موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - ختام المقالات وتوجيهات للإمام - المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني لفضيلة .
  
 
 المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني
 مقدمة
 الإيمان بالقدر
 الإيمان قول وعمل
 الترحم على الصحابة والاستغفار لهم
 القرآن كلام الله
 الإقرار بالرؤية، والوقوف على ما وقف عليه القرآن والسنة
 الخوارج وتكفير صاحب الكبيرة
 الذنوب نوعان
 ثلاث منها فلا يناظر تاركها
 مقدمة الرسالة الثانية
 لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان
 صفات الله كاملات دائمات أزليات
 فناء الخلق وانتهاء أعمارهم وما يصيرون إليه بعد الموت
 ولاة الأمور وأحوال الرعية معهم
 الكف عن تكفير أهل القبلة
 فضل الصحابة
 الصلاة والبدعة والجهاد
 أحكام الصلاة والصيام في السفر
 ختام المقالات وتوجيهات للإمام
المجلس_الأول_شرح أصول السنة للحميدي_شرح السنة للمزني - ختام المقالات وتوجيهات للإمام

هذه مقالاتٌ وأفعالٌ اجتمع عليها الماضون الأوّلون مِن أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصمَ بها التابعون قدوةً ورضى، وجانبوا التكلف فيما كُفوا، فسُدّدوا بعون الله ووُفّقوا، لم يرغبوا عن الاتّباع فيُقَصِّروا، ولم يُجاوزوه تَزَيُّدًا فيعتدوا، فنحن بالله واثقون وعليه متوكلون وإليه في اتّباع آثارهم راغبون.


في ختامها بَيّن أنَّ هذه المقالات يقول ليست مني! أو أنا صنّفْتُها اجتهادًا! بل هذه مسائل إجماع، اجتمع عليها الماضون الأولون مِن أئمة الهدى بدءًا مِن الصحابة رضي الله عنهم فمَن بعدهم، فمراده أنَّ هذه المسائل مسائل إجماع إلّا ما ذكرنا مِن الاختيارات الفقهية كما تقدم، الاختيارات الفقهية هو إمام فقيه يعلم أنَّ لأهل العلم فيها كلام، لكن المقصود المسائل العظام هذه، أو نفس المسائل الفقهية كونها مِن مسائل العمل الداخلة في الإيمان، فأهل الحق جانبوا التكلفَ، قال صلّى الله عليه وسلّم: «نُهينا عن التكلف»(1)، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ(2) فلم نُكَلّف ما كُفينا، والنصوص بَيّنَت لنا، فلسنا بحاجة إلى أنْ نتوغل في الغيبيات وأنْ نُبالغ في المجادِلات! فقد كُفينا ولله الحمد بتبيين النصوص، قال: "فهؤلاء سُددوا ووُفّقُوا ولم يرغبوا عن الاتباع فيُقَصّروا" الرغبة عن الشيء هو الزهد فيه وعدم رفع الرأس به وعدم الاهتمام به، فهؤلاء هم المُقَصّرون وهم الجفاة، قال: "ولم يُجاوزوه تَزَيّدًا فيعتدوا" المجاوزة هي الغلو، فأهل السُّنَّة وسط بين فِعْل الغلاة كالخوارج وبين فِعْل المتساهلين كالمرجئة، قال: "فنحن بالله واثقون وعليه متوكلون وإليه باتباع آثاره راغبون".

فهذا شرحُ السُّنَّة تحريتُ كشْفَها، وأوضحتُها، فمَن وَفَّقَه الله للقيام بما أَبَنْتُه مع معونته له بالقيام على أداء فرائضه؛ بالاحتياط بالنجاسات، وإسباغ الطهارة على الطاعات، وأداء الصلوات على الاستطاعات، وإيتاء الزكاة على أهل الجِدَات، والحجّ على أهل الجِدَة والاستطاعات، وصيام شهر رمضان لأهل الصِّحَّات، وخمس صلوات سَنّها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مِن بعد الصلوات، صلاة الوتر في كل ليلة وركعتا الفجر وصلاة الفطر والنحر وصلاة كسوف الشمس والقمر إذا نزل وصلاة الاستسقاء متى وجب.


