موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - حكم الهبة وألفاظها - شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 أقسام المياه
 فصل كل إناء طاهر
 جلد الميتة
 فصل في الاستنجاء والاستجمار
 فصل في السواك وتوابعه
 الوضوء
 فصل في فرائض وسنن الوضوء
 فصل في المسح على الخفين
 فصل في نواقض الوضوء
 الغسل
 فصل في موجبات وسنن الغسل
 التيمم
 فصل ما يصح به التيمم
 من شروط صحة التيمم طلب الماء
 نية التيمم
 تأخير التيمم رجاء وصول الماء
 عدم الماء والتراب أو لم يمكنه استعمالهما
 إزالة النجاسة
 الدهن المتنجس
 يسير الدم
 فصل في الحيض
 كتاب الصلاة
 وجوب الصلوات الخمس
 تأخير الصلاة
 تارك الصلاة جحودا
 فصل في الأذان والإقامة
 حكم الأذان والإقامة وكيفيتهما
 الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر
 فصل في شروط صحة الصلاة
 باب صفة الصلاة
 مكروهات الصلاة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في سجود السهو
 فصل في صلاة التطوع والقنوت
 الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
 فصل في صلاة الجماعة
 فصل في الإمامة وما يلحقها
 فصل في صلاة المريض
 فصل في صلاة القصر والجمع
 صلاة الخوف
 فصل في صلاة الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء
 كتاب الجنائز
 ما ينبغي للمسلم من لدن المرض إلى الوفاة
 فصل في غسل الميت
 تكفين الميت
 فصل في الصلاة على الميت ودفنه
 زيارة القبور والتعزية
 كتاب الزكاة
 ما تجب فيه الزكاة وشروطها
 نصاب الزكاة
 زكاة المكيل
 فصل في زكاة الذهب
 فصل في زكاة الفطر
 فصل في شروط إخراج الزكاة وأصنافها
 صدقة التطوع
 كتاب الصيام
 ما يثبت به شهر رمضان
 الأعذار المبيحة للفطر
 النية في الصيام
 المفطرات وأحكامها
 مكروهات الصوم
 سنن الصوم
 فصل ما يسن صومه من الأيام وما يحرم
 فصل في أحكام الاعتكاف ولواحقه
 كتاب الحج والعمرة
 شروط وجوب الحج والعمرة
 شروط حج المرأة
 موت القادر على الحج قبل أن يحج أو يعتمر
 سنن الإحرام
 أقسام الحج
 التلبية
 الإحرام قبل الميقات
 فصل في مواقيت الحج
 محظورات الإحرام
 إحرام المرأة
 فصــل في الفدية
 حرمة مكة والمدينة
 باب دخول مكة
 صفة الحج والعمرة
 فصل في أركان وواجبات الحج والعمرة
 الفوات والإحصار
 فصل في الأضحية
 العقيقة
 كتاب الجهاد
 حكم الجهاد وشرطه
 الغنيمة
 فصل في عقد الذمة
 كتاب البيع وسائر المعاملات
 شروط البيع
 أقسام الخيار
 ربا الفضل
 ربا النسيئة
 بيع الأصول وبيع الثمار
 السلم وشروطه
 أحكام القرض
 أحكام الرهن
 أحكام الضمان
 أحكام الحوالة
 الصلح
 أحكام الجوار
 أحكام الحجر
 الوكالة
 الشركة
 المساقاة والمزارعة
 الإجارة
 المسابقة
 العارية
 الغصب والضمان
 الشفعة
 الوديعة
 إحياء الموات
 الجعالة
 اللقطة
 اللقيط
 كتاب الوقف
 تعريف الوقف ودليل مشروعيته
 صيغ الوقف القولية:
 شروط الوقف
 الوقف على غير المسلم
 العمل بشرط الواقف
 مصرف الوقف
 الوقف على الأبناء
 الوقف على مجموعة
 كتــاب الهبـــة
 حكم الهبة وألفاظها
 هبة الثواب
 هبة الوالد لأبنائه
 هبة الأب لبعض أبنائه في حياته
 الرجوع في الهبة
 تملك الأب لمال ولده
 فضل الهدية
 الهدية المحرمة
 هدية المريض
 الترتيب في العطية
 الرجوع في العطية
 إثبات ملكية العطية
 أحكام الوصية
 الوصية لوارث
 الوصية بالخمس
 صيغ الوصايا
 مقدمة الوصية
 الوصية فيما دون الثلث
 الوصية فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة
 عدم وفاء الوصية بالموصى لهم
 تقدم الواجبات والديون في التركة
 ما تصح به الوصية
 الحادث بعد الوصية:
 الوصية بالأنصباء
 الوصية على معصية
 شروط الموصى إليه
 شروط الموصى به
 مات بمحل ليس فيه حاكم
 تجهيز الميت من تركته
 كتـــاب الـفـرائـض
 تعريف الفرائض
 أسباب الإرث
 ميراث المطلقة
 الولاء
 ميراث العبد لسيده
 موانع الإرث
 أركان الإرث
 شروط الإرث
 أقسام الورثة
 ما يتعلق بالتركة
 أصحاب الفروض
 من هم أصحاب الفروض
 أصحاب النصف
 أصحاب الربع
 أصحاب الثمن
 أصحاب الثلثين
 أصحاب الثلث
 تقسيم المال بين الجد والإخوة
 الجد مع الإخوة والأخوات
 الـحجـب
 حجب الحرمان
 حجـب النقصـان
 التعصــيب
 العصبة بالنفس
 العصبة بالغير
 الأخ المبارك
 العصبة مع الغير
 العول وحساب الميراث
 الـرد
 ميراث ذوي الأرحام
 ميراث الحمل
 كتـاب العتـق
 تعريف العتق وفضله
 إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق
 الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق
 ترغيب الشارع في العتق
 الوصية بالعتق
 التدبير
 المكاتبة
 بيع المكاتب
 عتق أم الولد
 ولاء المعتق
 كتاب النكاح
 حكم النكاح وحكمة مشروعيته
 الترغيب في النكاح
 تعدد الزوجات
 الترغيب في ذات الدين
 الترغيب في البكر
 النظر إلى المخطوبة
 حرمة الخلوة بالمخطوبة
 النظر إلى المحارم ونظر النوع للنوع
 التصريح بخطبة المعتدة
 خطبة المسلم على خطبة أخيه
 أركان النكاح
 تعريف النكاح:
 شروط النكاح
 شروط الولي
 المحرمات في النكاح
 حرمة الكافرة وحل الكتابية
 حرمة زواج الحرة من عبدها
 الشروط في النكاح
 الشروط التي تبطل عقد النكاح
 نكاح الشغار
 نكاح المحلل
 نكاح المتعة
 النكاح المعلق
 العيوب التي يفسخ بها النكاح
 الصــداق
 تعريف الصداق واستحباب تيسيره
 ما يصح أن يكون مهرا
 تسمية المهر
 تأجيل الصداق
 تملك المرأة صداقها
 وجوب مهر المثل
 ميراث كل من الزوجين للآخر
 الصداق بعد الطلاق
 الصداق في وطء الشبهة
 منع المرأة نفسها قبل قبض صداقها
 وليمة العرس
 إجابة الدعوة
 إعلان النكاح والضرب عليه بالدف
 المعاشرة بالمعروف
 السفر بالزوجة
 حق الزوجة في مسكن مستقل
 العدل بين الزوجات
 نشوز الزوجة
 الخلع
 التكييف الفقهي للخلع
 الرجعة بعد الخلع
 العوض في الخلع
 خلع زوجة الصغير
 كتاب الطلاق
 مقدمة
 تعريف الطلاق
 حكم الطلاق
 الذي يصح منه الطلاق
 متى لا يقع الطلاق
 التوكيل في الطلاق
 طلاق السنة وطلاق البدعة
 الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة
 الطلاق له صريح وله كناية
 كم يملك من الطلقات
 الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات
 مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق
 إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام
 فصل تعليق الطلاق بالشروط
 ما يقطع الشرط والاستثناء
 الطلاق المعلق بشرط يقع متى وقع الشرط
 شك في طلاق أو ما علق عليه
 أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار
 أقسام فراق الرجل لامرأته
 فصل الطلاق الرجعي وأحكام الرجعة
 إذا طلق الحر ثلاثا والعبد اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره
 فصل في الإيلاء
 فصل في الظهار وما يتعلق به
 فصل في اللعان
 باب العدد
 العدة وأقسامها
 الإحداد وتوابعه
 فصل في الرضاع
 باب النفقات
 تعريف النفقة وتحديدها
 متى تسقط نفقة الزوجة
 النفقة على الأقارب
 امتنع من وجبت عليه النفقة
 مقدار النفقة
 النفقة على الرقيق
 نفقة البهائم
 المملوك إذا طلب الزواج
 الحمل على الدواب
 فصل في الحضانة
 الأولى بالحضانة
 ما يشترط في الحاضن
 من لا تثبت له الحضانة
 إذا بلغ الطفل سبع سنين خير بين أبويه
 ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ويصلحه
 كتاب الجنايات
 أهمية كتاب الجنايات وتعريفها
 تحريم القتل
 أقسام القتل
 اجتماع الجماعة على قتل الواحد
 شروط القصاص
 شروط استيفاء القصاص
 كيفية استيفاء القصاص
 ما يجب بقتل العمد
 شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس
 سراية الجناية
 على من تجب الدية
 مقادير الدية
 دية الحر المسلم
 دية قتل العمد وشبه العمد
 دية الأنثى
 دية الكتابي الحر
 دية الرقيق
 دية الجنين الحر
 دية ما في الإنسان منه واحد
 دية ما في الإنسان منه اثنان
 دية ذهاب الحواس
 دية الشجاج
 العاقلة التي تتحمل الدية
 كفارة القتل الخطأ وشبه العمد
 تعريف القسامة وشروطها
 كتاب الحدود
 تعريف الحدود وأهميتها
 شروط إقامة الحدود
 إقامة الإمام للحدود
 كيفية استيفاء الحدود
 مات وعليه حد
 حد الزنا وشروطه
 حد القذف وشروطه
 حد التعزير
 حد الإسكار
 تحريم الخمر
 عقوبة شارب الخمر
 شروط شارب الخمر
 حد السرقة
 شروط حد السرقة
 السرقة من غير حرز
 السرقة زمن المجاعة
 حد قطاع الطريق
 عقوبة قطاع الطريق
 إثبات حد قطاع الطريق
 توبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه
 دفع الصائل
 حكم البغاة
 أحكام المرتد
 تعريف المرتد وحكمه
 الأسباب التي توجب حد الردة
 توبة المرتد
 شروط التوبة
 أحكام الأطعمة
 الأطعمة المحرمة
 أكل المحرم للمضطر
 آداب الضيافة
 أحكام ذكاة الحيوان
 تعريف الذكاة وما تجوز فيه الذكاة
 شروط الذكاة
 ذكاة الجنين
 مكروهات الذبح
 سنن الذبح
 أحكام الصيد
 تعريف الصيد وشروطه
 الأيمان
 تعريف الأيمان ولماذا سميت يمينا
 أنواع الحلف
 كفارة اليمين
 شروط وجوب كفارة اليمين
 حلف ألا يطأ أمته
 متى تجب الكفارة
 مقدار كفارة اليمين
 النية في اليمين
 النذر
 تعريف النذر
 حكم النذر
 أنواع النذر المنعقد
 كتاب القضاء
 أهمية القضاء بين الناس
 حكم نصب القضاة
 الولاية العامة والولاية الخاصة
 شروط تولية القاضي
 لزوم حكم المحكم
 صفات القاضي
 تعريف الدعوى وشروطها
 الشهادة في الحقوق
 شروط الشهود
 تزكية الشهود
 القضاء على الغائب
 كتاب القاضي إلى القاضي
 القسمة
 تعريف القسمة
 أنواع القسمة
 كتاب الشهادات
 حكم تحمل وأداء الشهادة
 أخذ الأجرة على الشهادة
 كيفية الشهادة
 شروط الشاهد
 عدد الشهود
 الشهادة على الشهادة
 قبول الشهادة على الشهادة
 كيفية تحميل الشهادة وشروطها
 الخطأ في الفتوى أو في القضاء
 كتاب الإقرار
 تعريف الإقرار والحكم به
 من يجوز إقراره
 الرجوع في الإقرار
شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد - حكم الهبة وألفاظها

