موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الخطبة الثانية - قصة سليمان وبلقيس
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
  
 
قصة سليمان وبلقيس - الخطبة الثانية

الحمد لله:

علم سليمان بمقدم بلقيس إليه، فالتفت لرجاله وقال ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قبل أن يسلموا فتحرم علي أموالهم بإسلامهم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ قيل كان سليمان في الشام وعرش الملكة في اليمن. فقال سليمان، عليه السلام : أريد أعجل من ذلك . لأنه كان يريد إظهار عظمة ما وهبه الله له من الملك، وما سخر له من الجنود، الذي لم يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده . وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها ; لأن هذا أمر خارق، أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه . هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قال ابن عباس: الذي عنده علم من الكتاب اسمه آصف وهو كاتب سليمان، وقال بعض المفسرين: هو رجل عالم صالح عند سليمان، وكان يعرف اسم الله الأعظم، قال وهب بن منبه : امدد بصرك، فلا يبلغ مداه حتى آتيك به . فلما جيء بالعرش، أمر سليمان بإجراء بعض التغييرات عليه ليمتَحِن بلقيس ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أدركت أن هذا هو عرشها سبقها إلى المجيء، ولا يملك ذلك إلا من أوتي المعجزات، قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أمرت أن تدخل لترى ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها . فلما رأته حسبته لجة، أي ظنته ماء ستخوض فيه، وكشفت عن ساقيها، فقيل لها : إنه صرح ممرد من قوارير. ثم انبهرت بما شاهدته من إيمان سليمان وصِلته بالله، ثم انبهرت بما رأته من تَقدُّمه في الصناعات والفنون والعلوم، ورأت عقيدة قومِها تتهاوى أمام سليمان، وأدركتْ أن الشمس التي يعبدها قومُها ليست إلا مخلوقًا، خلقه الله تعالى وسخَّره للعباد، فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله. فلما شاهدت ما شاهدت، أدركت أنها تُواجِه أعظم ملوك الأرض، أحد أنبياء الله الكرام . وتيقنت نبوته ورسالته فتابت ورجعت عن كفرها و قَالَتْ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اعترفت بظلمها لنفسها، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وتَبِعها قومُها على الإسلام.

عباد الله: قص الله علينا القصص في القرآن، للاعتبار وإليكم شيئا من الفوائد المستنبطة من هذه القصة:

فمنها: أهمية تفقد القائد رجال دولته، وتأكده من قيام بكل منهم بما عليه من الأمانة، ومحاسبة المقصر بعد التأكد من تقصيره.

ومنها: عدم الاغترار بالقوة وكثرة النعم بل الواجب نسبتها إلى مسديها سبحانه.

ومنها: هم الداعية هداية الناس، وليس السعي خلف حكام الدنيا وزينتها.

ومنها: الأنبياء لا يعلمون الغيب ودينهم الإسلام.

ومنها: غيرة الهدهد على التوحيد بخلاف بعض الناس اليوم.

ومنها: قال بعض العلماء أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم هو سليمان.

ومنها: أهمية استشارة الملك عقلاء قومه، وليس الأمر متروكا للتصويت لعامة الناس.

ومنها: التقدم المعماري والهندسي في زمن سليمان عليه السلام.

ومنها: رجاحة عقل بلقيس حيث جنبت بلادها دمار الحرب، بعكس بعض دعاة الثورات اليوم الذين يدمرون بلادهم ويسمونها ظلما بالربيع العربي.