موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الصلاة والبدعة والجهاد - المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني لفضيلة .
  
 
 المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
 مقدمة
 الإيمان بالقدر
 الإيمان قول وعمل
 الترحم على الصحابة والاستغفار لهم
 القرآن كلام الله
 الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة
 الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة
 الذنوب نوعان
 ثلاث منها فلا يناظر تاركها
 مقدمة الرسالة الثانية
 لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان
 صفات الله كاملات دائمات أزليات
 فناء الخلق وانتهاء أعمارهم وما يصيرون إليه بعد الموت
 ولاة الأمور وأحوال الرعية معهم
 الكف عن تكفير أهل القبلة
 فضل الصحابة
 الصلاة والبدعة والجهاد
 أحكام الصلاة والصيام في السفر
 ختام المقالات وتوجيهات للإمام
المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني - الصلاة والبدعة والجهاد

ولا نتركُ حضورَ الجمعة وصلاتها مع بَرّ هذه الأمة وفاجرها لازم؛ ما كان من البدعة بريئًا، فإنِ ابتدع ضلالة فلا صلاة خلفه، والجهاد في سبيل الله مع كل إمام عَدْل أو جائر.


ذَكَرَ رحمه الله تعالى مسألة حضور الجمعة؛ وأنّ حضورَ الجمعة لازمٌ للمسلمين؛ وأنها تُصلى مع البرّ والفاجر، ولهذا صلاها الصحابة رضي الله عنهم مع الفجّار كالحَجّاج الذي ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال فيه: «يخرج في ثقيف كذّاب ومُبِيْر»(1) المُبِيْر هو المُهْلِك، والمراد بالكذاب المختار بن أبي عبيد الذي ادّعى النبوة، يقول: "حضورها لازمٌ حتى لو كان الإمام فاجرًا" فإنها تُصلى خلفه، كما صلى الصحابة رضي الله عنهم خلف هؤلاء مع ما هم فيه مِن الفجور، ثم تكلم عن الصلاة خلف المبتدع، الصلاة خلف المبتدع لأهل العلم فيها قولان، أمّا المبتدع بدعة مكفرة فهذا مثل ما هو معلوم بدعته مكفرةٌ؛ فلا تصح الصلاة خلفه، أمّا إذا كانت بدعته غير مكفرة فمِن أهل العلم مَن يقول إنه لا تُصلى الصلاة خلفه لأنّ الإمام منصب شريف لا يستحق هذا وأمثاله أنْ يتقدم بالمسلمين، ومِن أهل العلم مَن يقول: إنه مسلم مِن المسلمين وتُصلى الصلاة خلفه كما تُصلى الصلاة خلف الفاسق - ما دام مِن أهل الإسلام ولم يرتدَّ ببدعته -، فهو اختار رحمه الله تعالى الصلاةَ خلفه، لكن الصلاة خلف الإمام إذا كان إمامًا بالمسلمين - يعني حاكمًا - فإنها تُصلى خلفه حتى لو كان عنده ابتداع, قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: "باب الصلاة خلف المفتون والمبتدع"(2) وروى بسنده عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار أنّه لما حُصِرَ عثمانُ رضي الله عنه في بيته قال له عُبيد الله بن عدي: إنك إمام عامة ويُصلي بنا إمام فتنة! لأنَّ الثوار قبحهم الله لَمّا استولوا على المدينة وحصروا عثمان رضي الله عنه في بيته صلوا هم بالمسجد النبوي، فقال: يصلي بنا إمام فتنة؛ وأنت إمام عامة! فما ترى؟ يعني ماذا نفعل؟ قال: "يا ابن أخي؛ إنّ الصلاةَ أحسنُ ما عملتم، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم"(3) فكأنّه يقول رضي الله عنه صلّ خلفه وإن ْ كان على هذا النحو، وثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال في الأئمة: «يصلون لكم؛ فإنْ أصابوا فلكم ولهم، وإنْ أخطئوا فلكم وعليهم»(4)، فمِن هنا إذا كان وليّ أمرٍ للمسلمين فإنّ تَرْكَ الصلاة خلفه مِن الفتنة، ولأجل ذلك صلّى الصحابة رضي الله تعالى عنهم خلف الحَجّاج مع أنه ناصبيّ - والناصبيّ مبتدع - لأنه يجهر بسبّ علي رضي الله تعالى عنه، وعلي رضي الله عنه مِن الصحابة لا يجوز التعرض له، ومع ذلك صلوا خلفه، لأنّ تَرْكَ الصلاة خلف ولي الأمر فيها فتنة كبيرة، أمّا مَن سواه مِن أئمة المساجد فالأمر فيه سَعَة؛ فإنك تستطيع أنْ تصلي في مسجد آخر وتترك