موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الذنوب نوعان - المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني لفضيلة .
  
 
 المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
 مقدمة
 الإيمان بالقدر
 الإيمان قول وعمل
 الترحم على الصحابة والاستغفار لهم
 القرآن كلام الله
 الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة
 الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة
 الذنوب نوعان
 ثلاث منها فلا يناظر تاركها
 مقدمة الرسالة الثانية
 لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان
 صفات الله كاملات دائمات أزليات
 فناء الخلق وانتهاء أعمارهم وما يصيرون إليه بعد الموت
 ولاة الأمور وأحوال الرعية معهم
 الكف عن تكفير أهل القبلة
 فضل الصحابة
 الصلاة والبدعة والجهاد
 أحكام الصلاة والصيام في السفر
 ختام المقالات وتوجيهات للإمام
المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني - الذنوب نوعان

وقف بنا الكلامُ عند قوله رحمه الله تعالى: "وأنْ لا نقول كما قالت الخوارج: مَن أصاب كبيرة فقد كفر"، الذنوب نوعان: ذنوب تسمى كبائر، وذنوب تسمى صغائر، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا(1)، ويقول عزّ وجلّ بيانًا للذنوب مِن حيث العموم - المُكَفِّر منها وغير المُكَفِّر -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(2)، فالشرك - الذي هو الأكبر - إذا لقي العبد به ربه فإنّ الله تعالى قد حَرَّم عليه الجنة وقد يأس مِن رحمة الله كما قال تعالى في الكفار: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي(3)، قال عزّ وجلّ عن عيسى عليه الصّلاة والسّلام: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ(4)، هذا الذنب قد انقطع أَمَلُ صاحبه في المغفرة - نعوذ بالله مِن حال أهل النار -, الذنوب الأخرى هي على نوعين: منها ما هو كبائر كما ذكر الله تعالى في الآية السابقة: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ(5) في الآية ﴿وَوُضِعَ الكِتَابُ(6) في الآية الثانية ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فعُلِمَ مِن قوله ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أنّ السيئات التي تُكَفَّرُ هي الصغائر وأمّا الكبائر فإنها تحتاج إلى توبة مستقلة، فإذا لقي العبدُ الموحد ربَّه بكبائر فقد أجمع أهل السُّنَّة على أنه تحت مشيئة الله بنص الآية، فإنْ شاء الله غفر له وإنْ شاء عاقبه، وقد يتلقاه تعالى برحمته - وإنْ كان شاربًا للخمر؛ وإنْ كان زانيًا؛ وإنْ كان ما كان - لأنّ الميزان في هذا عند الله عزّ وجلّ، ولا يُدْخَلُ بين الله وبين عباده، يعني لا يقال: يغفر لهذا ولا يغفر لهذا! هذا إلى الله سبحانه وتعالى، خالفت الخوارج في صاحب الكبيرة، وزعم الخوارج أنّ صاحب الكبيرة يكفر لأنهم يجعلون الذنب كفرًا، وبالغ الأزارِقة منهم فكفروا حتى بالصغيرة، وهذا يُبيّن لك معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج «سُفهاء الأحلام»(7) لأنّ هل هناك أحد لا يقع منه صغيرة أصلًا؟ لا يمكن ولا مِن الأزارِقة أنفسهم، ومقتضى كلامهم أنّ كل مَن على الأرض - نسأل الله العافية – كافر، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «كل بني آدم خطّاء»(8)، لابُدّ أنْ يقع الخطأ، فحاصل الأمر أنّ الخوارج لَجُّوا وعاندوا وبالغوا في أَمْرِ صاحب الكبيرة، ومنه خرجت المرجئة - وهي تيار قابل الخوارج - فسهّلوا مِن أَمْرِ الكبائر؛ حتى قال غُلاتُهم: إنّ الإيمان إذا تحقق عند العبد؛ فإنه لا تضره المعصية! نسأل الله العافية والسلامة، فالخوارج قَنّطوا الناس؛ وأولئك جرّأوا الناس على المعاصي، ومنهج أهل السُّنَّة - رحمة الله تعالى عليهم وثبتنا على منهجهم - هو الوسط، وسط كما ذَكَرَ شيخ الإسلام قال: "الإسلام وسط في الأديان، وأهل السُّنَّة وسط في الفِرَق"(9) وساق أمثلة كثيرة على هذا - أنّ أهل السُّنَّة وسط -، لأنّ الضلال يكون بأحد طريقين، بالخروج عن الطريق المستقيم - بالزيادة عليه أو بالنقص عنه -، ولهذا جاء عن الأوزاعي أَثَرٌ نافع جدًا يقول: "إن للشيطان مَحَجَّتَين - يعني طريقين - لا يبالي أيهما سلك العبد، غلوّ أو تقصير" لأنّ مراده أنْ يزيغ الناس عن الطريق المستقيم، فكونهم يغلون ويكونون خوارج؛ أو هم يقصرون ويكونون مرجئة؛ المهم عند الشيطان أنْ يزيلهم عن الصراط الذي قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(10)، فالخوارج بالغوا في أَمْرِ الكبائر هذه المبالغة حتى أخرجوا صاحب الذنب مِن الإيمان - نسأل الله العافية والسلامة -، وأقوى ما يُرَدُّ به عليهم - كما ذَكَرَ شيخ الإسلام رحمه الله - أنّ لأهل الكبائر حدودًا، السارق تُقطع يده، والقاذف يُجلد، والزاني البِكْر يُجلد ويُغَرّب، وإذا كان محْصَنًا رُجم وقُتِلَ لا على سبيل الحدّ الكفريّ؛ ولكن على سبيل الحدّ الذي يُقام عليه بصفته محصنًا، بدليل أنه إذا كان بكرًا فإنه لا يُقتل، يقول شيخ الإسلام: "من أعظم ما يُرَدُّ به على الخوارج الحدود"، والخوارج مقتضى كلامهم أنّ السارق والقاتل والقاذف والزاني مثله مثل المرتد؛ فأي معنى للحدود؟ المرتد يُقتل لزامًا، فكون أصحاب الذنوب لهم حدود خاصة؛ فهذا يدل على بطلان قول الخوارج بلا شك.