يقول: "هذا المتقدم شرح السُّنَّة، مَن وَفَّقَه الله لِمَا تقدم مع المعونة على أداء الفرائض" وهي الواجبات، "في الاحتياط في النجاسات" لأنّ النجاسة إذا باشرت بالجسد أو البقعة أو الثوب لم تصح الصلاة، "وإسباغ الطهارة على الطاعات وأداء الصلوات على الاستطاعات،" وهكذا ما يتعلق بإيتاء "الزكاة على أهل الجِدَات" وهم القادرون الذين لديهم الجِدَات، ويحول الحول على مال الواحد منهم ويكون نصابًا، "والحج على أهل الجدة" أيضًا أهل الغنى والقدرة، "والاستطاعات، وصيام شهر رمضان أيضًا لأهل الصِّحَّات" يعني ممن هم أصحاء غير مرضى، ثم ذكر خمس صلوات مِن السُّنَن ليُبين أنَّ أهل السُّنَّة يُحافظون حتى على السُّنَن، وذَكَر منه صلاة الوتر وهي مِن أعظمها ومِن أهمها لأنها مِن صلاة الليل، وهكذا ركعتا الفجر، وهما الراتبتان اللتان تسبقان الصلاة الفريضة، وكذا صلاة العيدين - الفطر والنحر -، وهكذا كسوف الشمس والقمر، وهكذا صلاة الاستسقاء، يقصد أنَّ المسلم يعتقد ويلتزم الفرائض ويلاحظ أيضًا أَمْرَ السنن، نعم.

واجتنابُ المحارم، والاحترازُ مِن النميمة والكذب والغيبة والبغي بغير الحق وأنْ يقول على الله ما لم يعلم، كل هذه كبائرُ محرمات.


