موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - صفة الحج والعمرة - شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 أقسام المياه
 فصل كل إناء طاهر
 جلد الميتة
 فصل في الاستنجاء والاستجمار
 فصل في السواك وتوابعه
 الوضوء
 فصل في فرائض وسنن الوضوء
 فصل في المسح على الخفين
 فصل في نواقض الوضوء
 الغسل
 فصل في موجبات وسنن الغسل
 التيمم
 فصل ما يصح به التيمم
 من شروط صحة التيمم طلب الماء
 نية التيمم
 تأخير التيمم رجاء وصول الماء
 عدم الماء والتراب أو لم يمكنه استعمالهما
 إزالة النجاسة
 الدهن المتنجس
 يسير الدم
 فصل في الحيض
 كتاب الصلاة
 وجوب الصلوات الخمس
 تأخير الصلاة
 تارك الصلاة جحودا
 فصل في الأذان والإقامة
 حكم الأذان والإقامة وكيفيتهما
 الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر
 فصل في شروط صحة الصلاة
 باب صفة الصلاة
 مكروهات الصلاة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في سجود السهو
 فصل في صلاة التطوع والقنوت
 الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
 فصل في صلاة الجماعة
 فصل في الإمامة وما يلحقها
 فصل في صلاة المريض
 فصل في صلاة القصر والجمع
 صلاة الخوف
 فصل في صلاة الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء
 كتاب الجنائز
 ما ينبغي للمسلم من لدن المرض إلى الوفاة
 فصل في غسل الميت
 تكفين الميت
 فصل في الصلاة على الميت ودفنه
 زيارة القبور والتعزية
 كتاب الزكاة
 ما تجب فيه الزكاة وشروطها
 نصاب الزكاة
 زكاة المكيل
 فصل في زكاة الذهب
 فصل في زكاة الفطر
 فصل في شروط إخراج الزكاة وأصنافها
 صدقة التطوع
 كتاب الصيام
 ما يثبت به شهر رمضان
 الأعذار المبيحة للفطر
 النية في الصيام
 المفطرات وأحكامها
 مكروهات الصوم
 سنن الصوم
 فصل ما يسن صومه من الأيام وما يحرم
 فصل في أحكام الاعتكاف ولواحقه
 كتاب الحج والعمرة
 شروط وجوب الحج والعمرة
 شروط حج المرأة
 موت القادر على الحج قبل أن يحج أو يعتمر
 سنن الإحرام
 أقسام الحج
 التلبية
 الإحرام قبل الميقات
 فصل في مواقيت الحج
 محظورات الإحرام
 إحرام المرأة
 فصــل في الفدية
 حرمة مكة والمدينة
 باب دخول مكة
 صفة الحج والعمرة
 فصل في أركان وواجبات الحج والعمرة
 الفوات والإحصار
 فصل في الأضحية
 العقيقة
 كتاب الجهاد
 حكم الجهاد وشرطه
 الغنيمة
 فصل في عقد الذمة
 كتاب البيع وسائر المعاملات
 شروط البيع
 أقسام الخيار
 ربا الفضل
 ربا النسيئة
 بيع الأصول وبيع الثمار
 السلم وشروطه
 أحكام القرض
 أحكام الرهن
 أحكام الضمان
 أحكام الحوالة
 الصلح
 أحكام الجوار
 أحكام الحجر
 الوكالة
 الشركة
 المساقاة والمزارعة
 الإجارة
 المسابقة
 العارية
 الغصب والضمان
 الشفعة
 الوديعة
 إحياء الموات
 الجعالة
 اللقطة
 اللقيط
 كتاب الوقف
 تعريف الوقف ودليل مشروعيته
 صيغ الوقف القولية:
 شروط الوقف
 الوقف على غير المسلم
 العمل بشرط الواقف
 مصرف الوقف
 الوقف على الأبناء
 الوقف على مجموعة
 كتــاب الهبـــة
 حكم الهبة وألفاظها
 هبة الثواب
 هبة الوالد لأبنائه
 هبة الأب لبعض أبنائه في حياته
 الرجوع في الهبة
 تملك الأب لمال ولده
 فضل الهدية
 الهدية المحرمة
 هدية المريض
 الترتيب في العطية
 الرجوع في العطية
 إثبات ملكية العطية
 أحكام الوصية
 الوصية لوارث
 الوصية بالخمس
 صيغ الوصايا
 مقدمة الوصية
 الوصية فيما دون الثلث
 الوصية فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة
 عدم وفاء الوصية بالموصى لهم
 تقدم الواجبات والديون في التركة
 ما تصح به الوصية
 الحادث بعد الوصية:
 الوصية بالأنصباء
 الوصية على معصية
 شروط الموصى إليه
 شروط الموصى به
 مات بمحل ليس فيه حاكم
 تجهيز الميت من تركته
 كتـــاب الـفـرائـض
 تعريف الفرائض
 أسباب الإرث
 ميراث المطلقة
 الولاء
 ميراث العبد لسيده
 موانع الإرث
 أركان الإرث
 شروط الإرث
 أقسام الورثة
 ما يتعلق بالتركة
 أصحاب الفروض
 من هم أصحاب الفروض
 أصحاب النصف
 أصحاب الربع
 أصحاب الثمن
 أصحاب الثلثين
 أصحاب الثلث
 تقسيم المال بين الجد والإخوة
 الجد مع الإخوة والأخوات
 الـحجـب
 حجب الحرمان
 حجـب النقصـان
 التعصــيب
 العصبة بالنفس
 العصبة بالغير
 الأخ المبارك
 العصبة مع الغير
 العول وحساب الميراث
 الـرد
 ميراث ذوي الأرحام
 ميراث الحمل
 كتـاب العتـق
 تعريف العتق وفضله
 إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق
 الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق
 ترغيب الشارع في العتق
 الوصية بالعتق
 التدبير
 المكاتبة
 بيع المكاتب
 عتق أم الولد
 ولاء المعتق
 كتاب النكاح
 حكم النكاح وحكمة مشروعيته
 الترغيب في النكاح
 تعدد الزوجات
 الترغيب في ذات الدين
 الترغيب في البكر
 النظر إلى المخطوبة
 حرمة الخلوة بالمخطوبة
 النظر إلى المحارم ونظر النوع للنوع
 التصريح بخطبة المعتدة
 خطبة المسلم على خطبة أخيه
 أركان النكاح
 تعريف النكاح:
 شروط النكاح
 شروط الولي
 المحرمات في النكاح
 حرمة الكافرة وحل الكتابية
 حرمة زواج الحرة من عبدها
 الشروط في النكاح
 الشروط التي تبطل عقد النكاح
 نكاح الشغار
 نكاح المحلل
 نكاح المتعة
 النكاح المعلق
 العيوب التي يفسخ بها النكاح
 الصــداق
 تعريف الصداق واستحباب تيسيره
 ما يصح أن يكون مهرا
 تسمية المهر
 تأجيل الصداق
 تملك المرأة صداقها
 وجوب مهر المثل
 ميراث كل من الزوجين للآخر
 الصداق بعد الطلاق
 الصداق في وطء الشبهة
 منع المرأة نفسها قبل قبض صداقها
 وليمة العرس
 إجابة الدعوة
 إعلان النكاح والضرب عليه بالدف
 المعاشرة بالمعروف
 السفر بالزوجة
 حق الزوجة في مسكن مستقل
 العدل بين الزوجات
 نشوز الزوجة
 الخلع
 التكييف الفقهي للخلع
 الرجعة بعد الخلع
 العوض في الخلع
 خلع زوجة الصغير
 كتاب الطلاق
 مقدمة
 تعريف الطلاق
 حكم الطلاق
 الذي يصح منه الطلاق
 متى لا يقع الطلاق
 التوكيل في الطلاق
 طلاق السنة وطلاق البدعة
 الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة
 الطلاق له صريح وله كناية
 كم يملك من الطلقات
 الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات
 مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق
 إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام
 فصل تعليق الطلاق بالشروط
 ما يقطع الشرط والاستثناء
 الطلاق المعلق بشرط يقع متى وقع الشرط
 شك في طلاق أو ما علق عليه
 أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار
 أقسام فراق الرجل لامرأته
 فصل الطلاق الرجعي وأحكام الرجعة
 إذا طلق الحر ثلاثا والعبد اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره
 فصل في الإيلاء
 فصل في الظهار وما يتعلق به
 فصل في اللعان
 باب العدد
 العدة وأقسامها
 الإحداد وتوابعه
 فصل في الرضاع
 باب النفقات
 تعريف النفقة وتحديدها
 متى تسقط نفقة الزوجة
 النفقة على الأقارب
 امتنع من وجبت عليه النفقة
 مقدار النفقة
 النفقة على الرقيق
 نفقة البهائم
 المملوك إذا طلب الزواج
 الحمل على الدواب
 فصل في الحضانة
 الأولى بالحضانة
 ما يشترط في الحاضن
 من لا تثبت له الحضانة
 إذا بلغ الطفل سبع سنين خير بين أبويه
 ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ويصلحه
 كتاب الجنايات
 أهمية كتاب الجنايات وتعريفها
 تحريم القتل
 أقسام القتل
 اجتماع الجماعة على قتل الواحد
 شروط القصاص
 شروط استيفاء القصاص
 كيفية استيفاء القصاص
 ما يجب بقتل العمد
 شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس
 سراية الجناية
 على من تجب الدية
 مقادير الدية
 دية الحر المسلم
 دية قتل العمد وشبه العمد
 دية الأنثى
 دية الكتابي الحر
 دية الرقيق
 دية الجنين الحر
 دية ما في الإنسان منه واحد
 دية ما في الإنسان منه اثنان
 دية ذهاب الحواس
 دية الشجاج
 العاقلة التي تتحمل الدية
 كفارة القتل الخطأ وشبه العمد
 تعريف القسامة وشروطها
 كتاب الحدود
 تعريف الحدود وأهميتها
 شروط إقامة الحدود
 إقامة الإمام للحدود
 كيفية استيفاء الحدود
 مات وعليه حد
 حد الزنا وشروطه
 حد القذف وشروطه
 حد التعزير
 حد الإسكار
 تحريم الخمر
 عقوبة شارب الخمر
 شروط شارب الخمر
 حد السرقة
 شروط حد السرقة
 السرقة من غير حرز
 السرقة زمن المجاعة
 حد قطاع الطريق
 عقوبة قطاع الطريق
 إثبات حد قطاع الطريق
 توبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه
 دفع الصائل
 حكم البغاة
 أحكام المرتد
 تعريف المرتد وحكمه
 الأسباب التي توجب حد الردة
 توبة المرتد
 شروط التوبة
 أحكام الأطعمة
 الأطعمة المحرمة
 أكل المحرم للمضطر
 آداب الضيافة
 أحكام ذكاة الحيوان
 تعريف الذكاة وما تجوز فيه الذكاة
 شروط الذكاة
 ذكاة الجنين
 مكروهات الذبح
 سنن الذبح
 أحكام الصيد
 تعريف الصيد وشروطه
 الأيمان
 تعريف الأيمان ولماذا سميت يمينا
 أنواع الحلف
 كفارة اليمين
 شروط وجوب كفارة اليمين
 حلف ألا يطأ أمته
 متى تجب الكفارة
 مقدار كفارة اليمين
 النية في اليمين
 النذر
 تعريف النذر
 حكم النذر
 أنواع النذر المنعقد
 كتاب القضاء
 أهمية القضاء بين الناس
 حكم نصب القضاة
 الولاية العامة والولاية الخاصة
 شروط تولية القاضي
 لزوم حكم المحكم
 صفات القاضي
 تعريف الدعوى وشروطها
 الشهادة في الحقوق
 شروط الشهود
 تزكية الشهود
 القضاء على الغائب
 كتاب القاضي إلى القاضي
 القسمة
 تعريف القسمة
 أنواع القسمة
 كتاب الشهادات
 حكم تحمل وأداء الشهادة
 أخذ الأجرة على الشهادة
 كيفية الشهادة
 شروط الشاهد
 عدد الشهود
 الشهادة على الشهادة
 قبول الشهادة على الشهادة
 كيفية تحميل الشهادة وشروطها
 الخطأ في الفتوى أو في القضاء
 كتاب الإقرار
 تعريف الإقرار والحكم به
 من يجوز إقراره
 الرجوع في الإقرار
شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد - صفة الحج والعمرة

