موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة - المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني لفضيلة .
  
 
 المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
 مقدمة
 الإيمان بالقدر
 الإيمان قول وعمل
 الترحم على الصحابة والاستغفار لهم
 القرآن كلام الله
 الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة
 الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة
 الذنوب نوعان
 ثلاث منها فلا يناظر تاركها
 مقدمة الرسالة الثانية
 لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان
 صفات الله كاملات دائمات أزليات
 فناء الخلق وانتهاء أعمارهم وما يصيرون إليه بعد الموت
 ولاة الأمور وأحوال الرعية معهم
 الكف عن تكفير أهل القبلة
 فضل الصحابة
 الصلاة والبدعة والجهاد
 أحكام الصلاة والصيام في السفر
 ختام المقالات وتوجيهات للإمام
المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني - الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة

وأنْ لا نقول كما قالت الخوراج: "مَن أصاب كبيرة فقد كفر"! ولا نُكَفِّرُ بشيء مِن الذنوب، وإنما الكفر في تَرْكِ الخمس التي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أنْ لا إله إلّا الله؛ وأنّ محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت".


بدأ رحمه الله تعالى بالكلام عن الخوارج، الحقيقة أنّ الكلام عن الخوارج أهم مسألة في موضوع الخوارج أنْ يُضبط معنى الخوارج، هناك خبص عجيب في معنى الخوارج، يعني مَن يقول: الخوارج مَن يكفرون بالكبيرة! تعريفه قاصر جدًا، لأنه هناك خارجيٌّ لا يكفر بالكبيرة! يعني خرج مِن هذا الوصف، هذا غير صحيح، الخوارج اسم أطلقه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «تخرج خارجة على حين فُرْقَة مِن المسلمين»(1)، فالخوارج هم الذين يخرجون عن جماعة المسلمين، الخوارج الأوائل يكفرون بالمعصية، قد يأتي خارجيّ يخرج عن جماعة المسلمين؛ فيقول: السارق لا أُكَفِّرُه، الضابط الذي يضبط الخارجيّ هو الذي يخرج على جماعة المسلمين، ثم عقيدته قد تتلوّن، الخوارج على عدة فِرَق، الأزارقة؛ النجدات؛ الإباضية، أشكال، حتى نفس الإباضية، الآن المعاصرون يختلفون اختلافًا كبيرًا عن الإباضية - أصحاب عبد الله بن إباض -، عبد الله بن إباض على شرّه وفجوره لو أدرك الإباضية المعاصرين هؤلاء لقاتلهم، لأنهم معتزلة، وليسوا فقط مجرد خوارج! هم خوارج ومعتزلة، فالخارجي ضَبْطُه: مَن يخرج على جماعة المسلمين، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «تخرج خارجة على حين فُرْقَة مِن المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق»(2)، إذا عرفت ضبطَ الخارجي؛ فكون الخارجي تتغير عقيدته هذا لا يؤثر، ولهذا النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم جَعَلَ علامةَ الخوارج زمن الصحابة أنّهم يحلقون رؤوسهم، يعني حلقًا استئصالًا، يقول النووي وابن تيمية وشُرّاح الحديث؛ يقولون: هذه صفة ٌفي أوائلهم، ولا يلزم أنْ تبقى في أواخرهم، فقد يأتي خارجي لا يحلق رأسه! فلا تجعل هذه الصفة صفة ًمستمرةً في الخوارج؛ تقول: مَن لم يحلق رأسه ليس بخارجي! الأمور ليس بهذه السهولة، لأنّ الخارجي في بعض الأحيان لا يحلق