موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مقدمة الرسالة الثانية - المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني لفضيلة .
  
 
 المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
 مقدمة
 الإيمان بالقدر
 الإيمان قول وعمل
 الترحم على الصحابة والاستغفار لهم
 القرآن كلام الله
 الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة
 الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة
 الذنوب نوعان
 ثلاث منها فلا يناظر تاركها
 مقدمة الرسالة الثانية
 لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان
 صفات الله كاملات دائمات أزليات
 فناء الخلق وانتهاء أعمارهم وما يصيرون إليه بعد الموت
 ولاة الأمور وأحوال الرعية معهم
 الكف عن تكفير أهل القبلة
 فضل الصحابة
 الصلاة والبدعة والجهاد
 أحكام الصلاة والصيام في السفر
 ختام المقالات وتوجيهات للإمام
المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني - مقدمة الرسالة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام اسماعيل بن يحيى المُزَنِيّ رحمه الله تعالى:

عصمنا الله وَإِيَّاكُم بالتقوى، ووفقنا وَإِيَّاكُم لموافقة الهدى، أمّا بعد؛ فَإنَّك أصلحك الله سَأَلتنِي أَن أُوْضِح لَك مِن السُّنَّة أَمْرًا تُصَبِّرُ نفسَك على التَّمَسُّك بِهِ، وتدرأ بِهِ عَنْك شُبَه الأَقَاوِيل وزخرف الأباطيل وزيغ محدثات الضَّالّين، وَقد شرحتُ لَك مِنهاجًا مُوْضِحًا مُنِيْرًا، لم آلُ نَفسِي وَإِيَّاك فِيهِ نُصْحًا، بدأتُ فِيهِ بِحَمْد الله ذِي الرُّشْد والتسديد.


الإمام اسماعيل المزنيّ رحمه الله مِن أنبل تلاميذ الإمام الشافعيأبي عبد الله؛ محمد بن إدريس الإمام المشهور -، وكان المزنيّ رحمه الله في العراق، وعلى طريقة أهل العراق في الخوض في المحدثات، فسمع بالشافعي أتى إلى المسجد فجاء - وفي الحقيقة هذه القصة فيها عبرة كبيرة جدًا لطلبة العلم والشباب – جاء للشافعي وسأله عن هذه المحدثات التي يخوض فيها الناس مِن أقاويل المعتزلة ونحوها، قال الشافعي رحمه الله له: أين أنت؟ قال في مسجد بغداد، قال: لا أنت في تاران - موضع مِن المواضع في البحر تهلك فيه السفن -، يقول: هذا الخوض منك أنت مثل مَن يصل ذلك الموضع التي تهلك فيه السفن، ما هذه المسائل المحدَثة التي تخوض بها، ثم قال الإمام الشافعي سأله سؤالًا يتعلق بالوضوء فأخطأ المزنيّ، فقال الشافعي: أخطأتَ، ثم فرعه على مسألة ثانية، فأجاب المزنيّ فأخطأ، ثم ثالثة ثم رابعة ثم خامسة، في كلها قد أخطأ، ثم قال الشافعي - وهذا موضع العبرة -: شيء تحتاجه في اليوم خمس مرات تخطأ فيه ولا تعرف أحكامه وتخوض في هذه المسائل!! هذا هو وجه العبرة الآن، أنّ الناس قد يخوضون في أمور ويشتغلون في أمور تَضُرُّهم ولا تنفعهم، ويتركون ما أوجب الله تعالى عليهم مِن العلم المُتَعَيِّن الواجب أنْ يعرفوه في وضوئهم وصلاتهم وصومهم وحَجِّهم، وأعظم مِن ذلك وأجل أمور اعتقادهم، مثل هذه المسائل العِظَام التي الإنسان إذا خرج عن الوسط صار خارجيًا أو صار مُرجئيًا، إذا خرج عن القول الصواب في الصحابة فبالغ فيهم وغلا فيهم أو صار رافضيًا، وهكذا، فأثرت هذه الموعظة في المزني جدًّا، ولَزِمَ الشافعيَّ - رحم الله الإمامين وأئمة المسلمين - حتى صار مُلَخِّصَ كُتُبِه، واختصر كتابَه الأم - وهو مختصر المزنيّ - وهو