صفة الحج والعمرة

والآن نقرأ فيما بعد ذلك.

بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى أله وصحبه أجمعين.

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فصل في صفة الحج والعمرة: يسن لمحل بمكة الإحرام بالحج يوم التروية والمبيت بمنى، فإذا اطلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عُرَنة، وجمع فيها بين الظهر والعصر تقديما، وأكثر الدعاء مما ورد، ووقت الوقوف من فجر عرفة إلى فجر النحر، ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة، ويجمع فيها بين العشاءين تأخيرا، ويبيت بها. فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فرقاه، ووقف عنده، وحمد الله وكبر وقرأ: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ (1) الآيتين، ويدعو حتى يسفر، ثم يدفع إلى منى.

فإذا بلغ مُحسِّرا أسرع رمية حجر، وأخذ حصى الجمار سبعين أكبر من الحمص، ودون البندق، فيرمي جمرة العقبة وحدها بسبع، يرفع يمناه حتى يرى بياض إبطه، ويكبر مع كل حصاة، ثم ينحر ويحلق، أو يقصر من جميع شعره والمرأة قدر أنملة، ثم قد حل له كل شيء إلا النساء، ثم يفيض إلى مكة فيطوف طواف الزيارة الذي هو ركن، ثم يسعى إن لم يكن سعى، وقد حل له كل شيء، وسن أن يشرب من زمزم لما أحب ويتضلّع منه، ويدعو بما ورد، ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال، ويرمي الجمار في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، وقبل الصلاة.

ومن تعجل في يومين إن لم يخرج قبل الغروب لزمه المبيت والرمي من الغد، وطواف الوداع واجب يفعله، ثم يقف في الملتزم داعيا بما ورد، وتدعو الحائض والنفساء على باب المسجد، وسن زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبري صاحبيه، وصفة العمرة أن يحرم بها من بالحرم من أدنى الحل، وغيره من دويرة أهله إن كان من دون ميقاته، وإلا فمنه، ثم يطوف ويسعى ويقصر. فصل


هكذا صفة الحج مع الاختصار.

هكذا صفة الحج مع الاختصار، وذلك لأن الحجاج -عادة- يأتون، ثم ينزلون بالأبطح، وكان الأبطح وما حوله -في تلك الأزمنة- كان فيه متسع، ولم تمتد إليه المباني، فكان الحجاج ينزلون هناك.

إذا جاءوا -مثلا- في اليوم الرابع، أو في اليوم الخامس، أنهوا عمرتهم إذا كانوا متمتعين، وبنوا لهم خياما، أو استظلوا تحت الشجر، وأقاموا هناك إلى اليوم الثامن؛ ويسمى يوم التروية، فإذا كان يوم التروية أحرموا بالحج.

لماذا سمي يوم التروية؟ لأنهم يرتوون فيه من المياه، أي: أنهم يملئون ما معهم من القرب، والمزادات التي يجيئون بها من بلادهم، يملئونها من الماء، حيث لا يوجد في تلك الأزمنة الماء، لا في منى، ولا في مزدلفة، ولا في عرفة، يعني: غالبا، فسموه يوم التروية.

وفيه يمكن في القرن الثاني، أو الثالث وجدت المياه، يعني: بعمليات كان لها تأثير، يعني: احتيج فيها إلى أتعاب، وإلى مشقة إلى أن أوصل الماء إلى تلك الأماكن، أو ضمن جداول يسير معها، ويكون فيها فتحات إلى أن يمر بالمشاعر كلها؛ يمر بمنى، ويمر بمزدلفة، ويمر بعرفة. هذا في القديم.

ثم في عهد الحكومة، يعني: اعتنت بالمياه في تلك الأماكن، وأمنتها في أيام المناسك، وأيام المشاعر بواسطة المواسير التي امتدت، وصارت في كل الأماكن، والحمد لله.

في يوم التروية الذين كانوا قد تحللوا، يحرمون بالحج، والذين بقوا على إحرامهم، يعني: الذين ما تحللوا، يعني: كالمفرد والقارن إذا كانوا نازلين بالأبطح يتوجهون مع الحجاج إلى منى.

في تلك الأزمنة كانت منى خالية ليس فيها أحد إلا يوم التروية وما بعده، أمَّا في هذه الأزمنة فالمشاهد أن الأبطح وما حوله لم يبق فيه مساكن للحجاج؛ امتدت المباني والعمارات إلى أن وصلت إلى منى، أو تجاوزت منى من الجهات الأخرى، إلا أنه منع من البناء في المشاعر.

فهذه الأماكن أصبحت مملوكة، أصبح الحجاج الذين يأتون حتى ولو بأول الشهر يستقرون في منى في مخيمات لهم يبنونها حين يأتوا من حين يأتوا من أول الشهر، أو من اليوم الثاني، أو الرابع، أو الخامس، أو حتى الذين يأتون في اليوم السابع، أو الثامن يأتون إلى منى، ويستقرون فيها هذه الأيام كلها.

فعلى هذا لا يكون ليوم التروية ميزة على الأيام التي قبله لمن كان مفردا، أو قارنا، وأما من كان متمتعا فإنه يحرم من منى، بدل ما كان يحرمون من الأبطح، يحرمون من منى؛ لأنهم في منى مستقرين.

بعض العلماء قال: يستحب أن يحرم تحت الميزاب، يعني: ميزاب الكعبة، ولكن الصواب أنه لا حاجة إلى ذلك، وأن هذا لم يرد، وأن فيه مشقة على الناس. الميزاب لا يتسع مثلا إلا لواحد، أو اثنين، فكيف يكلف مئات الألوف أن يذهبوا إلى تحت الميزاب، فيحرموا منه، والصحابة أحرموا من رحالهم، ومن أمكانهم التي كانوا فيها، ثم ذكروا أنه عند هذا الإحرام يفعل مثلما فعله عند الميقات، أي: إذا تيسر له اغتسل، وتنظف، وتتطيب، وأخذ من شعر شاربه، ومن أظفاره إذا خاف أنها تطول، وتؤذيه، وقد ذكرنا أن هذا التنظف يفعل عند الحاجة، إذا كانت أظافره طويلة، وهكذا شعر شاربه، أو عانته فإنه يتعهدها عند الإحرام .

وذكرنا أن الإحرام في تلك الأزمنة تطول مدته فيخشى أن تطول هذه الأشعار، أو هذه الأظفار فتؤذيه، وأما في الأزمنة فإن مدة الإحرام لا تطول بالعمرة، إنما هو نصف يوم، أو نحوه، فإذا لم تكن طويلة فلا حاجة إلى تعهدها، ويقال كذلك عند الإحرام بالحج، ولا شك أنه يستحب الاغتسال؛ لأنه من باب النظافة.

وقد تقدَّم في الأغسال المستحبَّة في كتاب "الغسل" أنه يسن الاغتسال عند الأعمال الصالحة؛ فقالوا: يسن الاغتسال عند الميقات، والاغتسال عند دخول مكة، والاغتسال عند إرادة الطواف بالبيت، والاغتسال عند الإحرام بالحج، والاغتسال عند الوقوف بعرفة، أي: عند دخول الوقت، والاغتسال للوقوف بمزدلفة، والاغتسال لدخول منى، والاغتسال لرمي الجمار، والاغتسال لطواف الإفاضة، ونحو ذلك، كما تقدم في باب الغسل.