رأسه، فالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أعطى أوصافًا للخوارج الذين سيدركهم الصحابة، فقال: «علامتهم التَّسْبِيْد»(3) قال أبو داود: أي أنهم يحلقون رؤوسهم(4)، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «آيتهم رجل يده كأنها ثدي امرأة»(5)، خلق الله عزّ وجلّ يدَ هذا الرجل كأنها - سبحان الله العظيم – كأنها ثدي امرأة، فلهذا لَمّا قاتل عليٌّ الخوارج وأبادهم قال: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبرني بهذه العلامة فيهم، فبحثوا عنه في القتلى فقالوا: لم نجده!(6) قال: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، فبحثوا عنه فوجدوه تحت عدد مِن القتلى قد سقطوا فوقه(7)، لأنّ عليًّا استأصلهم استئصالًا شديدًا جدًّا في النهروان، قَتَلَهم قَتْلَ إبادة رضي الله عنه، ولم يبق منهم إلّا عدد قليل جدًا، هذا العدد القليل على قِلّته استمر في الخروج حتى سقوط دولة بني أمية، وجاء عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّ الخوارج يستمرون حتى - نسأل الله العافية – «يلحق آخرهم بالدجال»(8)، يعني هم مِن الفِرَق التي تبقى إلى آخر الزمان - نعوذ بالله مِن حالهم ومحالهم -, الخوارج ضابطُهم ما قال صلّى الله عليه وسلّم: «تخرج خارجةٌ على حين فُرْقَة مِن المسلمين»(9)، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «مَن خرج عن الطاعة وفارق الجماعة؛ مات ميتةً جاهلية»(10) هذا الضابط أنْ يخرج عن الطاعة، كيف يخرج عن الجماعة؟ أنْ يخرج على وِلَايَتِها، ولهذا في لفظ آخر: «مَن خرج عن السلطان شبرًا مات ميتةً جاهلية»(11)، فالخروج على الجماعة يعني أنْ يخرج على جماعة المسلمين، لأنّ الجماعة المسلمون، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: "لا إسلام إلّا بجماعة، ولا جماعة إلّا بإمارة، ولا إمارة إلّا بالطاعة"(12), تأملْ هذه الكلمات العظيمة مِن هذا المُحَدّث، رواه الدارميُّ, لا إسلام: يعني لن يقوم للإسلام قائمة إلّا إذا وجدت جماعة، أمّا إذا لم توجد جماعة للمسلمين يقيمون فيها أحكام الله؛ ويكون مسلمون في موضع ٍوفي مكان عليهم حاكم؛ فإنّ الإسلام بأسره لا يقوم، لأنه يكون مُفَرّقًا مشتتًا، لا إسلام إلّا بجماعة، إذًا الجماعة مهمة، اعلم أنّ الجماعة لا تكون إلّا بإمارة، يعني يستحيل أنْ تكون هناك جماعة إلّا إذا وجد عليها أمير، أمّا لو وجد عشرة ملايين لكن ليس عليهم أمير فهؤلاء ليس وضْعُهم وَضْعُ جماعة! وَضْعُهم وَضْعُ فُرْقَة، كما في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه – وهو في الصحيحين - لَمّا أخبر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن التغير الذي سيكون؛ وأنهم سيكون حُكّامٌ قال فيهم صلّى الله عليه وسلّمَ: «دعاةٌ على أبواب جهنم مَن أجابهم إليها؛ قذفوه فيها» يعني إذا أطاعهم في المعصية فإنهم يقذفونه بالنار, قال: ما تأمرني إنْ أدركني ذلك؟ قال: «تَلْزَمُ جماعةَ المسلمين وإمامَهم» يعني وإنْ كان إمامهم مِن الدعاةِ إلى النار! وكيف يدعو إلى النار؟ بأنْ يأمر بالمعصية؛ فإنْ أطعته دخلتَ النار، فلا تطعه في المعصية كما سيأتي إنْ شاء الله عزّ وجلّ وتبقى الجماعة، ماذا قال حذيفة الصحابي الفقيه قال: فإنْ لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: «تعتزل تلك الفِرَق»(13) يعني إنْ لم يوجد حاكم؛ فإنهم فِرَقٌ، ما يكونون جماعة، لهذا - كما سيأتي – يُصبرُ على الحاكم فجوره وتسلطه وعتوه وظلمه وتَجَبُّرُه لا لسواد عينيه! لأجل أنْ تبقى الجماعة فقط، لهذا أعظم الناس شجاعة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، صبروا على الحجاج بن يوسف الذي بلغ به التمرد والعتو مبلغًا هائلًا، ليس لأجل سواد عين الحجاج! ولا لتثبت دولة بني أمية! لا، لأجل أنْ تبقى جماعة، حتى الإمام أحمد رحمه الله الذي أُوذي الأذية الكبيرة جدًّا زمن الواثق حتى قال رحمه الله - مع أنه عُذِّبَ زمن المعتصم ولم يُعَذّب زمن الواثق – قال: "ما وجدت في زمن الواثق أعظم مما وجدت في زمن المعتصم" لأنّ الواثق قال: لا أراك، قال: غَيِّبْ وجهك عني؛ إياك أنْ أراك، فقهاء بغداد اجتمعوا - كما روى الخلال عن حنبل - وكان الواثق يمتحن الناس في هذه المسألة التي تقدمت - وهي مسألة مِن الكفر - في مسألة والعياذ بالله: القول بخَلْق القرآن، فقال أحمد: "ما تريدون؟ اجتمع الفقهاء عنده؛ قالوا: نريد أنّ هذا لا ولاية له! قال: "اتقوا الله"، يقوله أحمد في هذا الخليفة المتسلط - الذي تسلط هو والمعتصم قَبْلَه والمأمون – يقول: "اتقوا الله، ولا تشقوا عصا المسلمين حتى يستريح برّ أو يستراح مِن فاجر"(14) يعني يستراح مِن الفاجر؛ أنْ يميته الله عزّ وجلّ، يستريح الأبرار، أمّا جماعة المسلمين لا تشقوها، فقهاء بغداد اجتمعوا عند أحمد، ما قال: هذه فرصة! والله لألقنن بني العباس درسًا على ما عذبوني في السنين الماضية! لأنّ المسائل ليست مسائل هوى! وإنما المسائل مسائل خضوع للنص، وإلّا فزمن العباس تسلطوا على أحمد - وهو إمام أهل السُّنَّة رحمه الله في وقته - وما رعوا له شيبتَه ولا عِلْمَه رحمه الله -، يجتمع فقهاء بغداد ويُحتاج فقط لفتوى جماعية لإسقاط الواثق، قال: "اتقوا الله، ولا تشقوا عصا المسلمين"، يعني وإنْ كان هذا الحاكم الفاجر الظالم موجودًا متسلطًا عليّ وقد ذُقْتُ منه ومِن الخليفتين قَبْلَه ما ذقت؛ لكن اتقوا الله، لا تشقوا عصا المسلمين! حتى يستريح برّ أو يُستراح مِن فاجر، ما الذي حصل؟ مات الفاجر وجاء الله بالمتوكل، وقَلَبَ - رحمة الله عليهم - المسألة على الجهمية قلبًا، ومنع في الخلافة كلها قولَ الجهمية، هو تسلط على ابن أبي دؤاد - الذي تسلط على الإمام أحمد - وصادر جميع أمواله حتى مات فقيرًا، ونهى عن الكلام على طريقة الجهمية في الخلافة كلها، وعزّز قولَ أهل السُّنَّة، وانتهى قول المعتزلة وخبا – ولله الحمد - وخبت هذه الفتنة، قيل لأحمد في فترة المحنة: يا أبا عبد الله؛ ألسنا في فتنة؟ قال: "بلى ولكنها فتنة خاصة، خاصة بخليفة، يموت فيأتي غيره فتنتهي أو تخفُّ، فإذا وقعت الفتنة العامة انتُهكتِ المحارمُ وقُطِعَتِ السُّبُل"(15) هذا قول أحمد بن حنبل إمام أهل السُّنَّة، وقال رحمه الله تعالى - في ما رواه الخلال واللالكائي وذكره في أصول السُّنَّة -: "لا يجوز قتال السلطان، ومَن قاتله فهو على غير السُّنَّة"(16)، لأنّ السلطان هو الذي يُقاتَلُ مِن ورائه كما قال صلّى الله عليه وسلّم في صحيح مسلم: «الإمام جُنّة يقاتل مِن ورائه»(17)، فإذا قُوْتِل السلطان - وهو الذي يُفترض أنْ يكون القتال مِن ورائه – عُكِستْ المسألة، فقال رحمه