تكلم بعد ذلك عن أنَّ السُّنّي كما أنَّه يلتزم الطاعات الواجبة ويحافظ على السُّنَن؛ فإنَّه أيضًا يجتنب المحرمات، ومِن أعظم ذلك هذه المحرمات، وذَكَرَ شيئًا مِن هذه المحرمات لأنَّها تنتشر، كالنميمة - والعياذ بالله - كأن يتسمع لقول هذا ويرفعه! يقول: يا فلان تكلم هذا فيك؛ وقال فيك كذا وكذا، ثم مِن قِلّة فقهه ودرايته يقول: أنا كاذب! أنا ما كذبت! أنا صادق عليه، وإذا كنت صادقًا؟ إذا اغتاب هو فلا تنُمَّ أنت، وإنْ كان الذي تنُم ُّ إليه أخاك أو أباك! دافع عن أخيك المسلم وذُبَّ عن عرضه، أمّا أنْ تَصْمُتْ وتَجْبُن ثم تجمع إلى هذا النميمة فتنقله ثم يتضاربان أو يقع بينهما ما يقع مِن الوحشة والتباغض بسبب نميمتك! فهذا مما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّ العبد يُعَذّب فيه بقبره، قال صلّى الله عليه وسلّم في رجلين: «إنهما لَيُعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنَّه كبير، أمّا أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأمّا الآخر فكان لا يستنزه مِن بوله»(3)، فالنميمة مِن أسباب العذاب في القبر، قال صلّى الله عليه وسلّم: «لا يدخل الجنة نمام»(4) يعني أنه يُحجب عن دخول الجنة في أول الأمر - إنْ كان من العصاة - الذين تقدم أنه ما دام مسلمًا فإنِّه يكون مَرَدّه إلى الجنة، وهكذا الكذب - والعياذ بالله -، والغيبة والبغي بغير الحق، وهكذا الكلام بلا علم، انظر ماذا فعل القول على الله بلا علم! انظر ماذا فعل في الناس! يتكلم أهل الصوت الرفيع المنتشر الآن أغلبهم ليسوا مِن أهل العلم للأسف الشديد، ملاحظة: أنّ أهل الصوت العالي ومَن ينتشر قولُهم في الناس ليسوا مِن أهل العلم! بل لم يجثو ليتعلموا العلم! بل حسب الواحد منهم أنْ يحمل شهادةً في هذه التخصصات المعاصرة الآن مِن طِبّ وهندسة وفَلَك ليَجْعَل نفسَه مُفتيًا للمسلمين ويتابعه الملايين! ويخوض كثير منهم في المسائل العظام، إنما يخوضون في نوازل الأمة، ثم لو قُلْتَ له اقسم لي هذه المسألة مِن الفرائض: هَلَكَ هالكٌ عن زوجة وعن ثلاث بنات وابن؟ قال: أنا ما أقول على الله بلا علم! كيف أتكلم؟ طيب مسألة مِن مسائل الطهارة، افتني في مسألة المسح على الخفين - حالة من حالات المسح على الخفين – قال: لا تسألني عن هذه المسائل! أنا لست متخصصًا في الشرع، اسأل الفقهاء، يالله العجب! والسياسة الشرعية مِن أَدَق وأصعب العلوم الشرعية لِمَن عَلِمَها أو عَرَفَها، ومِن أصعب ما فيها أنك قد تقرأها في الكتب ثم التنزيل على الوقائع مِن أصعب ما يكون لا يتمكن منه إلّا الراسخون، فيخوضون في أصعب العلوم - وهي السياسة الشرعية - ثم إذا سُئِل أحد عن مسائل في الوضوء وفي الطهارة يقول: أنا ما أتكلم بلا علم! فالقول على الله بلا عِلْم مِن أعظم الكبائر ومِن أفحشها وأشدها، والعجب العجاب أنّ أحدًا لو تكلم في الطب أو في الهندسة بلا عِلْم لضجت الدنيا كلها احتجاجًا عليه؛ فإذا تكلم بأمور الشرع بلا عِلْم لم يُكترث بذلك ولم يُرفع به رأس! وقيل هذا رأي مِن الآراء! وهل الدين رأي؟؟ الدين ليس رأيًا! الدين دليل، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "والعلم معرفة الهدى بدليله"(5)، هذا ضابط العلم، أنْ تعرف الهدى، يعني الحق، ولو عرفت الباطل وعرفت ما يقوله الشيوعيون والزنادقة والملاحدة والمعتزلة والجهمية، يا أخي هذا ليس علمًا، هذا ليس علمًا إلّا إنْ قَدِرْتَ على الرّدّ عليه، أمّا رأي عمرو بن عمير علم؟ أو رأي ماركس علم؟ مَن يقول هذا علم؟ العلم معرفة الهدى لا الضلال! معرفة الهدى بدليله بأنْ تعرف الحق مع الدليل، هذا هو العلم، أمّا هذه الشبهات والضلالات فالعلم في ردها لا في معرفتها! فالذي يتفاخر بأنّ لديه كتب المعتزلة وكتب الملاحدة ثم هو مِن أجهل عباد الله لا يعرف الرَّدّ عليها، تتزيد بماذا؟ تتزيد بترهات الأولين والآخرين مِن أهل الضلال والكفر والفجور والبدع؟ ثم تضعها عندك وأنت لا تستطيع أنْ تدفع عن نفسك شبهاتِها؟ فالحاصل أنّ القول على الله بلا علم مِن أشرّ ما يكون، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في العلم: "والعلم معرفة الهدى بدليله ... ما ذاك والتقليد مستويان"(6) يعني يقول: المقلد يكون ليس مِن أهل العلم! "إذ أجمع العلماء أنّ مقلدًا في الناس للناس والأعمى هما أخوان"(7) يقول: المقلد لا يوصف بالعالم، لأنّ العلم هو أنْ تعرف الهدى لكن مع الدليل، فإنْ عرفت الهدى واتبعته فأنت مقلد، لكن لا تسم نفسك عالمًا! فكيف بمَن لم يتعلم أصلًا، وخاض فيما لا علم له به، وخاض في مسائل فيها أمور الولاة وفيها أمور الدماء وفيها أمور التحريض للشعوب على أمور معينة بالإقدام بالإحجام ولا يدر بالسياسة الشرعية! لم يفتح كتابًا في الفقه ولا في السياسة الشرعية! أليس هذا مِن القول بلا علم؟ لا شك أنّ هذا مِن القول بلا علم، وأعظم مِن هذا أنْ يتحدثوا عن معاني القرآن ويربطونها بأمورهم هذه، ثم يتحدث فيقول أنا عندي دليل! حتى سمعت مَن يقول: إنّ الكفر إذا ارتدّ الإنسان ليس في الشرع ما يُوجب قتلَه! لأنّ الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(8)، يعني إلى هذا الحدّ بلغت الأمور في الجهل والاستدلال على هذه الضلالات بالدليل القرآني! نعم، لأنّ هذا لا يدري ولم يذق طعم العلم، العتب ليس على هؤلاء، العتب على الناس الذين يأتون إلى مَن إذا سُئِل مَن أقرأك القرآن؟ على مَن تعلمت مِن أهل العلم؟ يقول: تعلمت أنا في الغرب، درست في فرنسا وأمريكا! يالله العجب! كيف تأخذون عن هذا يا ناس! رجل يقول إنه لم يتعلم العلم! حسب الواحد منهم أنه أخذ شهادة في الفلسفة أو في التقنية أو في الطبّ أو في الهندسة، ما الذي جعل الناس تقدم على هذا وتحجم عن العلماء؟ هو هذا الإعلام المجرم الذي صرف همم الناس عن أهل العلم الحقيقيين ووجههم إلى أهل الجهالات والضلالات، لكن الإنسان الذي يعلم أنّ ذمته لا تبرأ إلّا بسؤال أهل العلم عليه أنْ يتقي الله، فنصّ رحمه الله على أنّ مِن المحارم التي يجتنبها السُّنّي في خاتمة هذه العقيدة أنْ يترك القول على الله بلا علم، قال كل هذه كبائر محرمات، هي والنميمة وكل ما ذكر، فالواجب أنْ يَكُفّ السُّنّي عن المحرم؛ وأنْ يلتزم الاعتقاد الحق؛ وأنّ يعمل على ما أوجب الله تعالى عليه مِن الواجبات؛ ولا يغفل عن هذه السُّنَن، لأنّ هذه السُّنَن ترقع النقص الموجود في الفرائض.