وقد عرفنا أن الحكمة في الاغتسال إنما هي النظافة؛ فإذا كان البدن نظيفا، والإنسان حديث عهد بنظافة فلا حاجة إلى هذه الاغتسالات، يمكن أنهم يستحبونها؛ لأنهم في ذلك الوقت في شدة حر لا توجد معهم مكيفات ولا مراوح كهربائية، فيشق عليهم الوقوف في شدة الشمس، فيحتاجون إلى أن يغتسلوا ليخففوا الحرارة عليهم، فهذا هو السبب.

يعني: تلك الأماكن كانت شديدة الحر: منى، مزدلفة، وعرفة، الحر فيها شديد، والشمس حارة إذا كان في وقت الصيف، أو حتى في وقت الشتاء، فلذلك أكثروا من ذكر الأغسال المستحبة للمُشعر.

والحاصل أنهم يحرمون في يوم التروية، فإحرامهم عند الميقات، قبل الإحرام يصلي ركعتين إذا لم يكن في وقت نهي، وينوي بها سنة وضوء، أو سنة اغتسال، ونحو ذلك، يسن أن يحرموا في الضحى، حتى تأتي عليهم الصلوات الخمس في منى، وهم محرمون.

مبيتهم بمنى ليلة عرفة، اختلف في حكمة، والصحيح أنه مستحب ومؤكد، وذهب بعض العلماء إلى أنه ركن، وقالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته باتوا بمنى ليلة عرفة، توجهوا إلى منى كلهم من الأبطح، ونزلوا بمنى كل الحجاج الذين معهم، وناموا بمنى حتى طلعت الشمس في اليوم التاسع، ثم توجهوا إلى عرفة وهو -صلى الله عليه وسلم- كان يقول لهم: « خذوا عني مناسككم »(2) يعلمهم ذلك دائما، « خذوا عني مناسككم »(2) ولا شك أن هذا دليل على أن أفعاله التي فعلها أنها من مشاعر الحج، فلذلك قال بعض العلماء: إنه من الأركان لا يتم الحج إلا به.

والقول الثاني: أنه من الواجبات التي تجبر بدم؛ من ترك المبيت بمنى يوم التروية، وليلة عرفة، فعليه دم؛ لأنه ترك واجبا.

والقول الثالث: أنه من السنن المؤكدة، والذين جعلوه من السنن؛ كما هو المشهور عند أحمد حيث لم يذكر في الأركان، ولا في الواجبات، بل جعلوه من السنن، كأنهم استدلوا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: « الحج عرفة؛ من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج »(3) واستدلوا -أيضا- بحديث عروة بن مضرِّس الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: « من شهد صلاتنا هذه -يعني بمزدلفة-، ووقف معنا حتى ندفع، وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ساعةً من ليل، أو نهار فقد تم حجة، وقضى تفثه »(4) وهو حديث مشهور صحيح، لكن لعله لما لم يذكر المبيت بمنى أراد أن هذا شيء معهود، وشيء معروف مشهور.

ومع آكديته والخلاف فيه نرى كثيرا يتساهلون في هذه الليلة، أو في هذا اليوم -يوم الثامن-، وبالأخص المطوِّفون؛ نشاهد أنهم يأخذون حجاجهم من مساكنهم بمكة في اليوم الثامن، ويتوجهون بهم إلى عرفة، ويستقرون بعرفة اليوم الثامن، وليلة التاسع، واليوم التاسع إلى أن تغرب الشمس في اليوم التاسع، ثم يذهبون بهم إلى منى، وهذا تساهل؛ يعني: ترك هذا الركن، أو هذا الواجب، أو هذه السنة المؤكدة التي هي الإقامة بمنى في ذلك اليوم.

ننتبه إلى أنه من آكد السنن إذا قلنا: إنه سنة، أو إنه من الواجبات -كما سمعنا- فالمبيت بمنى يوم التروية، مؤكد -كما سمعنا-.

الإقامة في منى؛ يقيمون فيها، وهم محرمون. الأعمال في ذلك اليوم هي أعمال المحرمين؛ يكثرون من التلبية؛ لأنهم محرمون بالحج، وكذاك -أيضا- يصلون فيها قصرا، الرباعية يقصرونها ركعتين؛ لأنهم على أهبة السفر، ولا يجمعون، بل يصلون كل صلاة في وقتها، يأتون بما أمروا به من شعائر الحج.

فمن ذلك: التلبية بعد كل صلاة عندما ينتهون من أي صلاة يرفعون أصواتهم بالتلبية.

ومن ذلك -أيضا- كثرة الذكر، وكثرة الدعاء؛ لأنهم قد تلبثوا بهذا الإحرام الذي هو عمل من أعمالهم الذي جاءوا به، فلذلك يكثرون من التلبية، ومن الدعاء، ومن الذكر.

متى يذهبون إلى عرفة؟ إذا طلعت الشمس صبح يوم عرفة -اليوم التاسع- توجهوا إلى عرفة، وفي طريقهم -أيضا- يذكرون الله -تعالى-، ويلبون، يقفون بعرفة، وكل عرفة موقف إلا بطن عُرنة، وعرفة واسعة جدًّا، يمكن أنها تمتد في جهة الشمال نحو أربع كيلو عن الجبل الذي هو جبل الرحمة، ومن الجهة الجنوبية نحو اثنين كيلو، أو ثلاث، ومن الجهة الغربية نحو ثلاث كيلو فتكون ممتدَّة، وشرق الجبل -أيضا- قد يكون إلى الجبال الطويلة.

واختلف في نَمِرة، هل هي من عرفة أم لا؟ فأكثر العلماء يقولون: إنها ليست من عرفة، وذلك لأنها اختصت باسم، أنها اسمها: نَمِرة.

والقول الثاني: ولعله الأرجح أنها من عرفة، أنها جزء من أجزاء عرفة، وقد ورد ما يدلُّ على ذلك؛ فمن ذلك قوله في حديث جابر الطويل، يقول: فلما طلعت الشمس سار إلى عرفة، حتى أتى عرفة فوجد القبة، وقد بنيت بنمرة كلمة: أتى عرفة، يعني: دخل حدود عرفة، ولا شك أن هذا دليل على أنه وصل إليها، وتكون القبة فيها، وفي جزء من أجزائها يقال له: نمرة.

وفي حديث -أيضا- مشهور يقولون فيه: إنه وقف بنمرة، أو نزل بنمرة، وهو الموقف الذي يقف فيه، أو ينزل فيه الإمام في عرفة في حديث صحيح مروي في السنن وفي المسند، وغيرها، ويدل على أنها من عرفة استثناء بطن نمرة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: « عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة »(5) .

فعرنة -أيضا- من عرفة إلا ما كان من البطن، يعني: مجرى الوادي، فإنه ليس من عرفة، يعني: لا يوقف فيه. وفي حديث آخر أنه قال: « عرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عُرنة »(6) يعني:وارتفعوا عنه، فعرنة ممتدة غربًا، فهي وراء نمرة التي فيها المسجد المشهور -مسجد نمرة-، فنمرة بين عرفة وعُرنة؛ فقوله: « ارفعوا عن بطن عرنة »(6) ولم يقل: ارفعوا عن نمرة إنما استثنى بطن عرنة، فهو دليل على أن عرفة واسعة، وأن من جملتها نمرة، ويستثنى فقط البطن يعني: الوادي؛ الوادي الذي هو منخفض الآن هذا هو الذي لا يوقف فيه، وأما ما وراءه، ولو مسيرة كيلو، أو نحوه في جهة مكة، وكذلك في الجهات الأخرى، فإنه موقف.

الناس يتضايقون كثيرًا، يعني: الحدود التي قد حددت في هذه الأزمنة فيها شيء من التضييق، وقد حُددت من جهة الجنوب، ومن جهة الغرب، ومن جهة الشمال والشرق، فصار فيها شيء من الضيق، وجعلوها من باب الاحتياط، فيأتي الناس مبكرين، يعني: قبل عرفة بخمسة أيام، أو بعشرة، ثم يتوازعون في تلك البقعة التي هي داخل الحدود، ويبقى بقية الناس ليس لهم أماكن فنقول: إن عرفة واسعة، وإنما لم يجد في داخل الحدود وقف ولو بعد الحدود كما يقولون ذلك في منى، يقفون وراء الحدود ولا حرج عليهم؛ لأن عرفة واسعة، ولأن هذه الحدود جعلت من باب الاحتياط.

ولأنهم معذورون حيث لم يجدوا مكانا، فلذلك يرخص لهم ولا يشددوا على أنفسهم، ولا يكلفوا أنفسهم بالدخول في داخل الحدود مع عدم الحصول على أماكن متسعة لهم، فقط لا يسكنون في الوادي المنخفض. فأما ما حوله فلا حرج في ذلك.