الله: "لا يُقاتل السلطانُ، مَن فَعَلَ ذلك فهو مبتدع على غير السُّنَّة"، ينبغي أنْ تُضبط هذه الأمور وتترك العواطف، وأنْ يَضبط طالبُ العلم هذه المسائل الضبطَ العلمي – لا العاطفي -، والله يعلم أنّ أكثر ما يُكتب في هذا يُسخط اللهَ مِن فوق سبع سموات، الذين يتكلمون في مسائل مثل هذه - في الوِلاية أو في غيرها – أحد ثلاثة أصناف، السُّنِّيُّ الذي يتقي الله عزّ وجلّ ويقول الحق، ويتوسط بين الحاكم والمحكوم، أو ممارئٍ مداهن يُداهن الحكام على حساب الرعية، أو مَن يُداهن الرعية على حساب الحكام لإسقاط الحكام؛ ونشر الفوضى؛ ويُترك القولُ الوسط – قول أهل السُّنَّة والجماعة -، ولا تعجب مِن قِلّة مَن هو على هذا؛ فإنّ الأمر كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ(18)، وتحقيق هذه المسائل كما سيأتي في هذه الرسالة والرسائل التي بعدها - إنْ شاء الله - ستراه جليًا في كلام السلف، ومِن أخطر ما يكون في موضوع الخروج أنّ هناك منْ يخرج ولم يَرْمِ بسهم! ولم يحمل سيفًا! ولم يضرب برمح! بأنْ لا يعتقد أنّ لهذا الوالي خلافة شرعية، وبيعة ثابتة - حتى لو لم يقاتل -، قال أبو سعيد الخدري الصحابي الجليل في المصنف: "إيّاكم وميتة الجاهلية" قالوا" وما ميتة الجاهلية؟ قال: "أنْ تموت ولا إمام عليك!"(19)، يعني تعتقد أنّ هذا الحاكم الذي بايعه أهل العلم وأهل الحلّ والعقد؛ تقول: والله لن أسفك دمَ مسلم؛ لكن قناعتي أنّ هذا الرجل ليس له بيعة؛ أمّا أني أحمل سلاحًا؛ والله لا أحمل سلاحًا حتى ألقى الله! فيقال: أنت في هذا - إنْ مِتَّ - أنت مِتَّ ميتة جاهلية" ولهذا قال البربهاري رحمه الله - شيخ الحنابلة في زمنه الذي امتحن امتحانًا شديدًا في عقيدته -: "لا يحل له أنْ يبيت وهو يعتقد أنّه ليس له بيعة"!(20) مجرد اعتقاد، يقول: لا تلزمني بيعته! يقول: هذا يكفي أنْ يكون الإنسان – نسأل الله العافية والسلامة - على حال مِن الخروج، ولهذا قال السلف: الخوارج نوعان، خوارج قَعَدَة، مَن هم القعدة؟ الذين يقعدون، لا يحملون السيف، وخوارج مقاتلة، قال أحمد: "والقَعَدَةُ أخبث"(21) لماذا أخبث؟ لأنهم هم الذين يتكلمون حتى يخرج الناس! فهم يتكلمون ويُحرّضون؛ وينام الواحد منهم بجانب امرأته وعنده أولاده والناس تختصم وتتقاتل! فهم قَعَدَة، لكنّ قعودهم فيه تحريض على القتال، فلهذا قال: "القَعَدَة أخبث" لأنهم يبقون ويحرضون، ويقولون أشعارًا، ويزينون للناس الخروج؛ فيترتب على ذلك الخروج، لذلك لا يكون هناك خروج بالسيف حتى يسبقه خروج بالقول، فهذا أمر مهم جدًا في موضوع الخوارج أنْ يُضبط، ولهذا قال: "ولا نقول كما قالت الخوارج" لاحظوا العبارة الدقيقة "مَن أصاب كبيرة فقد كفر!" لاحظ العبارة، يقول: "ما نقول كما قالت" يعني أنّ هذه مِن مقولات الخوارج وليس هذا هو التعريف الدقيق للخوارج، لأنّ الخوارج عند الحُميدي رحمه الله معروفون، لكن مِن قولهم أنهم أهل شدة ومبالغة على العصاة، ولهذا يَسْهُل عليهم التكفير للحكام مثلًا بالظلم، المظالم التي تقع مِن الحكام في الدماء؛ في الأموال؛ في التعدي على الناس؛ في عدم إقامة العدل؛ هذه معصية يُكفّرون بها الحكام، ثم تفاقم أَمْرُ التكفير وأصلُ التكفير عند الخوارج الحكامُ، فبدأوا - قبحهم الله - بتكفير عثمان، ثم تكفير علي رضي الله تعالى