم لذة في الجنة هي النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى، فلمّا شَقِيَ هؤلاء وقَلّ عِلْمُهم بالله عزّ وجلّ؛ نَفَوا أعظمَ لذة في الجنة على الإطلاق، والرؤيةُ دلت عليها عدةُ نصوص، منها قوله تبارك وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(5)، فالنضارة والبهاء والحُسْن في هذه الوجوه لأنها نظرت – بالظاء أخت الطاء - بالأعين إلى الرب سبحانه وتعالى، ولذا قال: "وجوه"، والوجوه هي التي فيها الأعين، وثبت في صحيح مسلم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ(6) فقال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظرُ إلى وجه الله»(7)، وهكذا عدة نصوص، وروى أحاديثَ الرؤية نحو مِن ثلاثين مِن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، روى أحاديثهم الدارقطنيُّ رحمه الله تعالى في كتاب الرؤية، وسَرَدَ في سياقين اثنين في اللالكائي رحمه الله تعالى نصوصَ القرآن ونصوص السُّنَّة والآثار عن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم في إثبات أنّ الرؤية تكون إلى الرب سبحانه وتعالى بالأعين، وهذا الأمر أجمع عليه أهلُ السُّنَّة، فلا يُخالِف في الرؤية إلّا الجهمية والمعتزلة وأضرابُهم، ثم قال: "والإقرار بالرؤية بعد الموت" قوله: "بعد الموت" هذا قيد، قال صلّى الله عليه وسلّم كما في صحيح مسلم:" «واعلموا انّ أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت»(8)، فمِن المحال أنْ يرى أحد رب العالمين في الدنيا، ولَمّا طلب موسى أنْ يرى ربه تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا(9)، فلم تحصل الرؤية حتى لموسى صلى الله عليه وسلم، فمَن ادّعاها فهو كاذب، مَن ادّعى أنه يرى الله فإنه كاذب، مَن ادعى أنه يرى الله – كمخرفي الصوفية وأضرابهم - فإنه كاذب على الله تعالى مفترٍ، والرؤية لا تكون إلّا بعد الموت كما في الحديث الذي ذكرناه «واعلموا أنّ أحدًا لن يرى ربه حتى يموت»، ففي الدنيا لا يمكن أنْ يرى أحدٌ ربَّ العالمين، ولا يمكن أنْ يَثْبُتَ أحد حتى يرى رب العالمين، ولهذا لَمّا سأل أبو ذر النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله؛ رأيت ربك؟ قال: «نور أنَّى أراه؟؟»(10) سبحانه وتعالى، فالحاصل أنّ الرؤية تكون بعد الموت، وهي أعظم لذائذ أهل الجنة، قال: "والإقرار بالرؤية بعد الموت؛ وما نطق به القرآن والحديث" يعني نُقِرُّ بما نطق به القرآن والحديث، وهذان هما المصدران في التعريف برب العالمين، ما نطق به القرآن والحديث مِن هذه النصوص المتعلقة بالصفات والتعريف بالله عزّ وجلّ فإنّا نُقِرُّ به، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ(11) فنفى الله تعالى عن يديه الغَلَّ وأثبت أنّ له تبارك وتعالى يدين كريمتين سبحانه وتعالى مبسوطتين، ومثل قوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ(12) فيه إثبات اليمين للرب تعالى؛ وأنه يطوي السموات سبحانه وتعالى كما في الحديث الصحيح «إنّ الله يضع السموات على أصبع والأرضين على أصبع»(13) إلى آخر الحديث، قال: "وما أشبهها" يعني لن أَسْرُدَ لك، لن أقول لك: والنزول وكذا! يكفي، أنا أُقَرِّرُ لك في المختصر أنّ أيّ شيء نطق به القرآن والحديث مثل هاتين الآيتين أو أي حديث ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم فإنا نُقِرُّ به، ثم قال: "لا نزيد فيه" يعني لا نأتي مِن قِبَل أنفسنا ونزيد صفة نثبتها لله لم تأت في القرآن والحديث! لأنّ الأسماء والصفات توقيفية، إنما نعرفها مِن القرآن والسُّنَّة، "ولا نفسره" المقصود بقوله "ولا نفسره" في كلامه هنا وفي كلام السلف وفي كلام المصنفين مِن علماء السُّنَّة ليس المقصود لا نفسر معناه! وإنما المقصود لا نفسره التفسيرَ المُحْدَث الذي أتت به الجهمية، لأنّ الجهمية لَمّا أتت إلى هذه النصوص البيّنة الجليّة ماذا فعلت؟ قالت: لها تفسير، فقال السلف: لا تفسر، ولهذا ماذا قال بعض السلف؟ قال: قراءتُه تفسيرُه، يعني أنه واضح، هكذا قرأه صلّى الله عليه وسلّم؛ وفهمه الصحابة؛ والصحابة هكذا نقلوه للتابعين وفهموه، لا تأتني بتفسير مُحْدَث، لأنّ الجهمية لَمّا أرادت أنْ تنفي هذه الصفات ماذا فعلت؟ قالت: هذه النصوص لها تفسير؛ فقال: لا تفسر، وليس المقصود لا نفسر المعنى! لأنّ تفسير المعنى ثابت عن السلف، فالاستواء على العرش - على سبيل المثال - فسره السلف، وقالوا: الاستواء على العرش معناه العلو على العرش والارتفاع عليه، ولهذا لَمّا سأل رجلٌ مالكَ بن أنس قال: يا أبا عبد الله؛ الرحمن على العرش استوى؛ كيف استوى؟ اشتد مالك رحمه الله حتى علاه الرحضاء – يعني العرق -، هل بلغ بالمسلمين الحدّ حتى يأتي بعضهم يسأل عن رب العالمين بكيف؟؟ لاحظ ماذا قال؛ قال: الاستواء معلوم، يعني معلوم المعنى، فلو أنك سألتني عن المعنى لأخبرتك، والكيف الذي تسأل عنه هو المجهول، يعني أنْ يقول أحد: أنا أريد أنْ تحدثني - والعياذ بالله - بكيفية يد الله؛ بكيفية استواء الله؛ نعوذ بالله، هذا لا يحل، ولهذا قال مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أُراك إلّا رجل سوء؛ ثم أُمِرَ به فأخرج مِن المسجد"(14)، قال: أنت إنسان خبيث، تسأل في الأمة مثل هذا السؤال عن رب العالمين؟ تستحق أنْ تُعاقب وتُخرج مِن المسجد، فتفسيره قراءته كما قال السلف، لأنّ معناه جَلِيٌّ واضح، أمّا أنْ يُحدث له تفسير؛ وأنْ يؤتى بكلام يُبطل اللفظ البيّن الواضح مِن هذه النصوص؛ فلا شك أنّ هذا طريق الزائغين الضالين، ولهذا قال: "نقف على ما وقف عليه القرآن والسُّنَّة" يعني لا نتلقى ما يتعلق بنصوص صفات الرب إلّا مِن القرآن والسُّنَّة، ونقول: "الرحمن على العرش استوى" لاحظ الآية، نقول بجميع النصوص مثل قوله "الرحمن على العرش استوى، ويقول صلّى الله عليه وسلّم: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر»(15) وغيره مِن النصوص" ثم قال: "ومَن زعم غير هذا فهو معطل جهمي" المعطل هو الذي يعطل المعنى، وهذا يؤكد لك أنّ مراده بقوله " لا نفسره" أي تفسير الجهمية، يقول: مَن قال بغير هذا فهو معطل، لأنّ الجهميّ ماذا أراد بالتفسير؟ أنْ يعطل معناه الواضح، وأنْ يجعل اللفظ خارجًا لا معنى له، أو أنْ يأتي بمعنى على خلاف الظاهر الجليّ منه.


(1) المائدة: 64.
(2) الزمر: 67.
(3) طه: 5.
(4) صحيح. رواه النسائي (1305) من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (1301).
(5) القيامة: 22، 23.
(6) يونس: 26.
(7) صحيح مسلم (181) من حديث صهيب رضي الله عنه مرفوعًا.
(8) صحيح مسلم (169) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(9) الأعراف: 143.
(10) صحيح مسلم (178) من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(11) المائدة: 64.
(12) الزمر: 67.
(13) صحيح البخاري (4811) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا.
(14) رواه البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (867)، وقال الحافظ رحمه الله في الفتح (407/ 13): "إسناده جيد".
(15) صحيح البخاري (1145) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.