إذا وصلوا إلى عرفة، واستقروا فيها، فإنهم يكثرون من الدعاء، يكثرون من الذكر، والدعاء، والتكبير، والتلبية ونحو ذلك، فإذا دخل وقت الظهر بعد زوال الشمس صلوا الظهر والعصر جمعا، وقصرا في وقت الظهر جمع تقديم، وهكذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع في وقت الظهر. لماذا؟

ليطول وقت الوقوف، وذلك لأنه بعدما صلى قبل أن يصلي خطب خطبة طويلة، علَّم الناس فيها أحكامَهم وعلَّمهم الشرائع، وبين لهم كثيرا من الأحكام، فلأجل ذلك يسن أن يخطب إمامهم -للمسلمين-، وأن يعلمهم الأحكام التي تتعلق بالمناسك، وكذلك التي تتعلق بالأوامر والنواهي مما قد يخفى عليهم، فإنه -عليه الصلاة والسلام- وضع ربا الجاهلية، قال: « كل ربا في الجاهلية هو موضوع »(7) يعني: ساقط ووضع دماء الجاهلية في خطبته، وكذلك حثهم على الكثير من الأحكام، وعلمهم الحلال والحرام

فهكذا تكون الخطبة في ذلك، ثم بعد ذلك وقف على بعيره -على ناقته القصواء-، واستمر واقفا عليها حتى غربت الشمس، وهو رافعا يديه يدعو الله -تعالى-، وكان وقوفه شرق الجبل الذي يقال له: جبل الرحمة، عند الصخرات الكبار، وقال: « وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف »(8) وأرسل إلى بعض الصحابة الذين كانوا بمكان بعيد، وقال لهم: « الزموا أماكنكم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم »(9) فأقرهم على أماكنهم، رغم أنهم بعيدون من جبل الرحمة، وذلك من بعض التسهيل عليهم حتى لا يزدحموا في أماكنهم، يضايق بعضهم بعضا .

يوم عرفة تعرفون أنه أفضل الأيام؛ يجتمع فيه الحجاج بعرفة، وكلهم في حالة واحدة، وكلهم قد ارتدوا هذه الأكسية التي هي أكسية الإحرام، قد كشف الرجال رءوسهم، وقد لبسوا هذا اللباس الموحد الذي هو أشبه بلباس الموتى، الذي هو إزار ورداء، وكذلك -أيضا- قد اتحدوا على هذا اللباس؛ ليس هناك فرق بين الغني والفقير، وبين الصغير والكبير، وبين الشريف والوضيع، ولا بين الأحمر والأسود والأبيض ونحوهم، بل كلهم على حالة واحدة وكلهم في موقف واحد. الحكمة في ذلك، أن يشعروا بأنهم سواسية، أي: يجمعهم الإسلام يجمعهم دين واحد، يعبدون ربًّا واحدا.

وكذلك -أيضا- يقصدون مقصدا واحدا، وهو ثواب الله -تعالى- ورضاه، وجنته، والسلامة والنجاة من عذابه، فلا جرم أمروا بأن يكثروا من الأدعية التي تتيسر لهم، وليس شرطا أن تكون مأثورة ومنقولة، بل يدعون بما أحبوا. معلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استمر يدعو رافعا يديه، استمر في الدعاء، يعني: من حوالي الساعة الواحدة، أو قريب منها إلى الساعة السادسة والنصف، أو السابعة، وهو يدعو، يعني: ست ساعات، أو نحوها.

لا بد أنه يدعو هل نقل لنا دعاؤه كله في الست ساعات؟ ما نقل لنا مما دل على أنه أباح لكل منهم أن يدعو لنفسه، وأن يدعو بما تيسر له. في هذه الحالة، يدعو الله -تعالى-، ويسأله خيري الدنيا والآخرة، وكذلك يكثر من التلبية، أي: يكرر التلبية، حين بعد حين، وكذلك يكثر من التكبير المأثور: « الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله »(10) إلى آخره.

وهكذا -أيضا- يتلو الآيات التي فيها تمجيد الله -تعالى- والثناء عليه، وذكر صفاته، مثل: آخر سورة الحشر، وأول سورة الحديد، وكذلك آيه الكرسي، وآيتان من آخر سورة البقرة، ونحو ذلك، ويكثر من الأدعية المأثورة التي في القرآن، يرددها، ويكثر منها، ويكثر -أيضا- مما يحفظه من الأدعية المأثورة التي في السنة.

كذلك -أيضا- يرفع يديه، ذلك لأن رفع اليدين سبب من أسباب إجابة الدعاء كما في حديث سلمان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا »(11) يعني: خاليتين، وثبت في حديث أنه -صلى الله عليه وسلم- « كان رافعا يديه يدعو، وخطام الناقة في يده اليمنى، فسقط منه الخطام »(12) يقول الراوي: « فرأيته رافعا يده اليسرى وقد مد يده اليمنى، ليتناول الخطام »(13) مما يدل على أنه استمر في رفع يديه، أي: طوال ذلك الوقوف رافعا يديه، وقد عرفنا أنه من أسباب إجابة الدعاء.

كذلك -أيضا- يكثر من التلبية؛ لأنها شعار الحج، ويكثر من التكبير، وما أشبه ذلك.

في هذه الأزمنة قد لا يتيسر لهم ركوب الدواب، وقد فاتنا أن نحج على الرواحل، ولكن حدثنا آباؤنا الذين كانوا يحجون على الإبل أن الإبل يصفونها في ذلك المكان، وأنهم من شدة طول مقامهم يدعون، ويبكون في دعائهم، وأن الإبل في -يعني- من الله -تعالى- أنها يسيل من أعينها الدموع، أي: تدمع في ذلك الموقف، يشاهدون ذلك؛ إما أن الله -تعالى- ألقى عليها الهيبة والخشوع، وإما أن هذا سبب من الأسباب.

 

في هذا الموقف الذي هو يوم عرفة ينبغي للحجاج أن يظهروا حاجتهم، وفاقتهم، وفقرهم إلى الله -تعالى-، ويظهروا الخشوع، والاستكانة، والاستضعاف بين يدي ربهم؛ رجاء أن يقبل منهم.

ورد في الحديث: « أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي -عشية عرفة-: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير »(14) لما روى بعض الصحابة هذا الحديث، سأله أحد تلامذته، فقال: هذا ليس بدعة، هذا ثناء على الله فكيف قال: أفضل الدعاء: دعاء عرفة؟ فأجابه: بأن الثناء يقوم مقام الدعاء، واستدل بقول الشاعر يمدح ابن جدعان:

أأذكر حاجتي أم قد كفاني *** جـزاؤك إن شـيمتك الفداء

إذا أثنى عليك المـرء يوما *** كفـاه مـن تعرفــه الثناء

كأنهم يستحبون أن يأتوا بهذا الدعاء، أو بهذا الشعر؛ لأن فيه استضعافا لله -تعالى- ولو كان الشاعر وجهه إلى آدمي، فأنت إذا قلت: يا ربِّ لا حاجة إلى أن أذكر حاجتي، وأنت أعلم بما أحتاج، وبما أطلب فأعطني حاجتي من غير سؤال، أثني عليك، وأذكرك، وأمدحك بما أنت أهله، فيكفني أن أمدحك، وأثني عليك، ويكفي ذلك لإعطائي حاجاتي، وفي قضاء حوائجي التي أنا بحاجة إليها في دنياي، وفي أخراي.

ويسمع -أيضا- كثيرا منهم ينشدون أبياتا -أيضا- بها شيء من التذلل والاستضعاف؛ مثل قول بعضهم:

يا من يرى مـد البعوض جناحه *** في ظلمـة الليل البهيم الأليلي

ويرى مناط عروقها فـي نحرها *** والمخ فـي تلـك العظام النحلي

امنن علي بتـوبة تمحـو بها ما *** قـد مضـى لي في الزمان الأولي

وهكذا لا شك أن هذا موطن الدعاء، وأنه الذي يباهي به الله -تعالى- بهم ملائكته، وورد في الحديث أن الله -تعالى- يقول: « يا ملائكتي: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا، ضاحين+ من كل فج عميق، يدعونني، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، أشهدكم أني غفرت لهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، فانصرفوا مغفورا لكم »(15) أو كما ورد فوصفوا بأنهم شعثا غبرا.

أي: أنهم من طول عهدهم بالتنعم والترفه سارت رءوسهم منتفشة، وسارت وجوههم مغبرة، وساروا شاعثين، فكان ذلك أقرب إلى انكسار قلوبهم، وإلى رغبتهم في فضل ربهم -سبحانه وتعالى-.

استدرك هنا؛ لأنه مما يغلط فيه كثير من الناس، نشاهد أن الكثير في يوم عرفة، كأنهم في بلادهم يخوضون، ويتكلمون فيما بينهم، ويضحكون، وليس لهم إلا أنهم عهدوا إلا أن هذا الموقف كأنه سائر المواقف، ولا شك أن هذا خطأ، وأن الواجب عليهم أن يجعلوه يوم عبادة، لا يوم عادة ولا يوم ضحك، ولا يوم خوض في الشيء الذي لا أهمية له، ولا فائدة فيه، بل من حين يصلوا الظهر إلى أن تغرب الشمس يشتغل كل فرد بنفسه، يدعو بما تيسر من الأدعية، يدعو بما يحفظه وما كان لديه.

وكتب الأدعية متوفرة والحمد لله، يعني: الكتب التي بها أذكار مثل: الكلم الطيب لابن تيمية، والوابل الصيب -أيضا- لابن القيم، والأذكار للنووي وغيرها من الكتب التي تذكر بها الأدعية العامة والخاصة، ومثلها -أيضا- كتب متأخرة؛ وأفضلها كتاب الأذكار، الذكر الذي جمعه واختاره الملك عبد العزيز، ويسمى: "الورد المصفى المختار" يدعو منه بما تيسر.

وقت الوقوف بعرفة من فجر يوم عرفة إلى فجر النحر، إلى فجر يوم النحر، معني هذا: أن من جاء ووقف في أول النهار بعد طلوع الفجر صدق عليه أنه وقف بعرفة، ودليل هذا في حديث عروة بن مفرج قوله: « وقد وقف قبل ذلك بعرفة ساعة من ليل، أو نهار »(16) هكذا ذكر ساعة من ليل، أو نهار كلمة، أو نهار تعم النهار كله، أي: من طلوع الشمس إلى غروبها، وكذلك قوله: من ليل، الليل تعم ليلة عيد النحر كلها؛ أي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فمن وقف في هذا كله، ولو ساعة فإنه يعتبر قد وقف بعرفة.