كتــاب الهبـــة

حكم الهبة وألفاظها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال رحمة الله -تعالى-: فصــل: والهبة مستحبةٌ، وتصح هبةُ مصحف، وكل ما يصح بيعه، وتنعقد بما يدل عليها عرفا. وتلزم بقبضٍ بإذن واهب. ومن أبرأ غريمه برئ، ولو لم يقبل. ويجب تعديل في عطية وارث، بأن يعطي كلا بقدر إرثه، فإن فضَّل سَوَّى برجوعٍ، وإن مات قبله ثبت تفضيلُهُ. ويحرم على واهب أن يرجع في هبته بعد قبض، وكره قبله إلا الأب.

وله أن يتملك بقبضٍ مع قولٍ أو نيةٍ من مال ولده غير سُرِّيَّة ما شاء ما لم يضره، أو ليعطيه لولد [آخر] أو يكن بمرض موت أحدهما، أو يكن كافرا، والابن مسلما. وليس لولد ولا لورثته مطالبة أبيه بدينٍ ونحوِهِ بل بنفقة واجبة.

ومَن مَرَضُهُ غير مخوف تصرفه كصحيحٍ، أو مخوف كبرسام أو إسهال متدارك. وما قال طبيبان مسلمان عدلان عند إشكاله: إنه مخوف لا يلزم تبرعُه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث لغيره إلا بإجازة الورثة.‎

ومَن امتدَّ مرضُه بجذامٍ ونحوِهِ ولم يقطعْه بفراش فكصحيحٍ، ويعتبرُ عند الموت كونه وارثا أو لا، ويبدأ بالأول فالأول بالعطية.

ولا يصح الرجوع فيها، ويعتبر قبولها عند وجودها، ويثبت الملك فيها من حينها، والوصية بخلاف ذلك كله.


أما الهبة: "الهبة مستحبة". مشتقة من هبوب الريح، هبة الريح؛ وذلك لأن الريح خفيفة وهبوبها خفيف، ثم سميت الهبة بذلك؛ لخفتها على الواهب، حيث إنه لا يطلب بها ثمنا. يعرفون الهبة بأنها: " تمليك عين بلا عوض".

وتسمى هبة التبرع أو التبرر، فإن شرط لها عوضا سميت هبة الثواب. بمعنى: أنه يطلب لها أجرا فيكون بذلك قد جعلها ثوابا. إذا قال: أهديتك هذا الكتاب، أو وهبتك هذا الكتاب على أن تعوضني منه ثوبا أو كيسا، فإن هذه هبة ثواب. فهي من أنواع البيع، لها أحكام البيع، وشروط البيع. أن يكون الواهب يملك ما وهب، وأن يكون مكلفا، وأن تكون الهبة مالية، وأن يكون مقدورا على تسليمها، وأن تكون معلومة، إلى أخر شروط البيع. هذه هبة الثواب.

وأما هبة التبرر: وهو الذي لا يريد بها عوضا، وإنما يقصد بذلك التودد إلى ذلك الذي يهب له، يقصد أنه تحصل بينهما المودة والمحبة وصفاء القلوب. ورد في الحديث تهادوا تحابوا، فإن الهدية تسل السخيمة السخيمة: هي الضغائن التي في القلوب، الأحقاد والبغضاء. الغالب أنك إذا أهديته شيئا يفرح به. فإنه يعرف بذلك صداقتك، ولو كان يكن لك شيئا من الحقد فإنه يرجع إلى المودة، فيحبك ويقدرك. هذا السبب في الحث على الهبة.

السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

عرفنا أن الهبة: هي التبرع بالمال بدون عوض في الحياة. وأنها مستحبة ودليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- تهادوا تحابوا فان الهدية تسل السخيمة أي: تذهب وحر الصدر -كما في رواية- تسل السخيمة، وتذهب وحر الصدر، أي: تزيل ما في الصدر من البغضاء بين الاثنين، ومن الأحقاد والضغائن.

فإذا أهدى إليه عرف أنه يحبه، وأنه يود له الخير؛ فعند ذلك تثبت المودة، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل الهدية ويثيب عليها « كان يأكل من الهدية ولا يأكل من الصدقة »(1) الصدقات والزكوات ونحوها يقول: « إنها لا تحل لآل محمد »(2) وأما الهدية فإنه كان يقبلها ويثيب عليها.

تصح الهدية ولو شيئا يسيرا. إذا أهديت لصاحبك شيئا يسيرا: ككتاب -مثلا- أو فاكهة أو كسوة أو شيء مما يطعم، أو يفرح به أو يستعمل، ولو شيئا يسيرا: كقلم أو قرطاس أو دفتر -فإن ذلك مما يحسن استعماله بين الإخوة. فلذلك جعلوا باب الهدية.

"و تصح هبة المصاحف". عندهم أن المصحف لا يباع، ولكن يهدى. والصحيح: أنه يجوز بيعه. وإذا كان كذلك، فإن له ثمن، وإذا كان له ثمن، فإنه يصح بيعه ويصح هديته. ويصح إهداء كل ما يباع، أو كل ما ينتفع به. وإن لم يكن مما يباع، يعني: ككلب صيد، أو جلد ميتة بعد الدبغ، يعني: الأشياء التي فيها منفعة، إذا باعها وصار لها ثمن، أو أهداها؛ فإن ذلك مما يحصل به المحبة والمودة بين الإخوة.