والتحلي في المكاسب والمطاعم والمحارم والمشارب والملابس، واجتناب الشهوات؛ فإنها داعيةٌ لركوب المحرمات، فمَن رعى حولَ الحمى؛ فإنه يوشك أنْ يقع في الحمى، فمَن يُسّر لهذا فإنه مِن الدين على هدى ومِن الرحمة على رجا.


قال بعد ذلك: "التحري في المكاسب" انتبه يا أخي لراتبك، انتبه إلى ما يدخل عليك، انتبه إلى ما تُطْعِم به هؤلاء الذرية وزوجتك، إذا شككت في أَمْر واعتقدت أنه مَحَلّ إشكال يا أخي تخلص منه؛ فإنّ رزق الله عزّ وجلّ واسع، هكذا المكاسب من البيوع! هكذا هذه المساهمات وهذه الألاعيب الآن الحاصلة في البنوك! انتبه إلى ما تُدخله في جوفك، احرص على الحلال، وإذا تشككت فيه فاسأل عنه مَن يُزيل عنك الشبهة بأنْ يقول إنه حرام أو يقول إنه حلال فتبرأ ذمتُك بشرط أنْ يكون مِن أهل العلم الذين يسوغ لهم الفتوى، ولا تستسهل أَمْرَ المكاسب هذه وأمر المطاعم وهكذا الملابس والمشارب وكل ما تقتنيه، فانتبه إلى أمر الحلال، فإنّ السُّنّي بتقواه لله عزّ وجلّ يتورع، وإلّا جَلْبُ المالِ طرقُه كثيرة، ولكن في الحلال - ولله الحمد – غُنْيَة عن الحرام، وفي الحلال البركة التي يجعلها الله تبارك وتعالى، فأمّا دروب الحرام الآن في البنوك وفي المؤسسات كثيرة جدًا، فاجتنب هذه المحرمات؛ وإنْ كَثُرَ المتهافتون عليه، ثم قال: "واجتناب الشهوات؛ فإنها داعية لركوب المحرمات، فمَن رعى حول الحمى فإنه يوشك أنْ يقع في الحمى" اجتنب الشهوات، وهي الشهوات التي تدعو إلى المحرمات، ومِن أعظم ذلك وأخطره وأكثر ما انتشر في المسلمين اليوم النظرُ إلى صور النساء، فإنما هذا أمره عجب، والله إنّ العاقل ليتعجب مِن أناس مِن أهل الدين والخير والصلاح كيف استسهلوا هذا! كيف استسهلوا النظر إلى صور النساء! سبحان الله العظيم! لو تسأله ما حُكْمُ النظر إلى المرأة الأجنبية قال: حرام؛ والدليل والدليل؛ ثم هو ينظر إليها! كأنما الناس ضربوا في عقولهم، استسهل كثير منهم صور النساء مع ما فيها مِن الفتنة العظيمة، النظر إلى هؤلاء النساء سَهْم مِن سِهَام إبليس مسوم، إذا نظرت إليها وهي بكامل زينتها ما الذي يحصل في قلبك؟ ما الذي يترتب عليه؟ كم مِن نظرت تسببت في الفاحشة؟ ولهذا مِن حكمة الحكيم القدير أنْ قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ(9)، أمّا الفاحشة نفسها فإذا وصلت إليها – نسأل الله العافية - ، لكن مما يقربك من الفواحش هذا النظر، وتكلمت في الدرس السابق عن هذه البلية التي بُلِي بها الناس بقوله إني أتابع الأخبار؛ وإني حريص على الأخبار! وكأنه لن يُتابع الأخبار حتى يرى الصور المحرمة، تستطيع متابعة الأخبار دون النظر إلى الصور المحرمة، فالصور المحرمة خطيرة جدًا، وهكذا ما تساهل به الناس أَمْرُ القنوات الفضائية التي من نحو عشرين سَنَة ما كان أحد يتحدث ويتصور أنّ أهل الدين سيجثون عندها ويتفرجون عليها، الآن انظر إلى كثرة مَن يقول في قناة العربية و"الإم بي سي" القنوات الفاسدة! ماذا تريد بالفاسدة! يالله العجب! كيف تدخلها في بيتك وتنظر إليها امرأتك وأطفالك! قنوات مثل هذه القنوات ماذا تريد منها؟ فاسدة! هي مِن أفسد ما يكون، وليست وحدها، فاتقوا الله في هذه الأبصار، فإنّ النظر مِن أعظم ما سبب فسادَ القلوب، ولو أنّ الناظر يخفى عليه الحكم لربما عُذِر، لكن الإشكال أنه يعلم أنّ هذا محرم، ثم يأتيه الشيطان بمثل هذه الحيل، فلنتق الله عزّ وجلّ في هذه الأسماع وهذه الأبصار، ولنعلم أنّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(10)، فالأمور خطيرة، فحاصل الأمر أنّ العقيدة الحقّة تحمل صاحبها في نهاية المطاف على تقوى الله عزّ وجلّ، في منطقه؛ في مأكله؛ في مشربه؛ في علاقاته بمَن حوله مِن أقاربه مِن جيرانه مِن والديه بالمقام الأول مِن ذوي رحمه؛ في أعظم علاقة له بالله عزّ وجلّ، هذه هي الفائدة مِن العقيدة، أمّا أنْ تعرف العقيدة وتأخذ بها الكتب ثم لا يتغير وضعك! فأنت كما قالت أم الدرداء رضي الله عنها لشاب كان يتردد عليها ويسألها عن العلم فقالت مرة: "يا ابن أخي أتعمل بما تعلم؟" قال: "لا"، يجمع منها العلم! قالت: "لا تُكْثِر مِن حُجَج الله علينا وعليك"(11)، هذه حجج، هؤلاء الأئمة الأخيار - رحمة الله تعالى علينا وعليهم - الذين وضعوا هذه العقيدة وجعلوها للأمة؛ ودعوا في آخرها؛ وأبدوا في أولها - أنهم حريصون على الأمة - أبقى الله لهم أجرها، فلا يكن حظنا مجرد السمع! وليكن حظنا منها التطبيق والانتفاع، فإنّ العقيدة قول واعتقاد وعمل، والعمل يكون بما بترك ما حرّم الله وأداء ما أوجبه.