موجود طبعًا؛ أي كتاب الأم موجود، وبلغ مِن عناية الناس بمختصر المزنيّ مِن حبهم لعلم الشافعي - رحم الله الجميع - أنّ المرأة إذا خُطبت يكون في مهرها نسخة مِن مختصر المزنيّ - الذي كان في السابق يسأل تلك الأسئلة التي لا خير فيها -، وهذه فائدة الاتصال بأهل العلم، فرفع الله ذِكْرَ المزنيّ لَمّا اتصل بأهل العلم - مثل هذا الإمام الجليل -، وإلّا فقد كان على طريقة العراقيين يخوض في مثل هذه المسائل التي لا خير فيها، وهذا مِن فوائد الاتصال بأهل العلم وأَخْذِ العلم، ولا سيما أهل العلم الكبار مِن ذوي التجربة والتقوى والعلم الراسخ، فصار المزنيّ رحمه الله فعلًا مِن أئمة السُّنَّة، وكان المزنيّ رحمه الله يكره أسئلة الشباب، لأنهم يأتون ويمتحنونه، فيقولون لإمام كبير مِن أئمة السُّنَّة: ما تقول في القرآن؟ فكان لا يجيبهم ويأبى أنْ يجيبهم، فقيل له: يا أبا ابراهيم؛ الناس يسألونك في القرآن ولا تجيب! يعني إنْ كانت هذه المسألة الخطيرة فأنت لا تجيب فأنت مِن المعتزلة! قال: إني إذا أتاني هؤلاء الأحداث فإني لا أجيبهم، يأتون إلى عالم مِن علماء السُّنَّة فيقولون: ما قولك؟ يعني إذا أتاك أحدهم فيقول: ما تقول في الصحابة؟ تقول: هذا سؤال يوجه لمثلي؟؟ مثلي لا يقال له هذا الكلام، أنا لست رافضيًا حتى توجه لي هذا الكلام! لست في محل التهمة حتى توجه لي ما أقول في الصحابة أو في أمهات المؤمنين! هذا سؤال في غير محله، يقول: أنا رجل مِن أهل السُّنَّة، على طريقة الإمام الشافعي رحمه الله يأتيني أحداث صغار يمتحنوني! فأنا لا أجيبهم، فلهذا كان يُظن به أنه بتركه الرَّدّ عليه يظنون أنه يُخفي معتقدًا، فيقول: إنه إذا أتاني هؤلاء الأحداث فسألوني فلا أجيبهم، ومذهبي في القرآن مذهب الشافعي، يعني أني على طريقة الإمام الذي تعلمتُ عليه - يعني مذهب الإمام الشافعي رحمه الله – قال: وما مذهب الإمام الشافعي؟ قال: إنّ القرآن كلام الله مُنَزَّلٌ غير مخلوق؛ ومَن قال: مخلوق فهو كافر، نفس عقيدة أهل السُّنَّة، لكن يقول: يأتيني أحد يمتحنني مِن هؤلاء الأحداث الصغار؛ فإني لا أجيب، يعني أني لست محلًّا للظنّ والتهمة، وعملها معه حماد بن زيد رحمه الله، فقال له على الملأ: ما تقول في الإيمان؟ فقال: قول وعمل، قال: ما تقول في القرآن؟ قال: ما تقول في كذا؟ فأجاب بأجوبة أهل السُّنَّة، ثم قال: يا حماد؛ تمتحني بهذا الامتحان؟ فقال: إني أردتُ أنْ يعرف الناس، قال: أنا أعرف عقيدتك أنها صواب لكن يشيع عنك بسبب تركك الجواب على هؤلاء الأحداث يشيع عنك ما لا يليق، فأردتُ أنْ يكون جوابك على الملأ، وهو تَعَجَّبَ مِن حماد! كيف تسألني مثل هذه الأسئلة؟؟ هل أنا في موضع التهمة حتى تسألني عن الإيمان وعن القرآن وعن مثل هذه المسائل، فالشاهد أنه رحمه الله تعالى سأله بعضُهم أنْ يوضح له السُّنَّة، ولهذا سمى كتابه رحمه الله تعالى بشرح السُّنَّة، وهذا ينصُّ عليه بعض المصنفين فيُسمى سببُ التأليف، فقال: "إنك أصلحك الله سألتني أنْ أوضح لك مِن السُّنَّة أمرًا" وقلنا: إنّ السُّنَّة هنا في هذا الموضع في هذه الكتب المراد بها العقيدة - التي خلافها بدعة وضلالة -، "تُصَبِّرُ نفسك على التمسك به وتدرأ به عنك شُبَه الأقاويل" ثم قال: "وقد شرحتُ لك منهاجًا موضحًا منيرًا لم آلو – أي لم أقصر – لم آلو نفسي وإياك فيه نصحًا، بدأتُ فيه بحمد الله بالرُّشد والتسديد" ثم ذكر الاعتقاد.