وهل لها صيغة؟ تصح بكل قول أو فعل يدل عليها. فإذا أهدى إليك -مثلا- ثوبا أو ساعة، وقال: خذ هذا أو هذا تبرع مني أو أهديتك أو وهبتك أو ما أشبه ذلك -كان ذلك جائزا. وكذلك لو أشار إشارة، عندما مد إليك كتابا فهمت من إشارته أنه هدية بدون عوض، فإنك تقبله، ويصير هدية.

فتصح بكل قول أو بكل فعل يدل عليها. فالقول مثل: وهبتك، أهديتك، أعطيتك، خذ منى هذا، تبرعت لك بهذا، أو ما أشبه ذلك. والفعل: هو أن يمده بيده، أو يشير إليك لتأخذه. إذا وضعه على طاولة، أو على الأرض، وأشار إليك، وفهمت من إشارته أنه تبرع، صدق عليه أنه هدية وهبة.

ثم متى تلزم؟ تلزم بقبض المتهب. إذا قبضها الموهوب بإذن الواهب أصبحت لازمة. وقبل ذلك، يصح أن يرجع فيها. فلو -مثلا- أنه مد إليك كتابا، ولكن ما قبضته، وضعه على السرير ولم تقبضه أنت، ففي هذه الحال يجوز أن يرجع فيه، لا يكون لازما. فأما إذا قال: خذ هذا الكتاب. وضعه على سريرك أو طاولة، فأخذته -بعد أن قال: خذه- في هذه الحال يصير لازما، ولا يصح الرجوع فيه بعد قبضه.

أما إذا وضعه على السرير أو على الأرض، ولم يقل: خذه، فأخذه صاحب السرير أو صاحب المنزل -فمثل هذا لا يصير هبة ولا يلزم. ولصاحبه أن يقول: أنا ما وهبتك، أنا ما أهديتك، إنما نسختي بيدي، ولا أستغني عنها. فله أن يرجع فيها، لا يلزم إلا بهذين الشرطين: حصول القبض الذي هو أخذه المتهب، وإذن الواهب. إذا قال: خذه، فتصير لازمة.

يقول: " ومن أبرأ غريمه من دينه برئ ولو لم يقبل" لأن الإبراء إسقاط، وإذا أسقطه صار لازما. فإذا قال لك: عندك لي مائة أو ألف، وأنا قد أبرأتك وأسقطته عنك -برئ الغريم، ولو لم يقل: أنا قابل. أو قال لا أرضى، لا أريدها، أنا في غنى، لست بحاجة إلى أن تسامحني، في هذه الحال يكون قد برئ. بمجرد ما يقول: أبرأتك أو أسقطت الدين الذي عليك، أو وهبتك الدين الذي في ذمتك -يسقط، ولو لم يقل المدين: قد قبلت.

وكذلك لو قال: لا أريد أن تسقطه عنى، أو قال لا أحب منتك، ولا أريد أن يكون لأحد علي فضل أو منة. في هذه الحال الواهب برئ عما أعطاه وأسقطه، والمتهب أو المدين له أن يرده، ويقول: أنا ما قبضته، أنا ما أريده، أنا ما أسمح، ولا أريد أن أقبل منك ولا من غيرك شيئا.

ثم هذا الباب جمعوا فيه: الهدية والعطية أو الهبة والعطية وفى آخره -أيضا- ذكروا الوصية: والوصية تأتينا في الفصل الذي بعده -إن شاء الله-. العطية قريب معناها من الهبة ومن الهدية، ولكنها أعم، فيدخل في ذلك: عطية الوالد لأولاده، أو من دونه أو من فوقه.

وكأن الهبة والهدية أخص. فإذا كان عندنا -مثلا- أمير من الأمراء، أو ثري أو رئيس قبيلة، وعندنا إنسان فقير مسكين، فالأمير أو الرئيس إذا سلم هذا الفقير كسوة أو كيسا، فهل تسمى هذه هدية؟ هذه تسمى صدقة منه عليه. لا يريد الأجر منه، وإنما يريد الأجر من الله.

هبة الثواب

الفقير إن جاء -مثلا- بطيب طيب الرائحة، ومده للأمير، ماذا تسمى؟ يسمي هدية وهبة؛ لأنها من النازل للعالي، تسمي هدية. ومن العالي لمن تحته تسمي صدقة، وأما من إنسان لمن هو مثله فتسمي عطية، وقد تسمي -أيضا- هدية.

والغالب أن الفقير إذا أهدى للأمير فإنه -والحال هذا- يريد أكثر منها، فهو يقول: أنا أهديت للأمير هذه الفاكهة العجيبة، أو هذه الأطياب وما أشبهها، أريد أن يثيبني ويعطيني أكثر مما أعطيته. والعادة أنه كذلك: أن هذا الأمير الذي أهدي له يثيب هذا الفقير، يعطيه ثمنها مرتين أو أكثر، أيا كانت تلك الهدية، ولو كانت متوفرة، ولو أهدى إليه -مثلا- فاكهة كعنب أو رطب، مع أنه قد تكون عنده أكثر -عند الأمير- ولكنه أراد بذلك الثواب.

فذكرنا أنه إذا شرط فيها الثواب فإنها تسمي هبة ثواب، وفي هذه الحال لها حكم البيع: يصح أن يرجع فيها فيقول: أنا أعطيتك أو هبتك هذا الكيس، ولم تهدني ولم تثبني، فأنا أحق بها. ورد في ذلك حديث « الرجل أحق بعطيته ما لم يثب عليها »(3) يعني: مادامت موجودة، ولم يحصل له ثواب، وقد عرف بأنه قصد الثواب والعوض، فله -في هذه الحال- أن يرجع فيها؛ لأنها شبه بيع. والبيع لا بد له من عوض.

ولذلك قالوا: إنه تصح الشفعة فيها إذا حدد الثمن. فإذا كان لك قطعة أرض إلي جنب أحد جيرانك، فأهديتها إلي أمير -مثلا- وقلت: أريد أجرها أو أريد ثوابها -مثلا- مائة ألف، في هذه الحال الجار الذي إلي جانبك يقول: أنا لي شفعة أشفع فيها، وأدفع مائة الألف حتى تكون الأرض كلها لي.

يجوز؛ لأنها هبة ثواب، وهي بمنزلة البيع. وكذلك له أن يرجع فيها، كما عرفنا له أن يعود فيها ما لم يثب « الرجل أحق بهديته ما لم يثب عليها »(4) يعني: إذا كان قد شرط ثوابا ولم يحصل له.

ثم العطية كأنها بين المتقاربين في الحال. يعني: إذا أعطيت -إذا سلمت- لأخيك شيئا أو لجارك، تسمي عطية، وكذلك لمن تحتك -إذا لم تقصد الأجر- تسمي -أيضا- عطية. ومن ذلك: عطية الوالد لأولاده تسمى عطية. فعطيتك لأخيك هذه عطية، ولزميلك وصديقك عطية، ولولدك عطية. وأما للفقير الذي هو أنزل منك فهذه تسمى صدقة، وأما للأمير الذي فوقك فهذه تسمى هدية وهبة، والغالب أنك تؤمل أكثر من ثمنها.

هبة الوالد لأبنائه

ذكروا -بعد ذلك- عطية الوالد لأولاده. أنه إذا أعطى أولاده عطية بدون سبب، فإنه يلزمه التسوية والعدل. تعرفون حديث النعمان بن بشير: بشير بن سعد، أعطى ولده عطية -النعمان- قيل: أنه أعطاه غلاما -نحله غلاما- فقالت أمه: أحب أن تشهد على ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فجاء ليشهده « فقال: أكل ولدك نحلته مثله؟ قال: لا. فقال: فارجعه، أو قال: أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم. قال: فلا إذًا، وقال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم »(5) وقال: -لما قال أشهدك على هذا- « قال: لا أشهد على جور »(5) .

كل هذه الألفاظ في الصحيحين أو أحدهما. وقوله: « اعدلوا بين أولادكم »(5) العدل: هو التسوية. اختلف في مفهوم هذه الكلمة، فبعضهم قال: يسوى بين الذكر والأنثى، قوله: « اعدلوا بين أولادكم »(5) يعني: سووا بينهم. فيعطى الذكر كالأنثى.

وقيل: أن العدل أن يقسم لهم على الميراث -على ما في الميراث- للذكر سهمان وللأنثى سهم، وذلك لأن كتاب الله -تعالى- هكذا فرض لهم، ولا شك أنه أعدل العدل. القرآن هو أعدل ما يقال، إنه عدل؛ لهذا هو الصحيح أنه يسوى بينهم بقدر ميراثهم، ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (6) وإذا قدر أنه فضل بعضهم وزاده، ففي هذه الحال يلزمه التسوية، فيسترد ما أعطى ذلك الذي أعطى؛ لقصة النعمان. فإنه رد تلك الهبة أو تلك النحلة، ردها.

علم بذلك أنها لا تلزم. ما لزمت ولو قبضها ذلك الابن. وأنه يلزمه التسوية، فإن قدر على أن يعطي الآخرين مثل هذا الذي أعطاه، فإنه يلزمه أحد أمرين: إما أن يعطى الآخرين حتى يستووا، أو يسترد ما أخذه من ذلك الذي فضله.