وفقنا اللهُ وإياك إلى سبيله الأقوم بمَنّه الجزيل الأقدم؛ وجلاله العلي الأكرم؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وعلى مَن قرأ علينا السلام، ولا ينال سلامُ الله الضالين، والحمد لله رب العالمين.


كأنما رحمه الله يوجهها لِمَن بعده، لاحظ، يقول رحمه الله تعالى: "والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" يقوله لِمَن سأله؛ وعلى "مَن قرأ علينا السلام" فنسأل الله أنْ يُسلمه ويغفر له ويرحمه وأئمة السلف أجمعين، لن نطيل، لأنّ الأخوة عندهم دراسة واختبارات.

- يسأل أكثرُ مِن أخ عن تكفير مَن يَسُبّ الصحابة.

أمّا مَن سَبّهم بالعموم - فكما قال شيخ الإسلام - مَن سَبّهم بالعموم؛ فإنه يكفر بالإجماع لأنه مُكَذّب للقرآن، ومَن تَعَرّض لبعضهم باتهامه مثلًا بحب الدنيا أو بالجبن ونحوه؛ فإنه يُؤدب أدبًا يزجره ولا يكون به كافرًا.

- يقول: طلبتْ مني أختي أنْ أذهبَ بها للتقدم لوظيفة وأنا أعلم ما كانت عليه من مشاكل مع والدتي؛ فقلت: والله لن يوفقك! هل أنا تأليتُ على الله؟

نعم، لا تحلف على الله بمثل هذا الغيب أبدًا، وهي بحاجة منك إلى موعظة أنْ تراعي وضعَ والدتها، أمّا أنْ تحلف على غيب أنّ الله لن يوفقها؛ فهذا منك خطأ.

- وهذا أيضًا يسأل عن سَبّ الصحابة؛ وقلنا ما يتعلق به.

- يقول: الذين قالوا: إنّ الإيمان قول واعتقاد وعمل، وقالوا: العمل عمل القلب وأعمال الجوارح، المباني أربعة، ذِكْرُ ذلك خلاف مُعْتَبر عند أهل السُّنَّة، هل قولهم هذا موافق لأهل السُّنَّة؟

القول بترك المباني الأربعة لا يعني - وهذه مسألة مهمة جدًا - إذا قال أحد بعدم التكفير بالمباني الأربعة؛ هل معنى ذلك أنه يقول: إنّ الإيمان قول واعتقاد؟ لا، يقول: العمل؛ لابُدّ مِن شيء مِن العمل، فكونه يترك شيئًا من المباني الأربعة لا يعني أنْ يترك العمل بالكلية! فهذا مِن الأمور المهمة، ولهذا وضح هذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وبَيّن أنّ ثمّة فرقًا بين مَن لا يُكَفّر تاركَ الصلاة وبين مَن يقول بأنّ العمل بالكلية لو تَرَكَه لا يَكْفُرُ! فيه فَرْقٌ، ليس مَن قال إنّ تَرْكَ الصلاة ليس بكفر؛ لا يقول إنّ ترك العمل بالكلية لا يكون كفرًا! فيه فَرْقٌ، يقول شيخ الإسلام: يستحيل أنْ يوجد مَن يُقِرّ أنّ الله تعالى ربه ثم لم يسجد لله تعالى سجدة! ولم يركع لله ركعة! يقول: ..... (12) هذا أمرٌ غير ممكن، يعني لا يمكن أنْ يُقِرّ أنّ الله تعالى ربُّه وأنّ الله أوجب هذا ثم لا يكون منه عمل!

هذا والله أعلم، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وآله وصحبه


(1) صحيح البخاري (7293) عن عمر موقوفًا – وليس مرفوعًا! -.
(2) ص: 86.
(3) صحيح مسلم (292) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا.
(4) صحيح مسلم (105) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) نونية ابن القيم (ص: 99).
(6) نونية ابن القيم (ص: 99).
(7) نونية ابن القيم (ص: 99).
(8) الكهف: 29.
(9) الأنعام: 151.
(10) الإسراء: 36.
(11) اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي – من كلام عائشة رضي الله عنها - (ص: 15).
(12) جملة غير مفهومة.