وقد بالغ العلماء في ذلك حتى قال بعضهم: لو مر بعرفة، وهو محرم، ولكنه غافل لم يشعر أنها عرفة فسار منها، حتى قطعها في ليلة النحر، أو في يوم عرفة صح أنه وقف بها، وحتى لو كأن نائما، أو كان غافلا، إذا كان قد عقد الإحرام.

وهناك قول ثان: أن وقت الوقوف من الزوال، يعني: بعد زوال الشمس يكون الوقوف هكذا، وهذا القول يستدلون عليه بأنه -صلى الله عليه وسلم- ما وقف إلا بعد الزوال، بعدما صلى الصلاتين، وهذا القول هو الذي نصره كثير من المتأخرين، وقالوا: إن من وقف بعرفة في أول النهار لا يعتد بوقوفه؛ لأنه خرج منها قبل أن تزول الشمس، فلا يعتد بوقوفه، ولا يكون كأنه وقف فيها، ولا يكون قد تم حجه.

ولكن لعل القول الأول هو الأولى، يعني: أن يوم عرفة كلها من طلوع الفجر، أو من طلوع الشمس -يوم عرفة- إلى طلوع فجر يوم النحر، أن الجميع كله وقت للوقوف لما ذكرنا من حديث عروة بن مضرس وغيره، ثم بعد ذلك يدفعون بعد الغروب إلى مزدلفة.

ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- والحجاج معه لما غربت الشمس توجهوا إلى مزدلفة، وكان يقول لهم: « أيها الناس: السكينة، السكينة »(17) وكانوا يسرعون، فيحصل منهم مضايقات في بعض الأماكن الضيقة، وكان -صلى الله عليه وسلم- يسير على ناقته، يسير عليها، وقد أخذ بزمامها شنكلها+، فكان كذلك، إلا إذا أتى حبلا من الحبال المرتفعة، أرخى لها، وكان -كما قالوا- يسير العنق، أي قدر العنق، فإذا وجد فجة متسعة نص، يعني: أسرع.

كان المسافة بين عرفة ومزدلفة تستغرق بسير الأقدام، أو بسير الإبل ساعتين مع السير المتوسط، أو ساعتين ونصف، فكانوا يسيرون سيرا سريعا، أو سيرا متوسطا، فلما وصلوا كان قد دخل وقت العشاء، يعني: وصلوا بعد ساعتين من غروب الشمس، أو بعد ساعتين ونصف، فجمعوا بين العشاءين جمع تأخير.

ولعل السبب أنهم كانوا قد طال وقوفهم، وأحبوا المبيت لطول الوقوف، ولمشقة السير، يعني: أنهم على رواحلهم -مثلا- من الساعة الواحدة بعد الظهر، حتى الساعة التاسعة من الليل، ولا شك أن هذا زمن طويل، يعني: ثماني ساعات، شقوا على أنفسهم، فلما وصلوا إلى مزدلفة أناخوا رواحلهم، وحطوا رحالهم، ثم صلوا العشاءين وأراحوا أنفسهم.

في هذا الأزمنة يحصل -أيضا- اختلاف عن ما كانوا عليه في الزمان القديم، الواقع أن بعض الناس يسيرون سيرا سريعا من عرفة، ففي أربع دقائق، أو خمس دقائق يصلون إلى مزدلفة، فكيف يصلون؟

نقول: يصلون جمع تقديم، ولا يلزمهم أن يؤخروا إلى وقت العشاء؛ لأنه ورد أنهم يصلون ساعة ما يصلون، وآخرون بضد ذلك من شدة الزحام لا يصلون إلا نصف الليل، أو ثلث الليل، أو آخر الليل، يصلون -أيضا- إذا وصلوا، ويمكن أن هناك بعض قد يخشون طلوع الفجر ما وصلوا، فهؤلاء يصلون في الطريق.

ومن المشايخ من يقول: يصلون في الطريق إذا خشوا أن يفوت وقت الاختيار، يعني: إذا مضي نصف الليل، وهم ما وصلوا فيصلون في الطريق، كيف يصلون والسيارات مزدحمة أمامهم وخلفهم، وعن الجانبين؟ كيف يصلون؟ المشاهد أنهم قد يقفون في الموقف الواحد نصف ساعة، أو ثلث ساعة ما يتحركوا، والمشاهد -أيضا- أنهم لا يقطعون مسافة أنهم -مثلا- في النصف الساعة يقطعون مسافة عشرة أمتار، أو نحوها فإذا وقفوا في هذه الوقفة، نزلوا ذكورا وإناثا، والأرض واسعة، وصلّوا فيها حتى لا تفوتهم الصلاة، حتى لا يؤخروها عن وقتها.

القائد إذا رجعوا نزل وقاد السيارة واحد غيره إلى أن يصلي مع من بقي، هذا هو الذي أفتي به مشايخنا، والحاصل أنهم إذا أملوا أن يصلوا قبل نصف الليل، أو بعد نصف الليل بقليل أخروا الصلاة ممكن إلى ثلثي الليل، أخروها إلى أن يصلوا، وإلا صلوها بالطريق، حتى لا يفوت وقتها.

ثم المبيت بمزدلفة؛ المبيت بمزدلفة واجب من الواجبات كما سيأتي، وذهب بعضهم إلى أنه ركن واستدلوا بقول الله -تعالى-: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (1) والمشعر الحرام هو مزدلفة.

هذا الأمر يدل على الوجوب: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ (1) عنده، يعني: فيه، والأكثرون على أنه من الواجبات التي إذا تركها جبر بدم، الآن يبقى أن كثيرا يفوتهم الوقوف بمزدلفة، أو المبيت بمنى، المبيت بها؛ لأجل الزحام يتوجهون من عرفة، ولشدة الزحام قد لا يصلون إلى مزدلفة إلا بعد الصباح. فهل عليهم دم والحال هذا؟ نرى أنه لا دم عليهم، وذلك لأنهم بذلوا وسعهم وتوجهوا كما يتوجه غيرهم، ولم يستطيعوا أكثر مما حصل، لكن إن كان بعضهم أقوياء يستطيعون مواصلة السير إذا رأوا أن السير يتأخر بهم، فاستطاعوا أن يواصلوا السير بأقدامهم مسيرة ساعة، أو ساعة ونصف حتى يصلوا إلى مزدلفة، فهو أفضل، والعجزة والنساء ونحوهم يكونوا يسقط عنهم بقدر ما بذلوه من الجهد.

في مزدلفة يقع خطأ من كثير الذين يتعجلون أن كثيرا منهم يجلسون فيها ساعة، أو نصف ساعة، ثم يسيرون إلى منى، وهذا خطأ، وكثير من الناس إذا كان معهم نساء؛ نصفهم، أو ثلثهم نساء ادّعوا أن لهم عذر، فتوجهوا إلى منى، وتركوا المبيت؛ يبيتون يجلسون ساعة، أو ساعة ونصف، ثم يتوجهون إلى منى، لا شك أنه قد وردت الرخصة للظعن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص لأم سلمة، ولسودة أن تفيضا، أن تنشرا في آخر الليل، حتى لأنها ثبطة+، وتخشى من حضرة+ الناس. هذه الرخصة خاصة بمن هذه حالته، أما بقية الصحابة، وبقية أمهات المؤمنين فإنهم بقوا.

كذلك -أيضا- رخص لبعض الشباب أن يذهبوا مع بعض النساء، ومنهم ابن عباس -رضي الله عنه- يقول: إنه من جملة الذين أذن لهم أن ينشروا آخر الليل، ولكنه جعل يضرب أفخاذهم، ويقول: « أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس »(18) فدل على أنه رخص لمثل لهؤلاء، فلا تكون الرخصة عامة للناس كلهم.

فيتنبه إلى أن الأصل المبيت بمزدلفة إلى الصباح، كما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه، إذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام؛ المشعر: هو الجبل الصغير الذي عنده المسجد، ولكن تسمى مزدلفة كلها بالمشعر الحرام، يرقاه، ويقف عنده، ويحمد الله، ويكبر، ويذكر، ويقرأ قول الله -تعالى-: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ (1) الآية، ويكثر من الدعاء حتى يسفر، وإذا لم تيسير لبعد الموقف -المكان-، فإن مزدلفة كلها موقف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: « وقفت هاهنا، وجمع كلها موقف »(19) جمع: هي مزدلفة، يعني: أن كلا منهم وقفوا في أماكنهم، فيصلون في أماكنهم، ويدعون الله -تعالى- حتى يسفروا، إن كان المشركون يقفون بمزدلفة إلى أن تشرق الشمس على غدير؛ الجبل الذي يقع شرق شمال المزدلفة، الجبل المرتفع، فيقولون: أشرق غدير كيما نقير+، فخالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأفاض من مزدلفة قبل أن تشرق الشمس، أي: بعدما أسفر جده.

ثم بعدما يتوجه من مزدلفة يسير -أيضا- كما يسير من عرفة إلى مزدلفة سيرا معتادا، إن كان في هذه الأزمنة الناس يسيرون على السيارات، والسير على السيارات يختلف عن السير على الرواحل، إذا وصلوا إلى وادي مُحَسِّر أسرعوا رمي حجر؛ وادي مُحَسِّر: حاجز فاصل بين منى ومزدلفة، وليس هو من المشاعر، قالوا: إنه قدر رمية حجر، يمكن أن يكون هنا مثل عشرة أمتار، والآن كان حدوده، ولكنه جعلوه أربعين مترا من بعض الاحتياط، وأنه هو قدر رمية حجر، يعني: هو ما يأخذ الإنسان حجرا ويرميه. العادة أنه إذا رمى به يمتد نحو عشرة أمتار، أو خمسة عشر مترا، فهم من باب الاحتياط جعلوا له حدودا من جهتيه.

