موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق - شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 أقسام المياه
 فصل كل إناء طاهر
 جلد الميتة
 فصل في الاستنجاء والاستجمار
 فصل في السواك وتوابعه
 الوضوء
 فصل في فرائض وسنن الوضوء
 فصل في المسح على الخفين
 فصل في نواقض الوضوء
 الغسل
 فصل في موجبات وسنن الغسل
 التيمم
 فصل ما يصح به التيمم
 من شروط صحة التيمم طلب الماء
 نية التيمم
 تأخير التيمم رجاء وصول الماء
 عدم الماء والتراب أو لم يمكنه استعمالهما
 إزالة النجاسة
 الدهن المتنجس
 يسير الدم
 فصل في الحيض
 كتاب الصلاة
 وجوب الصلوات الخمس
 تأخير الصلاة
 تارك الصلاة جحودا
 فصل في الأذان والإقامة
 حكم الأذان والإقامة وكيفيتهما
 الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر
 فصل في شروط صحة الصلاة
 باب صفة الصلاة
 مكروهات الصلاة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في سجود السهو
 فصل في صلاة التطوع والقنوت
 الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
 فصل في صلاة الجماعة
 فصل في الإمامة وما يلحقها
 فصل في صلاة المريض
 فصل في صلاة القصر والجمع
 صلاة الخوف
 فصل في صلاة الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء
 كتاب الجنائز
 ما ينبغي للمسلم من لدن المرض إلى الوفاة
 فصل في غسل الميت
 تكفين الميت
 فصل في الصلاة على الميت ودفنه
 زيارة القبور والتعزية
 كتاب الزكاة
 ما تجب فيه الزكاة وشروطها
 نصاب الزكاة
 زكاة المكيل
 فصل في زكاة الذهب
 فصل في زكاة الفطر
 فصل في شروط إخراج الزكاة وأصنافها
 صدقة التطوع
 كتاب الصيام
 ما يثبت به شهر رمضان
 الأعذار المبيحة للفطر
 النية في الصيام
 المفطرات وأحكامها
 مكروهات الصوم
 سنن الصوم
 فصل ما يسن صومه من الأيام وما يحرم
 فصل في أحكام الاعتكاف ولواحقه
 كتاب الحج والعمرة
 شروط وجوب الحج والعمرة
 شروط حج المرأة
 موت القادر على الحج قبل أن يحج أو يعتمر
 سنن الإحرام
 أقسام الحج
 التلبية
 الإحرام قبل الميقات
 فصل في مواقيت الحج
 محظورات الإحرام
 إحرام المرأة
 فصــل في الفدية
 حرمة مكة والمدينة
 باب دخول مكة
 صفة الحج والعمرة
 فصل في أركان وواجبات الحج والعمرة
 الفوات والإحصار
 فصل في الأضحية
 العقيقة
 كتاب الجهاد
 حكم الجهاد وشرطه
 الغنيمة
 فصل في عقد الذمة
 كتاب البيع وسائر المعاملات
 شروط البيع
 أقسام الخيار
 ربا الفضل
 ربا النسيئة
 بيع الأصول وبيع الثمار
 السلم وشروطه
 أحكام القرض
 أحكام الرهن
 أحكام الضمان
 أحكام الحوالة
 الصلح
 أحكام الجوار
 أحكام الحجر
 الوكالة
 الشركة
 المساقاة والمزارعة
 الإجارة
 المسابقة
 العارية
 الغصب والضمان
 الشفعة
 الوديعة
 إحياء الموات
 الجعالة
 اللقطة
 اللقيط
 كتاب الوقف
 تعريف الوقف ودليل مشروعيته
 صيغ الوقف القولية:
 شروط الوقف
 الوقف على غير المسلم
 العمل بشرط الواقف
 مصرف الوقف
 الوقف على الأبناء
 الوقف على مجموعة
 كتــاب الهبـــة
 حكم الهبة وألفاظها
 هبة الثواب
 هبة الوالد لأبنائه
 هبة الأب لبعض أبنائه في حياته
 الرجوع في الهبة
 تملك الأب لمال ولده
 فضل الهدية
 الهدية المحرمة
 هدية المريض
 الترتيب في العطية
 الرجوع في العطية
 إثبات ملكية العطية