لو قدر أن الأب مات قبل أن يسوي بين أولاده. ففي هذه الحال هل تثبت؟ ذكروا أنها تثبت، وأن الورثة ليس لهم مطالبة أخيهم، وهذا هو الذي عليه الفتوى. وذهب آخرون إلى أن للورثة مطالبة أخيهم، فيقولون: أبونا فضلك، أعطاك شيئا زائدا علينا بغير سبب، فنحن لا نرضى، فيلزمك أن تأتي بما أعطاك وتضعه في التركة، ونقتسمه بالسوية. هذا قول لبعض العلماء، وله وجاهته؛ حتى لا يلحق أذى بأبيهم.

لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سماه جورا « لا أشهد على جور »(5) لهذا -إذا أرادوا إبراء ذمة أبيهم- فإنه يلزمهم التسوية، فيرد ذلك الذي فضل على إخوته.

هبة الأب لبعض أبنائه في حياته

ثم في هذه المسألة شيء من التفصيل. فنقول: إنه قد يجوز التفضيل لبعض الأسباب، أو بعض المناسبات. فمن ذلك تزويج من بلغ منهم؛ لأن التزويج يعتبر كالنفقة، فإذا بلغ واحد زوجه، ثم بلغ الثاني وزوجه، فلا يلزمه أن يعطى الأصاغر مثل ذلك الكبير الذي زوجه. ولو كانت أمهم -مثلا- مطلقة، وهم تحت كفالتها، فلا تقول: أنت أعطيت ولدك هذا خمسين ألفا في زواجه؛ فأعط أولادي خمسين وخمسين يعني: كل واحد منهم.

عليه أن يقول: من بلغ منهم فإني أزوجه، وأما قبل البلوغ فلا يلزمني. فلو مات قبل أن يزوج بعضهم فليس لهم أن يأخذوا من التركة مقابل زواجهم، بل يقتسمون التركة ويتزوجون -إن شاءوا- من أنسبائهم.

ومن ذلك -في هذه الأزمة- إذا بلغ أحدهم من الذكور -مثلا- ثمانية عشر سنة احتاج إلى سيارة يتنقل عليها، وقد يكون له إخوة صغار، فيشتري له أبوه سيارة للدراسة وللتنقل، فهل يلزمه أن يعطي الصغار مثل قيمة هذه السيارة؟ وتقول أمهم: أعطهم. أعطيت ولدك الكبير، اشتريت له سيارة بخمسين ألفا، -مثلا- فأولادي هؤلاء عليك أن تعطيهم قيمتها -إذا بلغوا- ليشترونها؛ لأنك بذلك إذا لم تفعل، فقد فضلت بعضهم. لا يلزمه ذلك. وما ذاك إلا أن هذه السيارة للحاجة، فمتى بلغ الصغير اشترى له مثلها، وقبل البلوغ ليس بحاجة إليها، فهي كالزواج.

وهكذا -مثلا- إذا كان له بنات، واشترى لكل واحدة منهن حليا بعشرة آلاف، فهل يعطى الذكور مثلها؟ لا يلزمه؛ لأن هذا من تمام الزينة فلا يلزمه أن يعطى الذكور مثل ذلك. عندنا -مثلا- الكسوة تتفاوت، فهو يشتري كسوة أولاده الذكور، قد يكفيه كل شهرين أو كل أربعة أشهر خمسون ريالا كسوة، وأما الإناث فإن كسوتها قد تكون بمائتين. فلا يلزمه إذا اشترى كسوة الأنثى بمائتين أن يعطى الذكر تمام المائتين؛ لأن هذه كسوة وهذه كسوة، وقد أعطى كلا منهما كسوته وحاجته. فهذا التفاوت ليس يلزم التسوية فيه.

بعضهم -أيضا- إذا زوج ابنته، فبعضهن قد يجهزها -مثلا- بأربعين ألفا زيادة على المهر، وبعضهن لا يجهزها، يكفيها مهرها. فهل يلزمه لهذه التي ما أعطاها شيئا أن يعطيها مثل ما جهز أختها؟ لا يلزمه ذلك؛ لأن هذا التجهيز تستحقه. يشتري لها كسوة، يشتري لها حليا أو آواني أو ما أشبه ذلك، إذا كان الصداق الذي دفع لها قليلا، فزاده من عنده فلا يلزمه أن يعطي أخواتها مثل هذه الزيادة، سواء قبل الزواج أو وقت الزواج.

كذلك ذكروا أنه يجوز التفضيل -أيضا- لأسباب: منها إذا كان أحدهم معوقا فله أن يزيده وأن يتبرع له، كالمريض أو الضرير أو ما أشبه ذلك؛ لأنه بحاجة إلى الزيادة.

وكذلك لو أن أحدهم تفرغ لطلب العلم، والآخر اشتغل بطلب الدنيا، فهذا الذي اشتغل بطلب الدنيا حصل على مال، واشترى له سكنا وأسس سكنه، وطالب العلم منشغل بالطلب وبالتعلم، يستحق أنه يساعده في السكن، ويستحق -أيضا- أنه يساعده في الزواج أو في تأسيس السكن، ويقول: لإخوته أنتم استغنيتم، وأنا مطالب بمن لم يستغن كما أنكم -مثلا- استغنيتم، وانفرد كل واحد منكم في مسكن وصار ينفق على نفسه، وأنا أنفق على إخوتكم الأطفال، فلا يلزمني أن أعطيكم مثلهم. كذلك -أيضا- لا يلزمني أن أعطيكم مثل هذا الذي تفرغ للتعلم وانقطع للفقه في الدين، فليس يلزمه أن يعطي إخوته مثل ما أعطاه.

قد يقول: اشتغل بطلب العلم وأنا اشتري لك سيارة، وأنا أزوجك وأنا أسكنك وأنا أنفق عليك. فيقول: أنا لا أريد التعلم، ولكني اشتغل لنفسي. فيقول: إذا اشتغلت لنفسك واستغنيت، فلا يلزمنا لك أكثر من حاجتك. أغنيت نفسك فلا نعطيك شيئا، نعطي أخاك الذي تفرغ.

كذلك -أيضا- يقع أن بعض الأولاد ينقطع على والده، والآخر ينفصل، فهذا الذي انقطع عند والده يستحق أن يكافئه. كثير منهم يقول: أنا أشتغل مع والدي: أشتغل معه في تجارته، أشتغل معه في سقي حرثه، أشتغل في حرفته -يساعده في حرفته- أيا كانت إذا كان -مثلا- خياطا أو قصابا أو خرازا أو غسالا أو نحو ذلك. فأحد أولاده انفرد بصنعة والأخر اشتغل مع والده، فهذا الذي اشتغل مع والده يستحق أن يعطيه مقابل اشتغاله. يعطيه -مثلا- سكنا ويزوجه ويعطيه سيارة.

ثم -أيضا- قد يشتغل بعضهم مع أبيه أربعين سنة في تجارته، والأخ الثاني موظف مستقل بوظيفته، فيجوز للأب أن يشرك الولد. يقول: هذا الولد الذي اشتغل معي عشرين أو ثلاثين أو أربعين عاما، أجعله شريكا، أجعل تجارتي بيني وبينه نصفين. أو اشتغل معي في حرثي: في سقى الحرث، وفى إصلاح المضخات، وفى حفر الآبار، وفى الحرث والسقي والزبر والغرس، وإصلاح المجاري للماء، وما أشبه ذلك، لا شك أنه تعب معك عشر سنين أو عشرين سنة. فإما أن تجعل له مرتبا -كما لو كان أجنبيا- وإما أن تشركه في هذا الحرث.

وهكذا في البوادي. بعض أولادهم يتعلقون بالوظائف، وبعضهم يبقى عند ماشية أبيه، يرعى ويسقي ويحفظ إبلا أو غنما، فينقطع على حفظ ماشية أبيه. فهل يسوى بإخوته الآخرين عند الميراث؟ إخوته توظفوا وكل منهم يجمع مرتبا، واشترى كل منهم لنفسه مسكنا وأثث، وأصبح عنده رأس مال، وعنده +.

وهذا انشغل مع أبيه، في رعي غنمه وإبله وفى سقيها وحفظها وإصلاحها ومراعاتها وخدمة أبويه، يستحق -والحال هذا- أن يقسم له، أن يجعل له نصيبا من هذه الأغنام أو الإبل. ويقول لإخوته: أنتم استغنيتم عن أبيكم، وهذا خدم أباه وقام بخدمته وحفظ حلاله وحفظ أمواله -ففي هذه الحالات يجوز التفضيل.