النبي -عليه الصلاة والسلام- أسرع في، يعني: كأنه أسرع السير براحلته، وذلك لأنه هو الوادي الذي تعثر فيه فيل أصحاب الفيل، والذي نزل فيه عليهم الطير الأبابيل، تحمل حجارة من سجيل، يعني: أن هذا الوادي قد نزل فيه هذا العذاب، ولكن مع ذلك الناس في هذه الأزمنة لشدة الزحام يسكنون فيه، ويكون مستقرا لكثير لعدم ما يجدونه من المساكن، فيعذرون بذلك، وأيضا لا يتيسر الإسراع فيه، وذلك لشدة الازدحام، لا إسراع السيارة، ولا إسراع الراجلين.

قوله: "أحد حصى الجمار سبعين؛ أكبر من الحمص، ودون البندق" حصى الجمار يأخذ من أي مكان، ولكن كثيرا منهم ينصون على أنه يأخذ من مزدلفة، كانوا يأخذون من مزدلفة سبعين حصى؛ سبع ليوم العيد، وثلاثة الأيام التي بعدها؛ لكل يوم إحدى وعشرون، والصحيح أنه يؤخذ من كل مكان.

النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أخذ من مزدلفة إلا سبع؛ قال للفضل بن عباس: « ناولني سبع حصيات. يقول: فناولته حصيات مثل حصى الخزف، أو هن حصى الخزف. فقال: بمثل هذا فارموا عباد الله، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين »(20) وحصى الخزف هي الحصاة التي يجعلها بين إصبعيه، ثم يقذف بها، يعني: يرمي بها صيدا، أو نحو ذلك يعني: عصفورا، أو نحوه، وهو الذي يرى النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخازف، وقال: « إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تفقأ العين، وتكسر السن »(21) .

فحصى الخزف: الحصيات التي قدر يمكن أنها قدر نواة التمر، أو أصغر، أو قدر حبة الفول، أو قريبا منها الحمص هذا المعروف الذي يأكل يسمى الحمص، ويسمى القريض، والبندق، يعني: نبت -أيضا- أكبر منه، يعني: نبت شيء من الشجر في جوفه، عليه قشرة البندق، فيكون هذا مقدار الحصى الذي يرمى به.

نكمله بعد الصلاة -إن شاء الله- والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على أشرف المرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إذا وصل إلى منى فإن تحيتها الرمي؛ هكذا يقول العلماء: تحية منى رمي جمرة العقبة، يرميها بسبع حصيات -كما هو معروف-، ويقتصر على رمي جمرة العقبة، فلا يرمي غيرها.

الرمي سنَّة إبراهيمية، قيل: إنه من سنة إبراهيم، أو إسماعيل؛ سببه كما ذكر في حديث في مسند أحمد: أن الشيطان اعترض لإبراهيم عند الجمرة الكبرى، لما أراد أن يذبح ولده، فرجمه، ثم اعترض لإسماعيل عند الجمرة الوسطى، فرجمه، ثم اعترض لهاجر -أم إسماعيل- عند الجمرة الصغرى، فرجمته هكذا ورد في ذلك الحديث.

ورجمنا لهذه الحجارة المنصوبة ليس هو رجم للشيطان -كما يقول، ويعتقده بعض العامة-، وإنما هو تذكر لعداوة الشيطان إذا عرفنا عداوته لأبينا آدم، ثم لأبينا إبراهيم، فإننا نأخذ حذرنا من إغوائه، ومن طواعيته، ومع ذلك فإن شرعية هذا الرمي لأجل الذكر لإقامة ذكر الله؛ هكذا ورد في حديث عن عائشة قالت: « إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله »(22) .

ولأجل ذلك يكبر مع كل حصاة من كل الرمي في يوم العيد في الأيام بعده؛ كلما رمى حصاة كبر بقوله: الله أكبر، وقيل: إنه يسمي، أي: بسم الله، الله أكبر، وبعضهم يقول: غضبا للشيطان، أو نعوذ بالله من الشيطان، وما أشبه ذلك، ولكن التكبير هو الذي ورد.

ذكروا أنه يرفع يديه، يرفع يمناه حتى يرى بياض إبطه؛ لأنه لم يزل محرم فيرفع يده من تحت الرداء، فإذا ارتفعت ارتفع الرداء، فيرى بياض إبطه من شدة رفعه، بعدما يرمي جمرة العقبة، إن كان معه هدي نحر هديه، أو إذا تيسر، وعليه فدية نحر فديته، أو ذبحها.

بعد ذلك يحلق، أو يقصر؛ والحلق، أو التقصير يعتبر نسكا، عبادة من العبادات، وطاعة، وقربا، وليس هو عادة، فلا بد أن يحلق رأسه، وهو أفضل، أو يقصر منه، وإذا اقتصر على التقصير فلا بد أن يدور على رأسه، ويأخذ منه كله، وإن لم يكن من كل شعره.

المرأة تقصر من كل ضفيرة قدر أنملة؛ كان النساء يجعلن رءوسهن ضفائر، يعني: جدائل وقرون، قد يكون رأسها -مثلا- ثلاثة قرون، أو خمسة، أو ستة، أي: قد تجعله عدة قرون، فتمسك كل قرن، وتأخذ منه قدر أنملة، أي: قدر فصلة من فصال الإصبع، فيكون هذا هو التقصير في حقها، وليس على النساء حلق، وإنما عليهن التقصير، وأما الرجل فإن الحلق أفضل؛ ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- دعا للمحلقين ثلاث مرات، والمقصرين واحدة.

إذا رمى جمرة العقبة وحلق، أو قصر حل له كل شيء إلا النساء، ويسمى هذا: التحلل الأول، التحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاث في يوم العيد؛ يفعل أربعة أشياء: الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، ما عدوا النحر من أسباب التحلل؛ لأنه ليس عاما، يعني: كثيرا من الناس ليس عليهم هدي، إنما عليهم -مثلا- إذا كانوا مفردين، أو كانوا قارنين، فليس عليهم هدي، فيكون عليهم الرمي، والحلق، والطواف.

لأجل ذلك هذه الثلاثة هي أسباب التحلل؛ إذا فعل اثنين منها بقي التحلل، التحلل الأول. إذا رمى وحلق هذه اثنين، بقي عليه الطواف، فإذا فعل الثلاث تحلل التحلل كله، كذلك لو بدأ بالطواف، ثم بالحلق، وبقي عليه الرمي، فقد حل التحلل الأول، كذلك لو رمى وطاف، ولم يحلق حل له كل شيء إلا النساء، فإذا فعل الثلاثة حل له كل شيء حتى النساء.

طواف الإفاضة: هو طواف الحج، يسمى: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وطواف الحج، يسن أن يكون في يوم العيد، فكما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أفاض في ذلك اليوم، لكن في هذه الأزمنة يحصل مشقة وصعوبة، فلا بأس بتأخيره، لو أخره إلى اليوم الحادي عشر ليلا، أو نهارا أجزأ ذلك، وكذلك لو أخره إلى ما بعد أيام التشريق أجزأه ذلك، فوقته واسع؛ من العلماء من حدد وقته إلى آخر الشهر، ومنهم من حدده إلى آخر أيام التشريق، والصحيح أنه يجوز تأخيره.

طواف الزيارة: معروف أنه ركن من أركان الحج -كما يأتي- إذا كان عليه سعي، فإنه يسعى؛ المتمتع لا شك أن عليه سعيان: سعي مع طواف العمرة، وسعي مع طواف الحج. وأما القارن والمفرد فليس عليهما إلا سعي واحد، فإن قدمه بعد طواف القدوم سقط عنه بعد طواف الزيارة، وإن لم يسع بعد طواف القدوم بقي عليه السعي، فيأتي به بعد طواف الزيارة، أي: طواف الإفاضة، ولا يصح إلا بعد طواف مشروع.

ويجوز الفصل بينهما فصلا يسيرا كنصف يوم؛ فلو -مثلا- طاف في أول النهار، طاف -مثلا- في الساعة السابعة صباحا، ولم يسع إلا في الساعة الثانية عشر، أو الثالثة عصرا، أجزأه ذلك، وأما إذا أخره إلى الليل، فالمشهور أنه يعيد الطواف، حتى يكونا متوالين، وهل يجوز تقديم السعي على الطواف؟

أجاز ذلك بعض المشائخ، والجمهور على أنه لا يجوز، وكان مشائخنا الأولون يشددون، ويقولون: لا يجوز تقديم السعي على الطواف؛ اقتداء بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه طاف، ثم سعى.

بعد ذلك يسن أن يشرب من زمزم لما أحب، ويتضلع منه، ويدعو بما ورد، يعني: ماء زمزم، يعني: البئر القديمة التي نبعت على عهد أم إسماعيل، ورد أن: « ماء زمزم لما شرب له »(23) يعني: إذا شربه المسلم ونوى به شفاءً، أو علما، أو رزقا، أو نحو ذلك فإن الله -تعالى- يعطيه ما رواه.

مما ورد الأدعية، كأن يقول: اللهم اجعله لنا علما نافعا، ورزقا واسعا، وريا، وشبعا، وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك وحكمتك، أو ما أشبه ذلك. إذا دعا بهذا، أو دعا بغيره.

بعد ذلك يرجع إلى منى يبيت بها ثلاث ليال، يعني: ثلاثة أيام: اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، يبيت ليلة مساء يوم العيد، ثم ليلتين بعده هذا لمن لم يتعجل، فمن تعجل فأنه يبيت فيها ليلتين، ويقيم فيها يومين بعد يوم العيد.