 أحكام الوصية
 الوصية لوارث
 الوصية بالخمس
 صيغ الوصايا
 مقدمة الوصية
 الوصية فيما دون الثلث
 الوصية فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة
 عدم وفاء الوصية بالموصى لهم
 تقدم الواجبات والديون في التركة
 ما تصح به الوصية
 الحادث بعد الوصية:
 الوصية بالأنصباء
 الوصية على معصية
 شروط الموصى إليه
 شروط الموصى به
 مات بمحل ليس فيه حاكم
 تجهيز الميت من تركته
 كتـــاب الـفـرائـض
 تعريف الفرائض
 أسباب الإرث
 ميراث المطلقة
 الولاء
 ميراث العبد لسيده
 موانع الإرث
 أركان الإرث
 شروط الإرث
 أقسام الورثة
 ما يتعلق بالتركة
 أصحاب الفروض
 من هم أصحاب الفروض
 أصحاب النصف
 أصحاب الربع
 أصحاب الثمن
 أصحاب الثلثين
 أصحاب الثلث
 تقسيم المال بين الجد والإخوة
 الجد مع الإخوة والأخوات
 الـحجـب
 حجب الحرمان
 حجـب النقصـان
 التعصــيب
 العصبة بالنفس
 العصبة بالغير
 الأخ المبارك
 العصبة مع الغير
 العول وحساب الميراث
 الـرد
 ميراث ذوي الأرحام
 ميراث الحمل
 كتـاب العتـق
 تعريف العتق وفضله
 إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق
 الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق
 ترغيب الشارع في العتق
 الوصية بالعتق
 التدبير
 المكاتبة
 بيع المكاتب
 عتق أم الولد
 ولاء المعتق
 كتاب النكاح
 حكم النكاح وحكمة مشروعيته
 الترغيب في النكاح
 تعدد الزوجات
 الترغيب في ذات الدين
 الترغيب في البكر
 النظر إلى المخطوبة
 حرمة الخلوة بالمخطوبة
 النظر إلى المحارم ونظر النوع للنوع
 التصريح بخطبة المعتدة
 خطبة المسلم على خطبة أخيه
 أركان النكاح
 تعريف النكاح:
 شروط النكاح
 شروط الولي
 المحرمات في النكاح
 حرمة الكافرة وحل الكتابية
 حرمة زواج الحرة من عبدها
 الشروط في النكاح
 الشروط التي تبطل عقد النكاح
 نكاح الشغار
 نكاح المحلل
 نكاح المتعة
 النكاح المعلق
 العيوب التي يفسخ بها النكاح
 الصــداق
 تعريف الصداق واستحباب تيسيره
 ما يصح أن يكون مهرا
 تسمية المهر
 تأجيل الصداق
 تملك المرأة صداقها
 وجوب مهر المثل
 ميراث كل من الزوجين للآخر
 الصداق بعد الطلاق
 الصداق في وطء الشبهة
 منع المرأة نفسها قبل قبض صداقها
 وليمة العرس
 إجابة الدعوة
 إعلان النكاح والضرب عليه بالدف
 المعاشرة بالمعروف
 السفر بالزوجة
 حق الزوجة في مسكن مستقل
 العدل بين الزوجات
 نشوز الزوجة
 الخلع
 التكييف الفقهي للخلع
 الرجعة بعد الخلع
 العوض في الخلع
 خلع زوجة الصغير
 كتاب الطلاق
 مقدمة
 تعريف الطلاق
 حكم الطلاق
 الذي يصح منه الطلاق
 متى لا يقع الطلاق
 التوكيل في الطلاق
 طلاق السنة وطلاق البدعة
 الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة
 الطلاق له صريح وله كناية
 كم يملك من الطلقات
 الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات
 مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق
 إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام
 فصل تعليق الطلاق بالشروط
 ما يقطع الشرط والاستثناء
 الطلاق المعلق بشرط يقع متى وقع الشرط
 شك في طلاق أو ما علق عليه
 أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار
 أقسام فراق الرجل لامرأته
 فصل الطلاق الرجعي وأحكام الرجعة