عن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم سلسلوها، يعني أصل مقولتهم في قولهم في عثمان رضي الله عنه، فهم قتلوا عثمان معتقدين كُفْرَه - نسأل الله العافية -، ثم قاتلوا عليًا معتقدين كفرَه، ثم لَمّا قتلهم؛ كمنوا له واغتالوه رضي الله تعالى عنه متقربين باغتياله رضي الله عنه! متقربين باغتياله إلى الله عزّ وجلّ! – نسأل الله العافية والسلامة - ونعوذ بالله أنْ يزيغنا في الزائغين، وكانوا قد اتفق ثلاثة منهم، مِن طبيعة الخوارج الاغتيالات، ثلاثة منهم عبد الرحمن بن ملجم واثنان آخران قالا: في يوم كذا في صلاة الفجر يغتال أحدنا عليًا والثاني معاوية والثالث عمرو! فاتجه أحدُهم إلى مصر لاغتيال عمرو، والثاني للشام لاغتيال معاوية، والثالث لعليّ، أمّا ابن ملجم - أخزاه الله وحشا قبرَه نارًا - فتمكن مِن قتل عليّ رضي الله عنه، وهو الذي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه لعليّ: «أشقاها يا عليّ؛ صاحب الناقة» الذي قال تعالى في شأن عاقر ناقة ثمود «وأشقاها مَن يضربك على هذه؛ فيسيل الدم على هذه»(22)، يعني سيضربك على رأسك، حدد صلّى الله عليه وسلّم موقعَ الضرب حتى يسيل الدم على لحيتك، الذي كَمَنَ لمعاوية ضرب معاوية في الفجر، كلهم اتفقوا على أنْ يغتالوهم في الفجر، ضرب معاوية ضربةً غير ماضية؛ فضربه على أسفل ظهره فانقطع منه النسل لكنه لم يمت، الذي ذهب لمصر أتى في صلاة الفجر في الليل فضرب الإمام؛ وإذا بعمرو بن العاص رضي الله عنه لم يصل بهم الفجر وصلّى بهم خارجة، فقال: "أردتُ عمرو؛ وأراد الله خارجة!" فصارت في العرب مثلًا، لأنه كان يظن أنّ هذا عمرو بن العاص، فصارت مثلًا، قال: "ما أردت عمرو؛ فقتلت خارجة" وأنا لا أريد قَتْلَ خارجة؛ لكن أردتُ قتل عمرو! هذه حقيقة مقولة الخوارج، مِن مقولتهم – كما سنتم إنْ شاء الله بعد الصلاة - أنهم يقولون: مَن أصاب كبيرة فقد كفر، ويأتي الكلام عليه، لكن المهم ضبطُ موضوع الخوارج، لأنّ الأحاديث كما قال عليه الصلاة والسلام في الخوارج قال: «كلما خرج قرنٌ قُطِعَ؛ كلما خرج منهم قرن قُطِعَ»(23)، في حديث عبد الله بن عمر حتى عَدّ عشرة قرون(24)، وفي حديث عبد الله بن عمرو حتى عَدّ عشرين قرنًا(25)، حتى يلحق آخرُهم بالدجال - نسأل الله العافية -، نهاية الغلو والمبالغة يتبعون الدجال الذي يقول: "أنا الرب!"(26) نسأل الله العافية، هذه نهاية الغلو، أنْ ينتقل الإنسان – نسأل الله العافية - مِن طرف إلى طرف مقابل تمامًا ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ(27)، ليعتبر المؤمن، ويعلم أنّ أمر الاعتقاد أمرٌ كبير وشديد، وأنه يجب أنْ يُضبط الضبط الشرعي، وأنّ المخالفة فيه - كما قال الشافعي رحمه الله: "تَناظروا في شيء إذا أخطأ فيه أحدكم قيل: أخطأ - وهي مسائل الفقه - ولا تَناظروا في شيء إذا أخطأ فيه أحدكم قيل: كفرتَ!"(28)، مسائل الاعتقاد خطيرة جدًّا، تُخطئ بعض الأحيان تَكْفُرُ، تُخطئ في بعض الأحيان تَبْتَدِعُ، لكن مسائل الفقه - لو قسمتَ قسمةً مِن قسمة المواريث -؛ قسمةُ الزوج في هذه المسألة النصف مِن الزوجة! قيل: أخطأتَ، لأنّ الزوجة لها أولاد، وإذا وُجِدَ لها أولادٌ فللزوج الربع، لا أحد يقول لك: كفرتَ! يقول: أخطأت، فمسائل الاعتقاد أَمْرُها شديد، نسأل الله أنْ يثبتنا وإياكم بالقول الثابت.

وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمدٍ وآله وصحبه وسلّم.


(1) رواه أحمد في مسنده (706) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا، وصححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، والبخاري (3610) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) سبق تخريجه، وأما جملة (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) فهي عند مسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(3) صحيح البخاري (7562) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(4) سنن أبي داود (4/ 244).
(5) صحيح البخاري (3610) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(6) في الأصل قال الشارح حفظه الله: "فقالوا: لم نجده يا رسول الله!" ويظهر أنه سَبْقُ لسان، والصواب ما أثبتُّه. والله أعلم.
(7) رواه البخاري في صحيحه (3610 ) بنحوه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا، وأحمد في مسنده (1179) بنحوه من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا، وصححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله.
(8) روى أحمد في المسند (6871) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ «كلما خرج منهم قرن قطع، حتى يخرج الدجالُ في بقيّتهم»، ولكن قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: "إسناده ضعيف؛ لضعف شهر بن حوشب، ثم إنه معلول كما سيأتي". انظر مسند أحمد ط الرسالة (11/ 456).
وقريب منه حديث أحمد في المسند (19783) من حديث أبي برزة رضي الله عنه مرفوعًا؛ قال فيه الشيخ شعيب الأرناؤوط: "صحيح لغيره دون قوله: "حتى يخرج آخرهم" وهي هنا مختصرة، توضحها الرواية الآتية برقم (19808): "حتى يخرج آخرهم مع الدجال"، وإسناد هذا الحديث ضعيف لجهالة شريك بن شهاب). انظر مسند أحمد ط الرسالة (33/ 27)، وانظر صحيح وضعيف سنن النسائي (4103).
لكن عند ابن ماجه (174) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: «كلما خرج قرن قطع، أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في كلما خرج قرن قطع، أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في أعراضهم الدجال» والحديث حسن، و(أعراضهم): "جمع عَرْض - بفتح وسكون -، بمعنى الجيش العظيم وهو مستعار من العرض بمعنى ناحية الجبل، أو بمعنى السحاب الذي يسد الأفق. قاله السندي". انظر الصحيحة (5/ 583).

(9) صحيح. رواه أحمد في المسند (706) بنحوه من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا، وصححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله.
(10) صحيح. السنة لابن أبي عاصم (90) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في ظلال الجنة.
(11) صحيح البخاري (7053) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا.
(12) رواه الدارمي (257)، وأعَلَّه الشيخ حسين أسد حفظه الله في تحقيقه.
(13) صحيح البخاري (7084) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه مرفوعًا.
(14) السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 134).
(15) السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 133).
(16) أصول السنة لأحمد بن حنبل (ص: 46).
(17) صحيح البخاري (2957)، صحيح مسلم (1841) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(18) الأنعام: 116.
(19) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (37150) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه موقوفًا.
(20) شرح السنة للبربهاري (ص: 56).
(21) مسائل الإمام أحمد - رواية أبي داود - (ص: 362).
(22) صحيح. رواه البيهقي في السنن الكبرى (16069) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (1088).
(23) حسن. ابن ماجه (174) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (2455).
(24) مسند أحمد (6870) من حديث ابن عمرو مرفوعًا، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: "إسناده ضعيف؛ لضعف شهر بن حوشب، ثم إنه معلول كما سيأتي". انظر مسند أحمد ط الرسالة (11/ 456).
(25) حسن. رواه ابن ماجه (174) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا. انظر الصحيحة (5/ 583).
(26) الحديث المشار إليه رواه أحمد في المسند (23159)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة (2808).
(27) يوسف: 111.
(28) تبيين كذب المفتري (ص: 343).