قال رحمه الله: الحَمدُ لله أَحَقُّ مَن بُدِءَ، وَأولى مَن شُكِر، وَعَلِيهِ أُثني، الوَاحِد الصَّمد الَّذِي لَيْسَ لَهُ صَاحِبَة وَلَا ولد، جلّ عَن المثيل، فَلَا شَبيه لَهُ وَلَا عديل، السَّمِيع البَصِير العَلِيم الخَبِير المنيع الرفيع، عَالٍ على عَرْشه فِي مجده بِذَاتِهِ، وَهُوَ دَان بِعِلْمِهِ مِن خلقه، أحَاط علمُه بالأمور، وأنفذ فِي خلْقِه سَابقَ المَقْدُور، وَهُوَ الجواد الغفور و﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(1)، فالخَلْق عاملون بسابق علْمِه، ونافذون لِمَا خلقهمْ لَهُ مِن خير وَشرّ، لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ من الطَّاعَة نفعًا، وَلَا يَجدونَ إِلَى صَرْفِ المعْصِيَة عَنْهَا دفعًا، خَلَقَ الخَلْقَ بمشيئته مِن غير حَاجَة كَانَت بِهِ، وخَلَق المَلَائِكَة جَمِيعًا لطاعته، وجَبَلَهم على عِبَادَته، فَمنهمْ مَلَائِكَة بقدرته للعرش حاملون، وَطَائِفَة مِنْهُم حول عَرْشه يُسَبّحون، وَآخَرُونَ بِحَمْدِهِ يُقَدِّسُون، وَاصْطفى مِنْهُم رسلًا إِلَى رُسُلِه، وَبَعض مدبرون لأَمره، ثمَّ خلق آدم بِيَدِهِ وَأَسْكَنَهُ جنته، وَقبل ذَلِك للْأَرْض خَلَقَه، وَنَهَاهُ عَن شَجَرَة قد نَفَذَ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ بأكلها، ثمَّ ابتلاه بِمَا نَهَاهُ عَنهُ مِنْهَا، ثمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ عدوه فأغواه عَلَيْهَا، وَجَعَلَ أكلَه لَهَا إِلَى الأَرْض سَببًا، فَمَا وَجد إِلَى تَرْكِ أكلِهَا سَبِيلًا، وَلَا عَنهُ لَهَا مَذهبًا، ثمَّ خَلَقَ للجنة مِن ذُريَّته أَهلًا، فهم يعملون بأعمالها، وإنما بمشيئته يعملون، وبقدرته وبإرادته ينفذون، خَلَق مِن ذُريَّته للنار أَهلًا، فخَلَق لَهُم أعينًا لَا يبصرون بهَا، وآذانًا لَا يسمعُونَ بهَا، وَقُلُوبًا لَا يفقهُونَ بهَا، فهُم بذلك عَن الهدى مَحجوبون، وبأعمال أهل النَّار بسابق قَدَرِه يعْملُونَ.