في أيام منى ذكر في الحديث: « أيام منى أيام أكل، وشرب، وذكر لله -عز وجل- »(24) منعوا من صيامها إلا لمن لم يجد الهدي -كما تقدم-. في أيام منى -أيضا- يكثر الحجاج من الذكر، ومن التكبير؛ فيكبرون بعد كل صلاة التكبير المقيد، وكان -أيضا- بعض الصحابة، ومنهم عمر -رضي الله عنهم- يكبرون فيها تكبيرا مطلقا، فإذا كان في خيمته يرفعون صوتهم بالتكبير، حتى ترتج منى تكبيرا.

من الأعمال التي تعمل في منى -في أيامها-: الرمي؛ رمي الجمرات الثلاث، وقته بعد الزوال، ويسن قبل الصلاة، قبل صلاة الظهر، وبعد الزوال، وإن شك أخره إلى قرب الغروب. هذا الرمي واجب -كما سيأتي- من الواجبات في هذه الأيام؛ يرمي كل جمرة بسبع حصوات؛ يبدأ بالصغرى التي تلي مسجد الخير، ويشهد فيها بعض الجمرات من مكة، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة.

يقول: "الرمي وقته من الزوال إلى غروب الشمس" هذا هو المجمع عليه، واختلفوا في الرمي ليلا؛ أجاز ذلك بعض العلماء المتأخرين، فأجازوا أن يرمي يوم العيد، إذا لم يتمكن بالنهار أن يرميه في الليل، ولو إلى آخر الليل، وفي اليوم الحادي عشر أن يرمي، ولو في أخر الليل، وأما في اليوم الثاني عشر، فإن كان سوف يتعجل، فإنه يرمي قبل غروب الشمس، ويخرج قبل غروب الشمس حتى لا يلزمه المبيت، وإن كان لا يتعجل فله أن يؤخر الرمي إلى الليل، وله أن يرميه طوال الليل.

وأما اليوم الثالث عشر فلا يجوز تأخيره إلى ما بعد الغروب، بل يرميه قبل أن تغرب الشمس؛ لأن أيام التشريق تنتهي بغروب شمس اليوم الثالث عشر، وبها ينتهي أعمال الحج.

من تعجل في يومين خرج قبل الغروب؛ قبل غروب الشمس في اليوم الثاني عشر، فإن غربت عليه الشمس بعد أن ركب الطريق فله أن يواصل خروجه.

مثاله: مثلا لو حمل الراحل رحله، وفيه خيمته على سيارته، ثم سار، ولشدة الزحام غربت الشمس، وهو لم يخرج من منى نقول له: اخرج. أما إذا غربت عليه الشمس، ورحله لا يزال في الأرض، فإنما نقول له: بت هذه الليلة، وارم الجمرة في اليوم الثالث عشر، فإنك ما تعجلت في يومين، بل أدركتك ليلة الثالث عشر .

بعد آخر ما يعمله: طواف الوداع من الواجبات، يفعله بعدما ينتهي من رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر، أو اليوم الثالث عشر، أو متى عزم على الخروج. أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، ولو أخّر طواف الزيارة، وطافه عند الخروج بالنية، كفاه عن طواف الوادع حيث صدق عليه أنه آخر عهده بالبيت.

بعدما ينتهي من طواف الوداع إذا تيسر له وقف بالملتزم داعيا بما تيسر؛ الملتزم: هو ما بين الباب والركن، ما بين الحجر الأسود والركن والباب؛ روي أن فيه تستجاب الدعوة.

صفة التزامه: أن يضع يديه عليه، وإذا قدر وضع صدره، أو خده عليه، ثم يدعو بما ورد؛ مما ورد أنه يقول: « اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك، حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمُنّ الآن علَيَّ، فمنَّ علي، أي: هذا وقتك، وهذا وقت انصرافي، إن أذنت لي غير مستبدل بك سواك، فقبل أن تنأى عن بيتك داري، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأعطني طلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير »(13) ويصلي على النبي صلى الله عليه سلم.

ويأتي الحطيم الذي تحت الميزاب، فيدعو، ثم يشرب من ماء زمزم، ثم يخرج، عندما يخرج لا يلزمه أن يمشي القهقرى كما يفعل بعضهم، بل يمشي على حالته. الحائض لا تدخل البيت، ولكن تقف بالباب، وتدعو بما تيسر. الحائض والنفساء ممنوعة من دخول المسجد، تدعو بما تيسر.

أما زيارة المدينة فأكثر الفقهاء يقولون: الزيارة لقبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبري صاحبيه، لكن الصحيح أن الزيارة للمسجد، أن ينوى بزيارة المدينة مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذلك لأنه الذي تضاعف فيه الصلوات؛ فالصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه، فإذا سار إلى المدينة فلا ينوي زيارة القبر، بل ينوي زيارة المسجد.

الأحاديث التي وردت في زيارة القبر ضعيفة، أو موضوعة، ما ثبت شيء منها، وقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى »(25) يعني: لا تشد إلى بقعة، رجاء فضيلتها.

فإذا جاء إلى المسجد بدأ، فصلى فيه تحيته، ثم -بعد ذلك- يزور القبر، ويسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى صاحبيه، وكذلك يزور قبور البقيع، وقبور الشهداء، ويسن -أيضا- أن يصلي في مسجد قباء؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي فيه، وأما بقية المزارات فلا أصل لها. هذا آخر ما يتعلق بالحج.

أما العمرة؛ صفة العمرة: أنه يحرم بها؛ إمَّا من الميقات كالذي يأتي من الأفاق، وإما من أدنى الحِلِّ، إذا كان من أهل مكة، يخرج إلى أدنى الحل، ثم يطوف ويسعى، ويقصر، وتنتهي عمرته، وأما ما روي أن إتمامها يحرم بها من زيارة أهله إن كان دون الميقات، فهذا خاص بمن هم دون المواقيت، أما الذين في المواقيت فيحرمون بها الميقات.

هذه صفة العمرة، وهذه صفة الحج، وفي الليلة الآتية -إن شاء الله- نكمل ما يتعلق به. والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

س: بسم الله, أحسن الله إليكم، ونفعنا الله بعلمكم. وهذا السائل يقول: إن أبي لم يستطيع الحج في شبابه؛ لقلة المال لديه، فلما كبر سنه، ما استطاع، ثم مات، ولم يحج، ولم يحج عنه أبناؤه، فهل عليه شيء، أو على أبنائه إثم، علما بأن أمي كذلك. وجزاكم الله خيرا ؟

ج: إذا قدر أحد أولاده، أو قدرت أنت فحج عن أبيك، ومعذور -أولا- للفقر، ثم -ثانيا- للكبر، كان عليه بعدما قدر أن يوكل من يحج عنه، ولكن حيث إنه لم تيسر له، فلعل أولاده أن يحجوا عنه، أو يوكلوا من يحج عنه.

س: أحسن الله إليكم. رجل يقول: رجلا يعمل ببلاد الغربة، فمات، وكان يضع أمواله بأحد البنوك، فوكل أهل الميت أحد أصدقائه بالإشراف على أمواله، فأخذ يرسل لهم ما يطلبون من غير تقسيم للتركة؛ فيرسل للأم وللأبناء الصغار، أما الكبار فهم يعملون، ولا يرسل لهم، علما بأنهم لم يقسموا التركة الباقية، فهم يسكنون ويعيشون مع بعضهم البعض في منزل واحد، وطعامهم واحد والسؤال هو: هل عليه إثم في عدم تقسيم التركة؟ وهل بقي هذا المال عشر سنوات ولم يزك، فهل ذلك شيء ؟

ج: لا بد أن يؤخذ رضى الأخوة الكبار الذين يعملون، حيث إن لهم حقا في هذا التركة بعد موت مورثهم، فإذا سمحوا فيما أنفقه إخوتهم الصغار وأمهم، إذا سمحوا بذلك سقط حقهم، ونشير عليهم بأن يقتسموها من الآن إذا أرادوا أن يُعرف جميع الحقوق، حتى يعرف حق القاصرين -مثلا- وحق الباقين الذين مع أمهم، وحتى ينفق عليهم مما يخصهم.

أما الزكاة فلا تسقط إذا كان المال موفرا، ولكن ينظر نصيب كل واحد منهم؛ إذا بلغ نصيب كل واحد منهم النصاب فعليه الزكاة، فإن كان نصيب كل واحد أقل من النصاب، فلا زكاه عليهم، ولو كان مجموعه يبلغ النصاب.

س: أحسن الله إليكم. وهذه السائلة تقول: أنا امرأة متزوجة من ثلاثة عشر عاما، وعندي أربعة أولاد، وملتزمة ولله الحمد، وزوجي شارب للخمر، تارك للصلاة، من سبع سنين لم يشهد صلاة الفجر، ونصحته مرارا وتكرارا إلا أنه أصر على ما يفعله، والآن أنا طالبة منه الطلاق؛ لأني سأحس بالراحة إذا طلقني، فما رأى فضيلتكم في هذا. وجزاكم الله خيرا ؟

ج: لا يجوز البقاء معه إذا كان لا يصلي؛ لأن تارك الصلاة والإصرار على تركها، وعدم تقبل النصيحة يعتبر كفرا، كما أفتى في ذلك المشايخ، فلا بد أن تطلب منه أن يخلي سبيلها، وتحرص على أن يكون الأولاد معها، حتى لا يتربوا عنده، فيأخذوا مأخذه.