الرجوع في الهبة

يقول: " ويحرم على الواهب أن يرجع في هبته بعد قبض، وكره قبله، إلا الأب". ذكر أنها لا تلزم إلا بالقبض بإذن الواهب. فإذا قبضها المتهب -الموهوب- بعد أن يأذن له الواهب ويقول: اقبض هذه الهدية أو هذه الهبة خذها فهي لك، قبضها. فهل لصاحبها أن يرجع فيها؟ إذا كانت هبة تبرر -ليست هبة ثواب- لا يجوز. وقد اشتهر الحديث المشهور قوله: -صلى الله عليه وسلم- « العائد في هبته كالعائد في قيئه »(7) وقال: « ليس لنا مثل السوء. العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه »(8) .

هذا مثل سيئ -يعني- مطابق الكلب إذا أكل كثيرا. إذا وجد -مثلا- جيفة، وأكل منها، وأكل وأكثر من الأكل وامتلأ، وخاف أنه يضره؛ فإنه يتقيأ، يقيئ نصف ما أكل. فبعد خمس ساعات أو ثلاث ساعات يأتي إلى قيئه -ولو كان منتنا كريه الرائحة- فيأكل قيئه.

يقول قتادة: ولا أعلم القيء إلا حراما. فالإنسان -مثلا- إذا تقيأ أكلا، أكل -مثلا- لحما أو خبزا أو نحو ذلك، وبعدما استقر في بطنه تقيئه. فهل نفسه تطمئن إلى أن يعود فيـأكل ذلك القيء؟ لا شك أنه مستقذر طبعا. فيقول قتادة: ولا أعلم القيء إلا حراما. فإذا كان كذلك، عرف أنه لا يجوز.

لا يجوز الرجوع في الهبة. من وهبها وبعدما استلمها المتهب، رجع فيها. -ولو كانوا في المجلس، ولو قبل التفرق- فإنه مثل الكلب. أيا كانت، ولو كانت كثيرة، ولو وهبك بيتا وأعطاك مفاتيحه، أو وهبك أرضا وأعطاك وثائقها، وبعدما أعطاك وتمت الهبة وتم التقبل والقبض قال: ردوا عليّ بيتي أو أرضي أو ناقتي أو سيارتي. ألست قد وهبتها لي؟ أليس قد أهديتها لي؟ فإذا قال: أنا أحق بها. فالجواب: أن ذلك لا يحل لك.

إلا إذا كان قد اشترط أجرا، وهي هبة الثواب -كما تقدم- ففي هذه الحال يجوز أن يرجع في هبته، إذا كان قد اشترط لها عوضا. ويسمى المردود يعني: ما يرده المتهب على الواهب. وأما قبل القبض فإنه مكروه يعني: أعطاك أو وهبك كتابا، وضعه على الطاولة: وهبتك هذا الكتاب أو هذا الكيس، وقبل أن تقبضه وتستلمه أراد الرجوع، مكروه رجوعه ولو كان جائزا. يجوز ولكن مع الكراهة.

ويستثنى -أيضا- الأب فيما يهب لأولاده؛ وذلك لأن الوالد يملك ما بيد الأبناء. فله -إذا وهبهم- أن يرجع. واستدل بحديث النعمان، لما وهب ابنه النعمان ذلك العبد، رجع فيه لما قال له -صلى الله عليه وسلم-: « اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم »(9) فلما لم يكن عنده ما يسوي به بين أولاده، رجع ورد تلك الهبة و النحلة.

تملك الأب لمال ولده

الأب يملك ما بيد أولاده. يقول: " وله -يعني للأب- أن يتملك بقبض مع قول أو نية من مال ولده -غير سُرِّيـَّة- ما شاء، ما لم يضره؛ أو ليعطيه ولدا آخر، أو يكن في مرض موت أحدهما، أو يكن كافرا والابن مسلما". دليل ذلك قوله: -صلى الله عليه وسلم- « أنت ومالك لأبيك »(10) حديث مشهور. ولو كان في طرقه بعض الضعف، ولكن مجموعها يترقى إلى أن يكون صحيحا لغيره.

فيجوز للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء. سواء بقول أو بنية، فالقول إذا قال: إني قد تملكت أرض ولدي هذه، تدخل في ملك الأب. إني قد تملكت سيارة ابني، هذه تدخل في ملك الأب. النية: لو أخذ مفاتيح دار ابنه، ونوى أنه أدخلها في ملكه، يعني: ملك الأب. ففي هذه الحال تدخل في ملك الأب بمجرد النية. أخذ مفاتيحها، وأخذ وثائق الأرض، أو أخذ مفاتيح السيارة، وعزم على أنه قد ملكها، وأخرجها من ملك ابنه إلى ملك الأب، فتدخل في ملك الوالد.

يستثنى من ذلك السّرية -العبدة المملوكة التي ولده يطؤها بملك اليمين- يحرم عليه أن يتملكها؛ لأن ابنه قد وطئها، ولا يحل له أن يطأ ما وطئ ابنه.

ثم اشترطوا لذلك التملك شروطا:

الشرط الأول: ألا يضر الولد.

والشرط الثاني: ألا يأخذه من ولد ويعطيه ولدا آخر، فإن هذا جور.

واشترطوا ثالثا: ألا يكون في مرض موت أحدهما، أي: موت الأب أو موت الابن.

واشترطوا رابعا: ألا يكون الابن مسلما والأب كافرا.

ففي هذه الحالات، لا يصح للأب أن يأخذ. فإذا كان الابن محتاجا إلي هذه الدار يسكنها ويُكِـنُّ أولاده فيها، ولا يستغني عنها والأب مستغن. فهل له أن يخرج ولده؟ ويقول: يا بْنِي اخرج وانزل في خيمة أو نحوها، واترك لي هذه الدار أؤجرها. الدار ملك الابن، هو الذي ملكها وعمرها وتعب فيها، وأسكن فيها أولاده، فلا يحل للوالد أخذها؛ لأن هذا ضرر عليه. وفي الحديث « لا ضرر ولا ضرار »(11) وكذلك قال -تعالى-: ﴿ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ (12) ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ (13) فدل على أنه إذا تضرر الابن، فلا يجوز للأب أن يأخذ.

إذا قال -مثلا-: هذه سيارتي يا أبي، لا أستغني عنها، ولا أستطيع أن أستأجر كلما أردت أن أذهب إلي مكان، ولا أقدر أن أشتري بدلها. فكيف تأخذها وتدعني؟ وأنت مستغن عنها، لست محتاجا إلى ثمنها، ولا محتاجا إلى استعمالها، عندك غيرها. فلا يجوز -والحال هذه- أيا كانت، حتى ولو كانت صغيرة. فلا يجوز له أن يأخذ ثوبه ويدعه عاريا، أو يأخذ طعامه ويدعه جائعا، والأب مستغن عنها.

كذلك لا يعطيه لولد آخر. يأخذ من هذا ألفا، ويعطيه الثاني. لا يجوز؛ وذلك لأن هذا جور. وفى الحديث « لا أشهد على جور »(5) لكن إذا كان الابن مستغنيا وعنده فضل، وأخوه فقير وذو حاجة شديدة، وليس عنده ما يكفيه، والأب لا يقدر على أن يعوله -فإن على الأخ أن ينفق على أخيه، ولو كان لا يرث منه.

أو يجوز للأب أن يأخذ من مال هذا المستغني -الذي عنده فضل- وينفق على أخيه الفقير. فأما إذا كانا متكافئين، فليس له أن يأخذ من هذا ويعطي هذا. هذان شرطان.

والشرط الثالث: أن لا يكون في مرض أحدهما؛ وذلك لأنه عند المرض تعلقت بالمال حقوق الورثة. فإذا مرض الابن وله زوجته وأمه وأولاده ذكورا وإناثا، فليس للأب في مرض موت الابن -إذا كان مرضا مخوفا- ليس للأب أن يأخذ من مال الابن؛ لأنه بذلك يظلم الزوجة ويظلم الأم ويضر الأولاد إذا أخذ تركة أبيهم.

وهكذا -أيضا- لو كان المريض هو الأب، فإنه -في هذه الحال أيضا- ليس له أن يتملك؛ لأن إذا كان مرض الأب مرضا مخوفا، يعني: يخاف منه الموت. في هذه الحال نقول: ليس له أن يتملك من مال أولاده؛ لأنه -والحال هذه- كأنه يعطيه الورثة الآخرين. يأخذ من مال هذا، ويجعله في تركته؛ ليعطي أولادا له ما كسبوا؛ وليعطي زوجات له ما اكتسبن، فيضر أولاده وينفع آخرين. هذه ثلاثة شروط.

الشرط الرابع: ألا يكون ذلك من مسلم لولد كافر. فلا يجوز للكافر أن يأخذ من مال ولده المسلم؛ لأن أموال المسلم ملك لورثته، والكافر ليس له ميراث، فلا يرث من مال ابنه المسلم. كما يأتينا في الفرائض -إن شاء الله- فليس له أن يأخذ من مال الولد المسلم، أو قريبه المسلم، أو أبيه المسلم؛ لقوله: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (14) .

فضل الهدية

السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين -نبينا محمد- وعلى آله وصحبه أجمعين.