بدأ رحمه الله تعالى بحمد الله، وهذا هو المشروع أنْ يُحمدَ الله عزّ وجلّ أو أنْ يُسمى؛ وأنْ لا تُبدأ الكتبُ والرسائلُ والخطبُ بدون ذِكْرِ الله عزّ وجلّ وتسميته؛ تأسّيًا بأعداء الله مِن أهل الكفر - كما هي كتب ملاحدة الغرب وأضرابهم -وتشبه بهم مَن قَلَّ نصيبُه مِن العلم والعقل، فرأوا أنّ الكتبَ تُبدأ هكذا بدون تسمية أو حَمْدٍ؛ هذا لا شك أنه مِن التقليد القبيح في مسألة مِن مسائل الكفر التي تميزوا بها لجلافتهم وقلة علمهم بالله عزّ وجلّ بل انعدامه.

فقال رحمه الله: "الحمد لله أحقُّ مَن بُدِءَ - سبحانه وتعالى - وأولى مَن شُكِر، عليه أثني، الواحد الصمد الذي ليس له صاحبة - أي زوجة - ولا ولد، جلّ سبحانه عن المثيل فلا شبيه له ولا عديل، السميع البصير العليم الخبير المنيع الرفيع، عالٍ على عرشه" بدأ رحمه الله ببيان الكلام عن العلو، فبيّن أنّ الرب سبحانه وتعالى على عرشه حقيقة؛ وأنه سبحانه وتعالى مستوٍ عليه سبحانه وبحمده، لأنّ الاستواء على العرش هو العلوّ عليه - كما تقدم -، والارتفاع عليه، قال: "وهو دان ٍبعلمه مِن خلقه" مع كونه تعالى على عرشه فوق السماوات إلّا أنّ عِلْمَه عزّ وجلّ محيط بهم، وقد ذَكَرَ الله تعالى علوَّه ومعيّتَه في غير موضع مِن القرآن كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ(2)، فهو لا تخفى عليه مِن خَلْقِه سبحانه وتعالى خافية، وهو مع ذلك سبحانه على عرشه مستوٍ، ولهذا في حديث الأوعال أنه سبحانه وتعالى على عرشه لا يخفى عليه مِن أمركم شيء - أو كما قال عليه الصّلاة والسّلام -(3).

"أحاط علمه بالأمور وأنفذ في خلْقِه سابقَ المقدور" أي أنه سبحانه وتعالى قد عَلِمَ كلَّ شيء، فهو محيط به علمًا سبحانه وتعالى، وفيما يتعلق بقَدَرِه؛ قدَرُه سابقٌ، وتقدم الكلام على أَمْرِ القدر، وأميل الآن الحقيقة إلى عدم تكرار ما ذكرناه في الرسالة السابقة، كانت النية في كل رسالة أنْ أتكلم عن القدر مِن جديد وعن الإيمان مِن جديد لكن هذا قد يكون فيه تكرار ويمضي فيه شيء كثير مِن الوقت، فنُحيل على ما ذكرناه في الرسالة السابقة الأولى، تقدم الكلام عن القدَر ونركز هنا في الرسالة على بيان بالمقصود بكلماته، فيقول رحمه الله تعالى: "أنفذ في خلْقِه سابقَ المقدور" أي أنّ القدَر سابق، أي أنّ القدَر مكتوب قَبْلُ - كما تقدم بيانه -، "وهو الجواد الغفور؛ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" وهذا السجع منه رحمه الله تعالى ومِن بعض أهل العلم إذا لم يكن متكلفًا كمثل هذه الطريقة ما فيه إشكال، إنما يُذَمُّ السجع إذا كان فيه شيء مِن التكلف والإضجار، أمّا إذا كان على مثل هذه الوتيرة التي ليس فيها شيء مِن التكلف فلا إشكال فيه، وبه الجواب عن السبب في وجود بعض السجع في الأذكار مثل: «اللهم إني أعوذ بك مِن عِلْم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ومِن نفس لا تشبع»(4) ونحوها؛ فإنّ هذا سجع غير متكلف، أمّا السجع المتكلف فإنه مذموم، لمّا كان القدر سابقًا قال: "فالخلق عاملون بسابق علْمِه" يعلم سبحانه وتعالى أنّ هؤلاء سيعملون مِن الأعمال كذا، "ونافذون لِمَا خلقهم له مِن خير وشرّ" سبحانه وتعالى، أي أنهم عاملون بما قد عَلِم سبحانه وتعالى أنهم سيعملونه