موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الخطبة الأولى - قصة موسى والخضر
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
  
 
قصة موسى والخضر - الخطبة الأولى

ففي القرآن قَصص عظيمة، اشتملت على أرْقى أنواع الفصاحة، وأعلى أصناف البلاغة، مع سموِّ الغاية، وشرَف المقصد، فكلها دروس وعِبَر، وأحكام وعِظات. قال تعالى ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وروى البخاري ومسلم من حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خطب موسى في بني إسرائيل يوماً حتى ذرفت العيون ووجلت القلوب، فلما انصرف تبعه رجل، فقال: يا نبي الله! هل هناك أعلم منك في الأرض؟ قال: لا. فعتب الله عز وجل عليه إذ لم يرجع العلم إليه، قال: بلى، إن لي عبداً في مجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى: أي رب! وكيف لي به؟ قال: خذ نوناً ميتاً -والنون: هو الحوت، واجعله في مشكل، وهو الزنبيل، فحيث فقدته فهو ثم -أي أنك ستلقى الخضر في المكان الذي تفقد فيه الحوت. فعزم موسى على الذهاب إليه وقَالَ لِفَتَاهُ أي: لغلامه الذي يخدمه ويتعلَّم منه، وهو يُوشَع بن نون قال له: ﴿لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾؛ أي: لا أزال مستمرًّا في السير حتى أصِل إلى ملتقى البحرين ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾؛ أي: ولو أسير سنواتٍ طويلةً، حتى أصل إلى بُغيتي، وأحصِّل مطلبي فانطلق موسى وغلامه، حتى إذا كانا ببقعة من الأرض عند صخرة، قال موسى لفتاه: أيقضني إذا رد الله الحياة في الحوت، ثم إن الحوت ارتدت إليه الحياة بإذن الله وقفز في البحر، فلما استيقظ موسى عليه السلام نسي غلامه أن يخبره أن الحوت قفز في الماء، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، فلما كان من الغد أراد موسى أن يأكل ويستريح فقال لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ أي تعبا ومشقة، فتذكر الفتى أن الحوت الذي كانا سيأكلانه قد قفز في الماء، قال: أتذكر عندما كنا عند الصخرة ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ فقال موسى ذلك ماكنا نبغ لأنه يعلم أن الخضر في المكان الذي فقد فيه الحوت ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ رجعا يقصان آثار أقدامهما، فلما وصلا إلى المكان الذي فقدا فيه الحوت، وجدا عبداً مسجى ببردة خضراء، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: وهل بأرضي سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت موسى بني إسرائيل ؟قال: نعم. قال: وما تريد؟ قال: أريد أن أتعلم. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾. فقال الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي حتى أحدثك بخبره، فانطلقا ووقفا على شاطئ البحر، فمر مركب فأراد الخضر وموسى أن يركبا، فقال الغلمان: عبد الله الصالح وكانا يعرفان الخضر؛ لا نحمله بأجر، فعمد إلى مكان في السفينة فخلع منه لوحاً، فقال موسى: قوم حملونا بغير أجره؛ تخلع لوحاً من سفينتهم لتغرق أهلها ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ أي منكرا قال الخضر ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قَالَ موسى ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرا﴾ فلما نزلا من السفينة وجدا أُغيلمة يلعبون، فعمد الخضر إلى ولد وضيء جميل ذكي، فأخذه من رأسه وأضجعه على الأرض وقتله، فقال موسى: عمدت إلى نفس فقتلتها بغير حق، لقد عملت أمرا منكرا، قال الخضر عليه السلام: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لك إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال موسى ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ فدخلوا إلى قرية وكانوا جياعا، فأبى أهل القرية أن يقدموا لهم طعاما، فَوَجَدَا فِي القرية جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ، يعني يسقط وينهدم، فأصلحه الخضر، فقال له موسى لماذا أصلحت الجدار بدون أجرة نتزود بها في مسيرنا ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أي: سأُخْبرك بمآل الأمور التي صدَرَتْ مني، ولم تصبرْ عليها، أَمَّا السَّفِينَةُ التي خرقتُها ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فَأَرَدْتُ أَنْ أجعل فيها عيبا، لأنه كان أمامهم مَلِكٌ ظالم، يَعتدي على أصحاب السفن السليمة، فـيَأْخُذُها غَصْبًا مِن أصحابها، ويترك السفن المعيبة.

وَأَمَّا الْغُلاَمُ الذي قتلتُه فَكَانَ كافرًا، وكان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أن تحملهما محبَّتُه على متابعته في الكُفر، فيوقعهما في المشقَّة والهلاك. ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ أي: طهارة ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: رحمة بهما وصِلة لهما.

وَأَمَّا الجِدَارُ الذي أقمتُه ﴿فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ وَكَانَ تَحْتَ الجدار مال مدفون ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي: تكتمل قوتهما بالعقـل والرأي ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ بعد ذلك ليتصرَّفَا فيه، وينتفعا به ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: حصل ذلك رحمةً مِن الله تعالى ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾ أي: ولم أفعلْ ما رأيتَه عن رأيي واجتهادٍ مني، وإنَّما فعلتُه بأمر الله تعالى.