عرفنا أن الهدية: هي التبرع بجزء من المال أو بمنفعة؛ لقصد التودد والمحبة. وأن العطية: هي إعطاء الإنسان غيره شيئا من المال، بغير مقابل. وأن الهدية قسمان: هدية تبرر، وهدية ثواب. هدية الثواب تكون كالبيع. إذا لم يعط مقابلها، فله الرجوع. وهدية التبرر لا يجوز الرجوع فيها.

وقد ورد فضل الهدية كما هو مشهور تهادوا تحابوا وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل الهدية ويثيب عليها، مع أن أهلها لا يشترطون ثوابا، ولكنه يحب مكافأتهم. ورد حديث « من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه »(15) وبهذا يعرف أن الهدية تكون مالا وتكون منفعة.

فالإنسان الذي يعلمك ويفهمك مسألة من المسائل يعتبر قد فعل معك معروفا، وأنت تحب أن تكافئه، لكن يستحب له إذا كان قصده الثواب والأجر ألا يأخذ هديتك؛ لأنها قد تنقص أجره، تذكرون حديث سلمان « أنه علم رجلا من أهل الصفة آيات من القرآن؛ فأهدى إليه قوسا، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إن أحببت أن تطوق مثله من النار فخذه »(16) لماذا؟ لأنه أراد الأجر بتعليمه، فلا يحق له أن يفسد أجره، وأن يأخذ عليه عوضا.

ويقال كذلك في كل من عمل عملا يحتسبه عند الله، فلا يفسد أجره بقبول تلك الهدية، سيما إذا كان ذلك الذي علمته أو دللته فقيرا كأهل الصفة الذين هم من فقراء المهاجرين؛ لذلك لا شك أنه يحتسب الأجر، فليس له أن يأخذ ما يقابله.

ورد في ذلك حديث أنه -صلى الله عليه وسلم- قال -ما معناه-: « من عمل عملا يبتغي به وجه الله فأهدي إليه شيئا فلا يأخذه »(17) ورد في بعض الروايات أنه من الربا، وإن لم يكن من الربا الصريح، إذا عملت له عملا تحتسبه فلا تأخذ عليه أجرا، مثل: إذا حملت له متاعه، أو رفعته له، أو أوصلته له إلى منزله، وأنت محتسب، وعرفت أنه فقير ذو حاجة، أو كذلك شفعت له عند من قضى حاجته، أو ما أشبه ذلك تحتسب الأجر، فليس لك إفساد أجرك بأخذ هدية، وقد قصدت الأجر الأخروي، فلا تأخذ أجرا دنيويا.

الهدية المحرمة

كذلك هناك هدايا لا تجوز، وهي إذا كان ذلك المهدي يقصد مقصدا دنيويا فليس له أن يهدي، وليس للمهدى إليه أن يقبل، فإذا أهديت للطبيب لأجل أن يقدمك على المراجعين، فهذه هدية شبيهة بالغلول « هدايا العمال غلول »(18) أو المدرس ليزيد في درجاتك فهذه من جنسها، ولا يحق له أن يقبلها، أو للموظف -مثلا- ليقبل وظيفتك وليقدمك على غيرك في الوظيفة على من هو أحق منك، فإن هذه من الغلول، أو من المحرم.

ومثله: ما ورد في هدية القاضي فإنها تسمى رشوة، إذا أهدى أحد الخصمين للقاضي أو نفعه، وأراد بذلك أن يميل معه، وسماها هدية، ولو -مثلا- ضيافة، استضافه وأكرمه يريد أن يميل معه، فإنها تسمى رشوة، وكذلك إذا كان يراجع كاتبا، ويريد أن يقدمه على غيره فإنه بذلك يكون قد أعطاه ما يشبه رشوة، فليس للآخذ أن يأخذ، ولا للمعطي أن يعطي، في مثل هذه الحالات وأشباهها يقع كثيرا التساهل في هذا.

يسأل كثيرون من أصحاب المنح يقول: إني طلبت منحة أرض سكنية، وإذا أعطيت هذا المسئول أعطاني في مكان مرغوب، وإذا ما أعطيته دفعني وأبعدني؟

فالجواب: أن نقول: هذه رشوة، ولو سميتها هدية، فإنك بذلك تضر غيرك، وإن الواجب عليه أن يسوي بين جميع الممنوحين ونحوهم، فلا يقدم هذا؛ لأنه يعرفه، أو هذا صديقه، أو هذا من أسرته، أو هذا كبير قوم، أو هذا أهدى إليه، أو ما أشبه ذلك.

وأما حديث: « هدايا العمال غلول »(18) فهو مشهور إن كان بهذا اللفظ في إسناده مقال، والأصل فيه قصة ابن اللتبية الذي ولاه النبي -صلى الله عليه وسلم- على جمع الزكاة من البهائم، فجاء وقال: « هذا لكم، وهذا أهدي لي … »(19) أنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال: « هلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا »(20) .

المعنى: أنهم أهدوا له حتى يتسامح معهم، إذا كان عليهم -مثلا- خمس شياه سمينة، أهدوا له شاة، وأعطوه خمسا هزيلة وقبلها، فمثل هذا يعتبر رشوة، ولو سموها هدية؛ لأنهم يقصدون بذلك أن يخفف عنهم، وكذلك أصحاب الثمار لا يجوز له أن يستضيفهم؛ لأنه قد يزيد في خرص من لم يضيفه أو لم يكرمه، ويتغاضى عن الذي أكرمه والذي زاد في إكرامه ينقص عليه من الزكاة؛ فلذلك لا يجوز له والحال هذه.

فأمر الهدايا والهبات فيه تساهل كثير، ويقع به ضرر على الفقراء الذين لا يجدون ما يهدون، يتضررون حيث إن أولئك الذين هم أهل طمع وأهل مقاصد دنيوية يقدمون من أهدى إليهم في القضايا وفي الكتابات وإخراج الصكوك، وكذلك في المنح وما أشبهها، فلا يجوز إذا عرفنا هذا الحكم فلا يصح أن يقبل شيئا من هذه الهدايا ونحوها.

وعندنا فيما يتعلق بالعطية ما يحل على الأب أن يأخذ من مال ولده، عرفنا شروطه يقول: "وليس لولد ولا لورثته مطالبة أبيه بدين ونحوه، بل بنفقة واجبة" إذا كان لك دين على والدك، فليس لك أن تطالب أباك بهذا الدين، وتقول: إني لي عندك دين يا أبي، فإن دفعه ورده فلك أخذه، وإلا فله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، فإذا استدان منه دينا فليس له أن يطالبه، ويقول: أعطني يا أبي الدين الذي عندك.

وكذلك لورثة الابن إذا مات الابن فليس لورثته مطالبة أجدادهم، ويقولون: إن أبانا كان له دين عندك -أيها الأب الأبعد، أيها الجد- فليس لهم ذلك، وظاهر هذا أنه يجوز أن يأخذ من مال أولاد ابنه؛ لأن الجد في منزلة الأب؛ فيأخذ من مال ابنه، ومن مال ابن ابنه، وإن نزل؛ لأن الجد أب فله أن يأخذ من مال ابنه وابن ابنه ما لا يضر الابن، ولا تتعلق به حاجته.

متى يجوز للابن مطالبة أبيه بالنفقة الواجبة؟ فأنه يجب عليه أن ينفق على أولاده، الأصل أن الأب لا يجمع الأموال إلا لأولاده غالبا؛ فلذلك إذا احتاجوا للنفقة الواجبة الضرورية، وجب عليه أن ينفق عليه بقدر كفايتهم طعاما وشرابا وكسوة وسكنى، وكذلك الحاجات الضرورية كتزويج، وما أشبهه، عليه أن يعطيهم حاجتهم.

وللأب أن يسوي بينهم في النفقة فلا يزيد لهذا عن هذا، أو لهؤلاء؛ لأنه يحبهم، بل يعطيهم بالسوية، فلا يشتري لهذا كسوة غالية ولهذا كسوة رخيصة، أو يطعم هؤلاء من اللحوم والفواكه، وهؤلاء من يابس الخبز وما أشبهه، عليه أن يسوي بينهم، وإذا قصر عليهم وكادوا أن يجوعوا فلهم مطالبة أبيهم حتى يسد خلتهم وحاجتهم.

هدية المريض

ذكر بعد ذلك تصرفات المريض، متى تكون نافذة؟ أو تكون غير نافذة؟ إذا كان المرض غير مخوف فتصرفه كتصرف الصحيح، فإذا كان -مثلا- معه وجع ضرس، أو وجع عين، أو ألم في إصبعه، أو صداع يسير في رأسه، أو شبه حرارة، أو سعلة يسيرة، أو ألم في يد أو رجل، فإنه يتصرف تصرفا صحيحا، فله أن يعطي، وله أن يتصدق، وله أن يوقف؛ وذلك لأنه شبيه بالصحيح، والإنسان في صحته يتصرف كيف يشاء، يتصدق والصدقة في حالة الصحة أفضل قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « أفضل الصدقة أن تصدق، وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمسك حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان »(21) .