مِن خير أو شرّ، "لا يملكون لأنفسهم مِن الطاعة نفعًا" يعني أنّ الله إذا هداك ومَنّ عليك وأكرمك بالسُّنَّة والهداية؛ فلا تظنن أنّ ذلك مِن آثار نباهة أو ذكاء أو فِطْنَة - معاذ الله - إنما هذا توفيق مِن الله عزّ وجلّ، ولهذا أهل الجنة إذا دخلوها قالوا - جعلنا الله وإياكم ووالدينا وذرارينا مِن قائليها - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ(5)، فهو فَضْلٌ مِن الله ومِنّة أنْ يُعين الله العبد على الطاعة وعلى الهداية، "ولا يجدون إلى صَرْفِ المعصية عنهم دفعًا" يعني أنّ الله تعالى إذا قَدَّرَ أنْ يقع مِن العبد معصية فإنّ هذا أَمْرٌ سابق في المقدور، وهذا قلنا أنه يتعلق بالقسم الأول المرتبط بالرب، ما الذي يتعلق بالعبد والذي أمره الله تعالى به ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ(6) أنْ يتوب كلما وقع منه الذنب، حتى لو تكرر منه الذنب، لأنّ هذا مما يَسأل عنه الناس، يقول واحد: أنا وقعت في معصية ثم تبت؛ لكنْ ضَعُفَتْ نفسي فرجعت للمعصية؛ ما الحل؟ الحلُّ أنْ تتوب، لا يمكن أنْ تُفْتَى إلاّ أنْ تتوب، لا يمكن أنْ يقال أنت عصيتَ عشر مرات؛ في كلّ مرة تتوب! أنت متلاعب ابق على المعصية! هذا لا يمكن أنْ يقولها واحد، ولهذا كلما عصى العبد ووقع منه الذنب؛ فإنّ علاج الذنب أنْ يتوب منه، قال الحسن رحمه لَمّا قيل له: العبدُ يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب إلى متى؟ قال: "ما أعلمُ المؤمنَ إلّا هكذا"(7)، نحن نعرف المؤمنين إذا وقع الذنب منهم لا يتوبون! هل يمكن أنْ يقال لا تتب؟؟ معاذ الله، ما نعلم المؤمن إذا وقع منه ذنب ثم تاب عليه ثم إذا رجع إلى نفس الذنب ضَعُفَتْ نفسُه - نسأل الله أنْ يُعيذنا مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا -، فوقع الإنسان في الذنب مرةً أخرى حتى لو كان فاحشًا حتى لو كان ما كان، عُدْ إلى الله، لا تمتْ وأنت على هذه الحال، وقال الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ(8)، فالحاصل أنّ المعصية إذا وقعت مِن العبد لا شك أنها مقدرة مِن الله، هذا مِن القسم الأول المرتبط بالرب، لكنْ ما المرتبط بالعبد؟ أنّ عليه أنْ يعمل وأنْ يتوب، ثم قال: "خَلَقَ الخَلْقَ بمشيئته مِن غير حاجة كانت به" يعني أنّ الله تعالى كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ(9) ليس لله حاجة سبحانه وتعالى في خَلْقِ الخَلْقِ، فلم يخلقهم عزّ اسمه لا إله إلّا هو ليتكثّر بهم مِن قِلّة ولا ليتقوى بهم مِن ضعف، بل هو غنيٌّ عنهم سبحانه وعن طاعاتهم، ومعاصيهم لا تضره سبحانه وتعالى أصلًا، فلم يخلقهم محتاجًا إليهم، وهكذا الملائكة، خلَقَهم الله تعالى لطاعته، فهم كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(10)، وهنا ذَكَرَ ركن الإيمان بالملائكة، لكنه ذَكَرَه رحمه الله تعالى غير مرتب، يعني لم يذكره بطريقة ذِكْرِ ما يتعلق بالإيمان بالله عزّ وجلّ ثم ينتقل إلى موضوع الإيمان بالملائكة ثم الرسل، لأنّ مِن شأن هذه الرسائل أنْ تسرد الاعتقاد سردًا، "وجَبَلَهم على طاعته" الرب سبحانه وتعالى جَبَلَ هؤلاء الملائكة عليهم الصّلاة والسّلام على الطاعة المستديمة، فهم يسبحون الليل والنهار لا يفتُرُون، وهم