س: أحسن الله إليكم. وهذا يقول: أنا شاب فلسطيني؛ انتهيت من الدراسة الثانوية، ولم أقبل في الجامعات السعودية، فهل يجوز لي السفر إلى إحدى البلدان العربية المسلمة، مع ما يوجد هناك من الاختلاط داخل الجامعة وغيره، علما بأن الوالدان مصران على سفري، وأن البقاء بلا جامعة سيضر بي اقتصاديا، واجتماعيا. وجزاكم الله خيرا ؟

ج: لا بأس أن تطيع الأبوين إذا أصر على أنك تسافر، لو كان في البلاد الأخرى ما فيها من سفور، ومن اختلاط، ومن فتن فبإمكانك أن تغض بصرك، وأن تحفظ نفسك.

س: أحسن الله إليكم. وهذا سائل يقول: يشكل علي سؤال، هل كل ما فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حجه واجب، استدلا بقوله: « خذوا عني مناسككم »(2) وكذا الصلاة: « صلوا كما رأيتموني أصلي »(26) نفعنا الله بعلمكم ؟

ج: لا شك أن أفعاله في الحج، وفي الصلاة منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو سنة، و لا يلزم التقيد بكل فعل فعله، ويقال: إنه من الواجبات، وذلك لأنه أقر على إسقاط كثير منها، كما ذكرنا في حديث عروة بن مضرِّس، وغيره.

س: أحسن الله إليكم. رجل تطلب منه والدته دائما أن يحج بها، مع أنها قد حجت حجة الإسلام، ولكنها تريد الحج؛ رغبة في الأجر، وهو يرفض لما في الحج في هذه الأزمنة من الزحام الشديد ومشقة، خصوصا على النساء، فهل له ذلك، أم يجب عليه أن يطيعها. وجزاكم الله خيرا ؟

ج: لا يعتذر بهذا الزحام، فالزحام يمكنه أن يتحمله، ويتحين الأوقات التي يجد فيها فراغا للطواف بأمه -مثلا-، وبقية المشاعر ليس فيها زحام، ويطيع أمه، وله أجر -إن شاء الله-.

بسم الله الرحمن الرحيم, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قرأنا في صفة الحج، متى يحرم، المحلون متى يحرمون بالحج، وحكم المبيت بمنى ليلة عرفة، ومتى يدفعون إلى عرفة وبيان الموقف في عرفة، وكيف يصلون الظهرين، وبيان وقت الوقوف بعرفة، ومتى يدفع إلى المزدلفة، وكيف يكون الدفع، وكيف تُصَلى المغرب والعشاء هناك، والمراد بالمشعر الحرام، وماذا يفعل عنده، ومتى يدفع إلى منى، وماذا يفعل إذا بلغ محسرا، ومن أين يأخذ حصى الجمار، ومقدار الحصى، وكيف يرمي، وماذا يدعو به عند الرمي، وأعمال يوم النحر، وكيف يرتبها، ومقدار ما تأخذه المرأة من الشعر تقصيرا، وبيان التحلل الأول، ومتى يفيض إلى مكة وحكم الشرب من ماء زمزم والدعاء، وحكم المبيت بمنى ليالي منى، وكيف يرمي الجمرات، وكيف ينفر من تعجل في يومين.

وحكم من غربت عليه الشمس في اليوم الثاني عشر، قبل أن ينزل من منى وحكم طواف الوداع، وكذلك الوقوف بالملتزم، وما تفعل الحائض والنفساء التي سقط عنها طواف الوداع وحكم زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبر صاحبيه، وأن الزيارة تكون للمسجد لا للقبر، وأن السلام يكون بعد أداء تحية المسجد، وكذلك صفة العمرة، ومن أين يحرم بها إذا كان من أهل مكة، ومتى يتحلل من العمرة هذه الصفات، التي ذكروها في صفة الحج.

وقد أكثر العلماء قديما وحديثا من الكتابة حول مناسك الحج، وبينوا ماذا يفعل الحاج في هذه المشاعر، ولا شك أن فيها شيئا من الاختلاف بين العلماء، ولكن لكل اجتهاده، وأصح الأقوال ما وافق الدليل، والأدلة واضحة والسنة محفوظة قولا وفعلا، والاختلافات التي وقعت بين الصحابة، ومن بعدهم مجال للاجتهاد، فمن الاختلافات الاختلاف في أي الأنساك أفضل.

فالإمام أحمد يختار أن أفضل الأنساك التمتع؛ لأنه آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم.

والإمام مالك يختار القران، والشافعي يختار الإفراد، وفي رواية عنه القران وسبب ذلك أن الصحابة -رضي الله عنهم- اختلفوا فابن عباس يرى التمتع، ويلزم به حتى إنه يقول: من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، فقد حل شاء أم أبى. فهو يوجب هذا التمتع.

ويسمى هذا -أيضا- الفسخ، فسخ الحج إلى العمرة، واختلفوا -أيضا- في حكمه، هل يجوز إذا أحرم بحج أن يفسخه، ويجعله عمرة، ففي ذلك خلاف، خلاف كبير وسبب ذلك أنه ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن سبعة عشر صحابيا. .أنه أمرهم بالتحلل، وقد كانوا مفردين حيث لم يكن معهم هدي، وامتنع الذين معهم هدي أن يتحللوا؛ فلذلك رجح بعض من العلماء الفسخ بل يكاد بعضهم أن يلزم به.

منهم ابن القيم في زاد المعاد، لما ساق الأحاديث التي في الأمر بالفسخ يقول: ليس لأحد عذر في تركها، فإنها صريحة في الأمر بالفسخ، ومع ذلك، فالمسألة محتملة للأقوال؛ وذلك لأن أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان كانوا يلزمون بالإفراد.

وكان عمر ينهى عن التمتع ويأمرهم بأن يعتمروا في سفرٍ مستقل، ولعل عذره خوفا من تعطل الحرم من الطائفين، وهكذا اعتذروا عنه، فهو لا يخفى عليه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الصحابة أن يتحللوا، ولكن مع ذلك يقول: إذا أمرناهم بالعمرة في هذا السفر سافروا سفرا واحدا، وقضوا فيه حجا وعمرة، واكتفوا بهذا السفر عن سفرٍ آخر للعمرة، وتعطل البيت بقية السنة، فإذا منعواْ، فإنهم يقتصرون على الحج في سفرتهم، ويأتي بعضهم في شهر صفر، وبعضهم للعمرة وبعضهم في شهر ربيع للعمرة، الذين لم يعتمروا، وبعضهم في جمادى وبعضهم في رجب، وبعضهم في رمضان، فتبقى المشاعر والبيت الحرام معمورا بالزوار هذا عذره، ولكن إذا ثبت الفعل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه مقدم على قول كل أحد.

فإن ابن عباس -رضي الله عنهما- يرى وجوب التمتع، أو يرى أن من أتى البيت، فطاف به وسعى فقد حل، ولو لم ينو التحلل.

فاحتجوا عليه بأن أبا بكر وعمر ينهون عن التمتع، ينهون عن العمرة مع الحج، فاشتهر عنه أنه قال: يوشك أن تنزل عليكم الحجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.

بمعنى أن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- مقدمة على قول كل أحد، وهناك -أيضا- خلافات أخرى في كثير من المناسك، ولكن إذا اتضح الدليل على المسلم يتبع الدليل مع أي كان، ولا يتأسى بمذهب من المذاهب، والآن نقرأ بقية كتاب الحج.


(1) سورة البقرة: 198
(2) النسائي : مناسك الحج (3062).
(3) الترمذي : الحج (889) , والنسائي : مناسك الحج (3044) , وأبو داود : المناسك (1949) , وابن ماجه : المناسك (3015) , وأحمد (4/335) , والدارمي : المناسك (1887).
(4) الترمذي : الحج (891) , والنسائي : مناسك الحج (3041) , وأبو داود : المناسك (1950) , وابن ماجه : المناسك (3016) , وأحمد (4/15) , والدارمي : المناسك (1888).
(5) مالك : الحج (884).
(6) أحمد (4/82).
(7) الترمذي : تفسير القرآن (3087) , وأبو داود : البيوع (3334) , وابن ماجه : المناسك (3055).
(8) مسلم : الحج (1218) , وأحمد (3/320).
(9) الترمذي : الحج (883) , وأبو داود : المناسك (1919) , وابن ماجه : المناسك (3011) , وأحمد (4/137).
(10) أحمد (2/5).
(11) الترمذي : الدعوات (3556) , وأبو داود : الصلاة (1488) , وابن ماجه : الدعاء (3865) , وأحمد (5/438).
(12) النسائي : مناسك الحج (3011).
(13)
(14) الترمذي : الدعوات (3585).
(15) أحمد (2/224).
(16) الترمذي : الحج (891) , والنسائي : مناسك الحج (3039) , وأبو داود : المناسك (1950) , وابن ماجه : المناسك (3016) , وأحمد (4/15) , والدارمي : المناسك (1888).
(17) مسلم : الحج (1218) , وأبو داود : المناسك (1905) , وابن ماجه : المناسك (3074) , والدارمي : المناسك (1850).
(18) الترمذي : الحج (893).
(19) مسلم : الحج (1218) , وأحمد (3/320).
(20) ابن ماجه : المناسك (3029).
(21) البخاري : الذبائح والصيد (5479) , ومسلم : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1954) , وابن ماجه : الصيد (3227) , وأحمد (5/56) , والدارمي : المقدمة (440).
(22) الترمذي : الحج (902) , وأبو داود : المناسك (1888) , وأحمد (6/75) , والدارمي : المناسك (1853).
(23) ابن ماجه : المناسك (3062) , وأحمد (3/357).
(24) مسلم : الصيام (1141) , وأحمد (5/75).
(25) البخاري : الجمعة (1189) , ومسلم : الحج (1397) , والنسائي : المساجد (700) , وأبو داود : المناسك (2033) , وابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1409) , وأحمد (2/234) , والدارمي : الصلاة (1421).
(26) البخاري : الأذان (631) , والدارمي : الصلاة (1253).