فلا يجوز له أن يتصدق في حالة المرض المخوف إلا بالثلث فأقل، فإذا كان إنسانا صحيحا، وتصدق بنصف ماله، أو الثلثين تصدق به أو سبَّله، أو أعطاه لمستحق، أو ما أشبه ذلك فليس لورثته منعه، وكذلك لو أوقف أموالا كثيرة، أو تبرع بها وأعطاها لبعض أقاربه، أو بنى بها مساجد، أو ما أشبه ذلك، فكل ذلك جائز في حالة الصحة.

أما إذا كان المرض مخوفا فليس له تصرف إلا في الثلث، المرض المخوف شبهوا أو مثلوا له بالبرسام أو الإسهال، فالبرسام مرض في الرأس يختل به الدماغ، العامة يسمونه: أبو دمغة، بمعنى أنه يختل به الدماغ، فمثل هذه العادة أنه يموت، أما الإسهال المتدارك اسمه عند الأطباء الكوليرا يعني: مرض يحصل منه الإسهال المتدارك، ويتمادى به إلى أن يموت.

فمثل هذا إذا مرض مرضا مخوفا فليس له أن يتصرف إلا في الثلث؛ لأن حقوق الورثة تعلقت بالمال فقد يكون قصده الإضرار بالورثة، فإذا كان مرضه مخوفا، أو قرر الأطباء -طبيبان مسلمان عدلان- أن هذا المرض مخوف يخاف منه الموت، فمثل هذا تصرفاته لا تنفذ إلا في الثلث؛ وذلك لأن حقوق الورثة إذا تعلقت بالمال فيخاف أن قصده إضرار الورثة، وما يسمى عند العامة توليج المال، توليجه يعني: إخراجه من ملكه حتى يتضرروا، ولا يبقى لهم شيء يملكونه إما لأنهم أساءوا صحبته، أو أنهم ما أطاعوه وما خدموه، أو أنهم أقارب غير رافقين به إذا لم يكن له أولاد، وكان له إخوة أهل قطيعة وعقوق، أو بنو عم مقاطعون له فأراد أن يخرج المال من ملكه في حياته حتى لا ينتفعوا به إضرارا بهم، فإن كان صحيحا ولو كان عمره مائة سنة، ولكن معه عقله وإدراكه، ومعه قوته يذهب ويجيء، فتصرفه تصرفا نافذا.

فإذا بنى مساجد، أو عمل مدارس خيرية، أو أصلح طرقا، أو تصدق بصدقات، أو أوقف أوقافا وسبَّلها فإنه ينفذ؛ وذلك لأنه في حالة صحته، وفي حالة قوته، والعادة أن الصحيح القوي يمسك المال، ويؤمل أنه يحتاج إليه.

فالحاصل أنه إذا كان صحيحا فتصرفه صحيح، وأما إذا كان مخوفا فإن تصرفه لا ينفذ إلا في الثلث، ولا ينفذ إذا أوصى للوارث، إذا تبرع للوارث، وقال: لك يا ولدي كذا، وهو وارث، لك يا أمي أو يا زوجتي كذا، وهم وارثون ففي هذه الحال ما ينفذ هذا.

ورد الحديث: « لا وصية لوارث »(22) وهذا شبيه بالوصية؛ لأنه عطية في المرض، وقد تعلقت حقوق الورثة بالمال، فهذه العطية تعتبر من الثلث إلا إذا كانت لوارث، في الحديث: « لا وصية لوارث »(22) وفي الحديث: « الثلث، والثلث كثير … »(23) في قصة سعد لما قال: « أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: النصف ؟. قال: لا. قال: الثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير … »(23) يعني: أراد أن يتصدق بالثلثين ثم بالنصف، قصره على الثلث، قال: « والثلث كثير … »(24) إذا أجاز الورثة ذلك جاز، فيتصدق بنصف ماله أو بثلثيه إذا اتفق الورثة على ذلك جاز؛ لأن الحق لهم.

وكذلك لو تبرع لأحدهم إذا كان هناك -مثلا- له ثلاثة أولاد أغنياء، وعندهم تجارة، وعندهم أملاك، وله واحد فقير لا يملك شيئا ولا سكنا، وأوصى له، أو تبرع في مرض الموت قال: أعطوه مسكنا، ووافق الورثة نفذ ذلك إذا أجازه الورثة؛ لأن الحق لهم.

هناك أمراض يمتد المرض، ولا يصير مخوفا، "من امتد مرضه بجذام ونحوه، ولم يقطعه بفراش، فتصرفه كالصحيح" الجذام: قروح تخرج في الأنف أو في الوجه، وهو الذي ورد الاستعاذة به: « أعوذ بك من البرص والجذام وسيئ الأسقام »(25) والذي قال في الحديث: « فر من المجذوم فرارك من الأسد »(26) ؛ وذلك لأنه ينتقل بإذن الله، مثل الجذام قد يطيل يصاحبه عشر سنين، أو عشرين سنة فلا يكون مخوفا.

ونحوه مثل مرض السل في ابتدائه، مرض الصدر، أو التدرن الصدري هذا في أول الأمر يبقى سليما، وهو متعاف، ولكن في آخره؛ لأنه قروح تخرج في الرئة، ثم تتأثر إلى أن تقضي عليه، ولكن تطول مدته قد يبقى عشر سنين أو نحوه، ومثله -أيضا- الفالج في آخره، الفالج الذي هو الشلل النصفي هذا في أوله خطر أما في آخره فإنه قد يبقى عشر سنين، عشرين سنة، وهو مشلول يدا أو رجلا فتصرفه صحيح، ولو طالت مدته إلا إذا كان على الفراش من كان مرضه ألزمه الفراش لا يستطيع أن يتحول، ولا أن يذهب ويجيء، بل هو دائما على الفراش، فإن هذا مخوف فتصرفه غير صحيح إلا بإجازة الورثة.

ثم هناك فروق بين العطية والوصية؛ العطية: التبرع في الحياة، والوصية: التبرع بعد الموت، التبرع بعد الوفاة، فيعتبر عند الموت كونه وراثا أو لا؟ فمثلا: إذا تبرع لقريبه، إذا قال في مرض موته: أعطوا أخي هذه السيارة، أو عشرة آلاف، وكان أخوه لا يرث محجوب بابن للميت، ثم قُدِّر أن ابن الميت مات قبل أبيه، ثم مات الأب فأصبح الأخ وارثا فهل يأخذ هذه العطية أو الوصية؟ لا يأخذها إلا بإجازة الورثة؛ لأنه أصبح وراثا، وفي الحديث: « لا وصية لوارث »(22) فيعطى حقه من الميراث، ولا يأخذ هذه العطية.

وعكسه لو قدر أنه أوصى لأخيه أو أعطاه في حال حياته، وكان أخوه يرث في ذلك الحال، ثم قدر أن الموصي أو المعطي ولد له ابن قبل موته، ولما ولد له حجب الأخ، وأصبح الأخ لا يرث فهل تصح تلك العطية له؟ تصح إن خرجت من الثلث، أو سمح بها الورثة، فهذا معنى قوله: "يعتبر عند الموت كونه وارثا أو لا"؟. يعنى: أنه أوصى له، وهو يرث، وقبل موت الموصي حجب، وأصبح لا يرث، تصح الوصية.

والعكس إذا أصبح وارثا لا تصح، إذا مات ابن الموصي، أو المعطي في حياته، وأصبح الموصى له من الورثة ما صحت تلك الوصية أو العطية.

الترتيب في العطية

قوله: " ويبدأ بالأول فالأول في العطية" وصورة ذلك إذا قال وهو مريض مرضا مخوفا: أعطوا زيدا خمسة آلاف، ثم في اليوم الثاني قال: أعطوا سعدا عشرة آلاف، ثم في اليوم الثالث قال: أعطوا إبراهيم عشرة آلاف، نظرنا إلى الجميع ثمانية عشر ألفا، ثم قُدِّر أنه لما مات حصرنا الثلث، ووجدنا الثلث عشرة آلاف ففي هذه الحال من يأخذ هذه العشرة ؟.

زيد: أوصى له -مثلا- أو أعطاه يوم الجمعة، نعطيه الثلاث آلاف، نبدأ بالأول، وسعد: أوصى له بخمسة آلاف يوم السبت، وقال: أعطوه نعطيه من هذا الثلث الذي هو عشرة آلاف، يبقى عندنا من الثلث ألفان، وعندنا إبراهيم أوصى له بعشرة آلاف ما بقي له إلا ألفان، خذ هذين الألفين هذه بقية الثلث، إذا قال: لماذا أعطيتموهم تماما، وما أعطيتموني إلا القليل؟.