هذا المسجد الذي فيه هذا الإمام المبتدع، بل حتى لو رأيت عدم الصلاة خلف إمام فاسق، كأنْ تعلم - نسأل الله العافية - أنَّ هذا الإمام يشرب الخمر، وتعرف هذا مِن كونك قريبًا له أو مِن خواصه، تقول: لن أصلّ خلفه لفسقه - على القول الذي يرى عدم الصلاة خلف الفاسق -, هناك مساجد أخرى، أمّا تَرْكُ الصلاة خلف ولي الأمر فالفتنة فيها ظاهرة؛ فتصلى خلفهم الصلوات، ولهذا قال: "والجهاد في سبيل الله مع كل إمامٍ عَدْلٍ أو جائرٍ وكذلك الحجّ" الجهادُ الأصلُ أنَّ الذي يقيمه هم الأئمة، ولا يقام الجهاد إلّا بإذن الإمام، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم في الإمام: «الإمام جُنّة يُقاتل مِن ورائه»(5), هذا هو الأصل، الأصلُ أنّ الإمام هو الذي يقود الجهاد ويأذن به، هذا المعروف يا أخوة عند أهل العلم، وهذا المُقَرّر كما ترى في كتب العقيدة، ولهذا الإمام مسلم أجزل الله له المثوبة ونَوّر عليه قبره؛ في كتاب الإمارة لَمّا انتهت أحاديث الإمارة ذَكَر أحاديث الجهاد داخل كتاب الإمارة، لأنّ الجهاد يكون مع الأمراء، كما أنّ الحجّ يُحجّ خلف الأمراء، يعني الحجّ لا يشعر بعض الناس به! الحجّ لا يصلح أنْ يُقام الحجّ إلّا مع أمير، لابُدّ أنْ يُقام الحجّ مع أمير، فمثلًا هنا يقيم الحجّ المَلِكُ أو مَن يُنيبه، ولا يُقال حُجّوا هكذا، الحجُّ فيه جملة مِن النوائب، ولهذا مجموعة كبيرة مِن القضاة في الحجّ يحكمون، أتظن هؤلاء الذين يموتون تُؤخذ جثثُهم وهكذا! لابُدّ مِن كتابة صكّ بأمْرِ وفاته وتحديد أنّ له دِيَة أو تسبب في قَتْل نفسه، الحج فيه جملة مِن النوازل، فلابُدّ أنْ يُقاد الحجّ، كما أنه يُقاد الحجّ؛ فالجهاد يُقاد، وإذا لم يُقَد الجهاد مِن قبل الأمراء فالذي يحدث في أحيان كثيرة أنه إذا وُجِد الشغب والإشكال بين المجاهدين أنه لا يُوجد أحدٌ يستطيع أنْ يُنهي الخصمةَ بينهم - وكل معه سلاحه! - فيسهل بينهم القتال ويصعب جدًا أنْ يُوقف القتال إذا دَبّ بينهم، بينما إذا وُجِد حاكمٌ فإنه يقول: أنت يا فلان أساس للفتنة؛ ارجع واترك الجهاد أو أنت يا فلان انتقل إلى موقع كذا، لأنّ الجهاد يجب أنْ يُدار من قِبَل الأئمة، وهم الذين يأذنون به، هذا هو وضع الجهاد في كتب العقيدة وعند أهل السُّنَّة وهو هذا الذي يُقررونه، ولهذا قال: "والجهاد في سبيل الله مع كل إمام" يأتي أَمْر، الإمام قد يكون فاجرًا قال: "عَدْل أو جائر" حتى لو كان جائرًا لا يسقط الجهاد، كما الحجّ، لا يسقط الحجّ إذا كان الإمام جائرًا، فلابُدّ مِن إقامة هذه الشعائر العظيمة لله عزّ وجلّ وعدم تَرْكِها تضيع في الأمة، ولهذا لَزِمَ أداؤها خلف هؤلاء وإنْ كانوا فجرة حتى لا تتعطل كما وضح ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في منهاج السُّنَّة توضيحًا شافيًا، وقال: إنّ كون الإنسان يحجّ مع رفقةٍ فيها معصية أو يجاهد مع أناسٍ عندهم معصية يقول هذا الأمر لا يضره، فعليهم ذنبُهم وهو له طاعته، ولهذا لَمّا قيل للحسن: "إنّ هؤلاء الأئمة يجاهدون ونحن نجاهد معهم - وهم إنما يجاهدون للدنيا -! قال: فجاهد أنت على نصيبك مِن الآخرة ودع نصيبهم هم مِن الدنيا، يعني لا تترك الجهاد لأجل كونهم يقودونه وأنت تدّعي عليهم أنَّهم لا يريدون إلّا الدنيا! فالأصل أنّ الجهاد والحجّ والجمعة والعيدين إنما يُقيمها الأئمة، كما كان الحال زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وزمن الصحابة رضي الله عنهم؛ أو مَن يُنيبه الإمام، بأنْ يُنيب الإمامُ أحدًا في هذه المناصب التي في أصلها مرتبطةٌ بالإمام, نعم.


(1) صحيح مسلم (2545) من حديث أسماء رضي الله عنها مرفوعًا.
(2) "باب إمامة المفتون والمبتدع". صحيح البخاري (1/ 141).
(3) صحيح البخاري (695).
(4) صحيح البخاري (694) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) صحيح البخاري (2957)، صحيح مسلم (1841) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.