لا يعصون الله تعالى أبدًا عليهم صلاة الله وسلامه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(11)، أمّا العباد الآخرون مِن الجنّ والإنس فهم فريقان، فريق كفار، وفريق مؤمنون، والمؤمنون لا يمكن أنْ يَعبدوا عبادةَ الملائكة، ويقعُ منهم ما لا يقع مِن الملائكة مِن المعاصي، فلهذا كان مِن صفات الله تعالى العفو والغفران والرحمة والصفح والستر سبحانه وتعالى، لأنّ هؤلاء يذنبون، وفي الحديث «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم؛ ولأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»(12)، أمّا الملائكة فهم دائمو الطاعة، فالمكلفون على أقسام، إمّا أنْ يكونوا مِن المطيعين لله تبارك وتعالى ويقع منهم عصيان، وهم مِن المؤمنين - مِن الجنّ والإنس -، كما قال تعالى عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا(13).

القسم الثاني: أخبثُ الخَلْق - وهم أهل الكفر - ورؤوسهم الشياطين، وهم ضُلَّالُهم وقادتُهم، وعلى رأسهم الطاغوت الأكبر إبليس - نعوذ بالله مِن حالهم ومحالهم -.

القسم الثالث: هم الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وهم قد خُلِقوا للعبادة المستديمة، فالملائكة عبادتهم دائمة، والشياطين معاصيهم وشرُّهم دائم، وأهل الإسلام بين هؤلاء وبين هؤلاء، لا هم بأهل الطاعة المستديمة فيَصِلُون إلى درجة الملائكة، ولا هم بأهل المعاصي المستديمة فيَصِلُون إلى درجة الشياطين، وقد عَلِمَ الله تعالى ضعفهم فكان مِن رحمته تبارك وتعالى أنْ فَتَحَ لهم بابَ التوبة وأنْ هيّأ لهم سبحانه وتعالى العفو والصفح والحِلْم عنهم حتّى يُنِيْبُوا إلى ربهم ويعودوا، ثمّ ذَكَرَ بعضَ أعمال الملائكة فقال: "فمنهم" يعني مِن هؤلاء الملائكة "ملائكةُ بقدرته للعرش حاملون" وهم حملة العرش، قد خُلِقوا على هيئة عظيمة لا يحيط بعظمتها إلّا جبّار السموات والارض، وقد وردت أحاديثُ بعظمة الواحد منهم وأنّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة كذا وكذا مِن السنين ممّا لا يحيط به إلّا مَن خَلَقَهم سبحانه وتعالى(14)، "وطائفةٌ منهم حول عرشه يسبحون" هؤلاء حافّون بعرشه كما قال تعالى في ذِكْرِ الملائكة: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ(15)، "وآخرون بحمده يُقَدِّسُون" وهم دائمو الطاعة في ذِكْرِ لله تعالى مستديم، قال: "واصطفى منهم رسلًا إلى رسله" قال الله عزّ وجلّ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ(16)، فالرسالة تشمل الملائكة وتشمل البشر، فمِن الملائكة رسل يرسلهم الله تعالى إلى مَن شاء واصطفاه مِن الإنس بالرسالة، فيأتي جبريل بالرسالة إلى الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فيبلغونها عن الله، وبعضهم يُدَبِّرُون بِأَمْرِه كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا(17) تعمل بتدبيره وتحت مشيئته، قال: "ثم خَلَقَ آدم بيده" في هذا أنّ آدم خُلِقَ بعد الملائكة بلا شك، وهذا الدليل عليه مِن القرآن ظاهر، وخَلَقَه بيده، وهذه ممّا تميز به آدم عليه الصّلاة والسّلام، خَلَق الله تعالى جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، فمِمّا تميز به آدم أنْ خلقه الله تعالى بيده، ولذا