فالجواب: لأنهم قبلك؛ لأنه تبرع لهم قبل أن يتبرع لك، فليس لك إلا بقية الثلث، وهكذا يقال، لماذا؟ لأن العطية تنفذ في الحياة، وإنما منعنا إخراجها؛ لأنه مريض فإن شفي من مرضه أعطاهم ما يريدون أو منعهم؛ لأن العطية والهبة لا تلزم إلا بالقبض، وأما إن مات فإنها ترجع إلى الثلث، فإن خرجت أعطياتهم كلها من الثلث أخذوها، وإن كان الثلث قليلا لم يخرج منه إلا الثلث، ويبدأ بالأول الذي هو زيد، يعطى ثلاثة الآلاف، ثم سعد يعطى خمسة الآلاف، ثم يبقى لإبراهيم من الثلث ألفان فليس لك إلا ذلك.

فهذا معنى: "ابدءوا بالأول فالأول في العطية" بخلاف الوصية، فإنهم يستوون لو قال: إذا مت فأعطوا زيدا ثلاثة آلاف، ثم قال بعد يوم: وأعطوا سعدا خمسة آلاف، ثم قال بعد يوم: وأعطوا إبراهيم عشرة آلاف، نظرنا إذا المجموع ثمانية عشر ألفا، ووجدنا الثلث تسعة آلاف، ففي هذه الحال ماذا نفعل؟ يسوى بينهم في الوصية، كيف التسوية؟ يعطى كل منهم بقدر حصته، ننظر في الثلث إذا هو تسعة آلاف، والوصايا ثمانية عشر ألف، ما نسبتها؟ النصف، فنقول: لك يا زيد ألف ونصف، ولك يا سعد ألفان ونصف، ولك يا إبراهيم خمسة، هذا هو الثلث، يبدأ بالأول فالأول في العطية، ويستوي المتقدم والمتأخر في الوصية.

الرجوع في العطية

العطية لا يصح الرجوع فيها؛ وذلك لأنه تبرع بها، وإنما منعنا إخراجها انتظار أن يموت فتخرج من الثلث، أو يشفى فيخرجها، فهو -مثلا- إذا قال وهو مريض: لك يا سعد هذه السيارة، ولك يا عمرو هذه الأرض، ولك يا إبراهيم هذه النقود المصرورة، وهو مريض، في هذه الحال لا تنفذ، لا، ولكن قُدِّر أنه شفي، ونحن قد منعناهم من أن يستلموها، فهل له أن يرجع؟ ليس له ليرجع في العطية، والعائد في هبته كالعائد في قيئه، وإن كانت لا تلزم -كما تقدم- إلا بالقبض، ولكن هذا قد تبرع بها، وأصبحت كأنها ملك له؛ فليس له الرجوع، بخلاف الوصية فإن له الرجوع.

إذا قال: إذا مت فأعطوا زيدا هذه السيارة، وأعطوا سعدا هذه العمارة، وأعطوا بكرا هذه القطعة من الأرض، ثم شفي فهل يلزم إعطاؤهم؟ لا يلزم، له أن يرجع؛ وذلك لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت، فله أن يرجع في الوصية، ولا يرجع في العطية، ثم إذا قدر أنه قال: أعطوا زيدا هذه الشاة وهو مريض، وأعطوا سعدا هذه الناقة، وهو مريض، فكل منهم قال: قبلت، ولكن منعناهم من أخذها مخافة ألا تخرج من الثلث، فولدت الشاة، ونتجت الناقة ثم مات، وخرجت عن الثلث، في هذه الحال الولد - ولد الناقة- والشاة هل يكون تركة أو يكون للمعطى؟ يكون للمعطى؛ وذلك لأنها دخلت في ملكه من وقت القبول، فهذا معنى يعتبر قبولها عند وجودها، كانت موجودة فلما اعتبر قبولها صار نماؤها تبعا لها.

وهكذا لو قال: أعطوا زيدا هذه النخلة، ثم لم يمت حتى حملت، وزيد قد قبلها، ولما مات طالبه الورثة بالحمل فهل لهم ذلك؟ ليس لهم، لو قالوا: إنها ما حملت إلا بعد الموت، أو قبل الموت، فالجواب: أنها تلزم بالقبول، والقبول قد حصل.

وهكذا لو كانت دارا، أعطوا زيدا هذه الدار، وأعطوا عمرا هذا الدكان وقبل كل منهما، ولكن ما سلمناها مخافة أن يموت، ولا تخرج من الثلث، ولما مات، وإذا هي قد أجرت الدار -مثلا- بعشرة آلاف، والدكان -مثلا- بخمسة ففي هذه الحال نقول: إنه -والحال هذه- الأجرة للمعطى؛ لأنها خرجت من الثلث، وملكها من وقت القبول، فهذا معنى: يعتبر قبولها عند وجودها.

إثبات ملكية العطية:

وكذلك قوله: "يثبت الملك فيها من حينها" إن قيل: إنه من حين العطية، وقيل: من حين القبول، ما الفرق بين القولين؟ لو أنه قال -مثلا لو قال-: أعطو زيدا الدكان، ثم لما قاله ما قال زيد قبلت إلا بعد الموت، فلا يثبت الملك إلا بعد الموت، وليس له الأجرة قبل القبول، بل أجرة الدكان للورثة، وله عين الدكان، وله قسطه من الأجرة بعد القبول.

وأما إذا قلنا: إن الملك يثبت بعد القبول أو قبل القبول يثبت من حين العطية، ففي هذه الحال له أجرته أجرة هذا الدكان، بمعنى أنه إن قال: أعطوه هذا الدكان، قال ذلك في شهر محرم، وزيد ما قال قبلت إلا في شهر رجب، بعد نصف سنة، والموصي أو المعطي ما مات إلا في ذي الحجة، بعد سنة، فالصحيح أن أجرة نصف السنة قبل القبول للورثة، والنصف الثاني للمعطى، والملك يثبت من حين القبول، وأما الوصية فإنها لا تثبت إلا بعد الموت لو قال الموصى له قبلت، ثم قال الموصي: رجعت ملك الرجوع...


(1) أبو داود : الديات (4512).
(2) مسلم : الزكاة (1072) , والنسائي : الزكاة (2609) , وأبو داود : الخراج والإمارة والفيء (2985).
(3) ابن ماجه : الأحكام (2387).
(4) ابن ماجه : الأحكام (2387).
(5) البخاري : الشهادات (2650) , ومسلم : الهبات (1623) , والنسائي : النحل (3681) , وأبو داود : البيوع (3542) , وأحمد (4/270).
(6) سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:11
(7) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2621) , ومسلم : الهبات (1622) , والترمذي : البيوع (1298) , والنسائي : الرقبى (3710) , وأبو داود : البيوع (3538) , وابن ماجه : الأحكام (2385) , وأحمد (1/250).
(8) البخاري : الحيل (6975) , ومسلم : الهبات (1622) , والترمذي : البيوع (1298) , والنسائي : الرقبى (3710) , وأبو داود : البيوع (3538) , وابن ماجه : الأحكام (2385) , وأحمد (1/250).
(9) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2587) , ومسلم : الهبات (1623) , وأبو داود : البيوع (3542).
(10) ابن ماجه : التجارات (2291).
(11) ابن ماجه : الأحكام (2340) , وأحمد (5/326).
(12) سورة الطلاق (سورة رقم: 65)؛ آية رقم:6
(13) سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:12
(14) سورة النساء (سورة رقم: 4)؛ آية رقم:141
(15) النسائي : الزكاة (2567) , وأبو داود : الزكاة (1672) , وأحمد (2/99).
(16) أبو داود : البيوع (3416) , وأحمد (5/315).
(17)
(18) أحمد (5/424).
(19) البخاري : الهبة وفضلها والتحريض عليها (2597) , ومسلم : الإمارة (1832) , وأبو داود : الخراج والإمارة والفيء (2946) , وأحمد (5/423) , والدارمي : الزكاة (1669).
(20) البخاري : الحيل (6979) , ومسلم : الإمارة (1832) , وأبو داود : الخراج والإمارة والفيء (2946) , وأحمد (5/423) , والدارمي : الزكاة (1669).
(21) البخاري : الزكاة (1419) , ومسلم : الزكاة (1032) , والنسائي : الوصايا (3611) , وأبو داود : الوصايا (2865) , وأحمد (2/231).
(22) الترمذي : الوصايا (2120) , وأبو داود : البيوع (3565) , وابن ماجه : الوصايا (2713).
(23) البخاري : المرضى (5659) , ومسلم : الوصية (1628) , والترمذي : الوصايا (2116) , والنسائي : الوصايا (3628) , وأبو داود : الوصايا (2864) , وأحمد (1/176) , ومالك : الأقضية (1495) , والدارمي : الوصايا (3196).
(24) البخاري : الوصايا (2742) , ومسلم : الوصية (1628) , والترمذي : الوصايا (2116) , والنسائي : الوصايا (3628) , وأبو داود : الوصايا (2864) , وأحمد (1/176) , ومالك : الأقضية (1495) , والدارمي : الوصايا (3196).
(25) النسائي : الاستعاذة (5493) , وأبو داود : الصلاة (1554) , وأحمد (3/192).
(26) أحمد (2/443).