ثم قال رحمه الله: "ولا نُكَفِّرُ بشيء مِن الذنوب" هذا هو الأصل عند أهل السُّنَّة؛ أنّ الذنوب لا يُكَفَّرُ بها - الذنوب المعروفة - مثل شرب الخمر والسرقة ونحو ذلك, قال: "إنما الكفر في تَرْكِ الخمس" ومراده بالخمس: المذكورة في حديث «بُني الإسلام على خمس»(11) وهذا قول بعض السلف - وهو رواية عن أحمد رحمه الله - أنّ مَن ترك أيًّا مِن هذه المباني فإنه يَكْفُرُ, القول الثاني: أنّ الذي يترك الصلاة والزكاة هو الذي يكفر دون مَن يترك الصوم والحج، والقول الثالث: أنّ مَن يترك الصلاة والزكاة - إنْ قاتل عليها – يكفر؛ وإنْ لم يُقاتل عليها لم يكفر، القول الرابع - وهي الرواية الصحيحة - التي دلت عليه النصوص وعليه اتفاق الصحابة رضي الله عنهم أنّ تَرْكَ الصلاة وحده هو الذي يكون به الكفر، وهذا فيه أدلته كثيرة وبسطها شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى وبَيَّنَ وجوه الدلالة على أنّ تَرْكَ الصلاة كُفْرٌ، والمقام يَقْصُرُ عن الإطالة في مثل هذا، فهو رحمه الله اختار إحدى الروايات: أنّ الكفر يكون في تَرْكِ الخمس.


(1) الكهف: 49.
(2) النساء: 48.
(3) العنكبوت: 23.
(4) المائدة: 72.
(5) النساء: 31.
(6) الكهف: 49.
(7) صحيح البخاري (3611) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(8) حسن. رواه الترمذي (2499) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الترغيب والترهيب (3139).
(9) مجموع الفتاوى (3/ 141).
(10) الأعراف: 16، 17.
(11) صحيح البخاري (8) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.