قال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ(18)، وأَمَرَ الله الملائكة أنْ يَخِرُّوا لآدم سجدًا على سبيل التكريم قطعًا - وليس على سبيل العبادة! معاذ الله في ذلك - على سبيل التكريم، قال إبليس: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ(19) فإنّ ابليس امتنع - قَبَّحَه اللهُ - مِن السجود لآدم لأنه عَلِمَ أنّ الله أكرم آدم بهذا وأَمَرَ الملائكة أنْ يسجدوا له، "وأسكنه جنته" سبحان الله العلي الأعلى قضى الله أنْ يسكن آدم الجنة، "والله قَبْلَ ذلك للأرض خَلَقَه" يعني قد قَدّرَ الله أنه سيهبط إلى الأرض، "ونهاه سبحانه وتعالى عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها" يعني أنّ الله تعالى نهى آدم عن الشجرة - وهو يعلم سبحانه وتعالى - أنه سيأكل مِن هذه الشجرة، "ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثمّ سلّط عليه عدوه فأغواه" وهو ابليس "وجَعَلَ أكلَه لها إلى إسكانه إلى الأرض سببًا" فيه تقديم وتأخير، يعني جَعَلَ أكلَه لها سببًا في إسكان آدم الأرض، لأنّ الله تعالى أَمَرَ آدم أنْ يهبط إلى الأرض، وعاش هو وذريتُّه فيها إلى أنْ يأذن الله تبارك وتعالى بانقضاء الدنيا ثم يكون الناس فريق في الجنة وفريق في السعير، قال: "فما وجد إلى تَرْكِ أكلها سبيلًا ولا عنه لها مذهبًا" لأنّ الله قد قَدّرها، "لكنّ آدم" وهذا هو موضع الشاهد، مع أنّ هذه مقدرة على آدم، وكانت في سابق عِلْمِ الله، وكان آدم لا سبيل له إلّا أنْ يأكل منها قد تاب إلى ربه ممّا وقع منه مِن الأكل، فقال عزّ وجلّ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى(20)، وهكذا ذرّيتُه مأمورون إذا وقع منهم ما وقع مِن المخالفة أنْ يفعلوا ما فعل أبيهم وأنْ يقولوا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ(21) ويعودوا كما عاد أبوهم، قال: "ثم خَلَقَ للجنة مِن ذرّيته أهلًا؛ فهم يعملون بأعمالها" يعني أنّ الله تعالى جَعَلَ الناس فريقين - فريق في الجنة وفريق في السعير -، فأهل الجنة يعملون بعمل أهل الجنة، وهذا كما قدّمنا في الكلام عن القَدَرِ أنّ الجنة لها طريق ولها درب؛ فمَن سلكه فهو بإذن الله وفضله ورحمته يصل إليها بعون الله تعالى، ومِن فضل الله ومنّته أنّ مَن سلك الطريق إلى الجنة وأخلص لله في ذلك؛ فالعموم الأغلب مِن فَضْلِ الله ومنّته أنّ الإنسان يُختم له بخاتمة حسنةٍ، فأمّا مَن يتغير حاله - نسأل الله العافية - وينتقل مِن حالِ أهلِ السعادة إلى أهل الشقاوة؛ فذلك أولًا قضاء قضاه الله، والأمر الآخر هناك أسباب كثيرة تكون مِن العبد، ومِن أعظم ما يجعل العبد ينحرف عن طريق أهل السعادة إلى طريق أهل الشقاوة الأمورُ الخفية التي يعلمها الله بالعباد ولا يعلمها الناس، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ العبد ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر منها»(22)، أمّا فيما بينه وبين الله فالله يعلم أمورًا خفية قد خفيتْ على الناس، ومِن أعظم ما يضلّل العباد عنْ طريق الجنة داءٌ خطير للغاية وهو التمنّع على النّصوص وعناد النصوص، في أيّ باب مِن الأبواب، في الغيب، في الوِلاية، في الصحابة رضي الله عنهم، في أي باب، احذر أنْ يكون بينك وبين النصّ صدامٌ، وأنْ تضيق ذرعًا بالنص! فإنه إنْ كان الحال كذلك فإنّ القلب فاسد، لأنّ هذه النصوص مِن الله تعالى ومِن رسوله صلى الله عليه وسلم لا يأتيها الباطل مِن بين يديها ولا مِن خلفها، هذا التمنّع على النصوص قد يكون مِن آثاره - نسأل الله العافية - زيغُ القلب، ولهذا أحد الملاحدة المشاهير لا نريد حتى ذكر اسمه – نسأل الله العافية والسلامة - كان درس العلم الشرعي وألّف وصنّف في الكتب ثم إنه ارتدّ - نسأل الله العافية والسلامة - رِدّة الإلحاد التّامة، تحدّث عنه بعض المشايخ ممّن عاصروه قالوا: كنا نلحظ عليه في سِنِيّ الدراسة حين كنّا ندرس أنّ لديه تمنعًا وتعنتًا على النصوص، فهذا الداء الخبيث في القلب كان مِن آثاره - نسأل الله العافية والسلامة - ذاك الانسلاخ الكامل بأنْ ارتد عن الإسلام كلّه فصار ملحدًا لا يقرّ بالله – نسأل الله العافية والسلامة -، فمِثْل هذه الأمور لا تظهر للناس، ومِن أخطر الأمور التي قد تحرف عن الهدى الاغترار بالعمل ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ(23)، يعني يشعر الإنسان بأنه كالمتمنّن على الله بأنه يصلي ويصوم وأنه كافّ عن الربا والفواحش، هذه أمور خطيرة جدًّا على العبد، لأنّ هذه الأمور ما هي إلّا مَحْضُ نعمة مِن نعمة الله عزّ وجلّ عليك، فهي مِن أعظم ما يجعلك تستكين وتذل لله؛ فإذا كانت هي سببًا مِن أسباب تعنّتك ومنّتك على الله تعالى بعملك؛ فهذا مِن فساد القلب بلا شك، فالحاصل أنّ الله تعالى خَلَقَ للجنة مِن ذرّية آدم أهلًا فهم يعملون بأعمالها وبمشيئة الله تعالى يعملون وبقدرته وبإرادته، يسيرون ويمضون على حالهم، "وخَلَقَ مِن ذرّيته للنّار أهلًا" قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ(24) نسأل الله العافية، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، لهذا قال رحمه الله: "فخَلَقَ لهم أعينًا لا يبصرون بها" لا يستفيدون منها، وإنْ كان عندهم أعين وإنْ كان عندهم آذان وإنْ كان لهم قلوب - لكنْ نسأل الله العافية - قد غلِّفت وضُرِبَ عليها – نسأل الله العافية - الضلال، قال: "فهم بذلك عن الهدى محجوبون، وبأعمال أهل النّار بسابق قدَره يعملون".


(1) غافر: 19.
(2) الحديد: 4.
(3) حديث الأوعال رواه الترمذي (3320) وأحمد (1770) وغيرهما من حديث العباس رضي الله عنه مرفوعًا، وقد ضعّفه الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة (1247)، وكذا الشيح أحمد شاكر رحمه الله في تحقيق المسند.
(4) صحيح مسلم (2722) من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) الأعراف: 43.
(6) النور: 31.
(7) حلية الأولياء (6/ 201).
(8) آل عمران: 135.
(9) الذاريات: 56، 57.
(10) الأنبياء: 20.
(11) التحريم: 6.
(12) صحيح مسلم (2749) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(13) الجن: 11.
(14) الحديث المشار إليه رواه أبو داود (4727) من حديث جابر رضي الله عنه. الصحيحة (151).
(15) الزمر: 75.
(16) الحج: 75.
(17) النازعات: 5.
(18) ص: 75.
(19) الإسراء: 62.
(20) طه: 121، 122.
(21) الأعراف: 23.
(22) صحيح البخاري (2898) بنحوه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(23) الحجرات: 17.
(24) الأعراف: 179.