 إذا طلق الحر ثلاثا والعبد اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره
 فصل في الإيلاء
 فصل في الظهار وما يتعلق به
 فصل في اللعان
 باب العدد
 العدة وأقسامها
 الإحداد وتوابعه
 فصل في الرضاع
 باب النفقات
 تعريف النفقة وتحديدها
 متى تسقط نفقة الزوجة
 النفقة على الأقارب
 امتنع من وجبت عليه النفقة
 مقدار النفقة
 النفقة على الرقيق
 نفقة البهائم
 المملوك إذا طلب الزواج
 الحمل على الدواب
 فصل في الحضانة
 الأولى بالحضانة
 ما يشترط في الحاضن
 من لا تثبت له الحضانة
 إذا بلغ الطفل سبع سنين خير بين أبويه
 ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ويصلحه
 كتاب الجنايات
 أهمية كتاب الجنايات وتعريفها
 تحريم القتل
 أقسام القتل
 اجتماع الجماعة على قتل الواحد
 شروط القصاص
 شروط استيفاء القصاص
 كيفية استيفاء القصاص
 ما يجب بقتل العمد
 شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس
 سراية الجناية
 على من تجب الدية
 مقادير الدية
 دية الحر المسلم
 دية قتل العمد وشبه العمد
 دية الأنثى
 دية الكتابي الحر
 دية الرقيق
 دية الجنين الحر
 دية ما في الإنسان منه واحد
 دية ما في الإنسان منه اثنان
 دية ذهاب الحواس
 دية الشجاج
 العاقلة التي تتحمل الدية
 كفارة القتل الخطأ وشبه العمد
 تعريف القسامة وشروطها
 كتاب الحدود
 تعريف الحدود وأهميتها
 شروط إقامة الحدود
 إقامة الإمام للحدود
 كيفية استيفاء الحدود
 مات وعليه حد
 حد الزنا وشروطه
 حد القذف وشروطه
 حد التعزير
 حد الإسكار
 تحريم الخمر
 عقوبة شارب الخمر
 شروط شارب الخمر
 حد السرقة
 شروط حد السرقة
 السرقة من غير حرز
 السرقة زمن المجاعة
 حد قطاع الطريق
 عقوبة قطاع الطريق
 إثبات حد قطاع الطريق
 توبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه
 دفع الصائل
 حكم البغاة
 أحكام المرتد
 تعريف المرتد وحكمه
 الأسباب التي توجب حد الردة
 توبة المرتد
 شروط التوبة
 أحكام الأطعمة
 الأطعمة المحرمة
 أكل المحرم للمضطر
 آداب الضيافة
 أحكام ذكاة الحيوان
 تعريف الذكاة وما تجوز فيه الذكاة
 شروط الذكاة
 ذكاة الجنين
 مكروهات الذبح
 سنن الذبح
 أحكام الصيد
 تعريف الصيد وشروطه
 الأيمان
 تعريف الأيمان ولماذا سميت يمينا
 أنواع الحلف
 كفارة اليمين
 شروط وجوب كفارة اليمين
 حلف ألا يطأ أمته
 متى تجب الكفارة
 مقدار كفارة اليمين
 النية في اليمين
 النذر
 تعريف النذر
 حكم النذر
 أنواع النذر المنعقد
 كتاب القضاء
 أهمية القضاء بين الناس
 حكم نصب القضاة
 الولاية العامة والولاية الخاصة
 شروط تولية القاضي
 لزوم حكم المحكم
 صفات القاضي
 تعريف الدعوى وشروطها
 الشهادة في الحقوق
 شروط الشهود
 تزكية الشهود
 القضاء على الغائب
 كتاب القاضي إلى القاضي
 القسمة
 تعريف القسمة
 أنواع القسمة
 كتاب الشهادات
 حكم تحمل وأداء الشهادة
 أخذ الأجرة على الشهادة
 كيفية الشهادة
 شروط الشاهد
 عدد الشهود
 الشهادة على الشهادة
 قبول الشهادة على الشهادة
 كيفية تحميل الشهادة وشروطها
 الخطأ في الفتوى أو في القضاء
 كتاب الإقرار
 تعريف الإقرار والحكم به
 من يجوز إقراره
 الرجوع في الإقرار
شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد - إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق

كتـاب العتـق

تعريف العتق وفضله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كتاب العتق: يُسَنُّ عتق من له كسب، ويكره لمن لا قوة له ولا كسب، ولا تصح الوصية به؛ بل تعليقه بالموت وهو التدبير، ويعتبر من الثلث، وتسن كتابة من علم فيه خيرا وهو الكسب والأمانة، وتكره لمن لا كسب له، ويجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتبه، فإن أدى عتق، وولاؤه لمنتقل إليه، وأم الولد تعتق بموت سيدها من كل ماله، وهي من ولدت ما فيه صورة، ولو خفية من مالك، ولو بعضها أو محرمة عليه أو من أبيه إن لم يكن وطئها الابن، وأحكامها كأمة إلا فيما ينقل الملك في رقبتها أو يراد له، ومن أعتق رقبة أو عتقت عليه فله عليها الولاء، وهو أنه يصير عصبة لها مطلقا عند عدم عصبة النسب.


السلام عليكم ورحمة الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه .

العتق: هو إزالة الرق، أو هو تحرير الرقاب وإزالة الرق عنها.

يقول: "يُسَنُّ عِتْقُ مَنْ له كَسْب". السنة أو السنن ما فيها أجر وثواب، وقد ورد ما يدل على عظم الأجر، مشهور قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: « من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه »(1) . وهذا دليل على فضل العتق. الأصل أن الرق إنما يجوز لأجل الكفر، يقولون في تعريف الرقيق:

الرق: هو عجز حُكْمي يقوم بالإنسان سببه الكفر. هكذا عرفوه، هو عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر؛ وذلك لأن الكفار تعبدوا لغير الله، وعبدوا غيره، وصاروا عبيدا للشيطان.

ومن عبد غير الله فإنما يعبد الشيطان، فيصيرون عبيدا للشيطان، وإذا كان كذلك فإن الله أباح استرقاقهم إذا استولى عليهم المسلمون، فإنه يجوز استرقاقهم واستعبادهم ويكونون ملكا لمن استولى عليهم؛ وذلك لأنهم لما خرجوا عن عبودية الله، وبُلُوا برق النفس والشيطان كان من أثر ذلك أن أباح الله استرقاقهم، وأنهم يكونون من ملك اليمين، نساؤهم يملكهن من استولى عليهن، ورجالهم كذلك.

إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق

فالمملوك يصير رقيقا لمن كان تحت يده، فيستخدمه، ويلزمه بما يلتزم به، وكذلك الأمة، يستخدمها ويطؤها كَسُرِّية تكون حلالا له، لقول الله تعالى: ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (2) فجعل ملك اليمين حلالا يستمتع بها.

ولما أباح الله تعالى الرق أمر بمعاملة الأرقاء معاملة حسنة، وورد في حديث « أن أبا ذر سَبَّ رجلا كأنه مملوك أو أمه، فعيره بأمه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أعيرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية، هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليلبسه مما يلبس، وليطعمه مما يطعم، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم »(3) .

وقد أمر الله -تعالى- بحسن الملكة، وجعل للمماليك حقا من الحقوق العشرة، في آية الحقوق العشرة، وهي قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (4) .

فجعل لهم حقا، أي: أحسنوا إليهم، جعل لهم حقا مع الوالدين والأقربين ونحوهم، فإذا كان كذلك دَلَّ على أن الإسلام جاء بالإحسان إليهم.

الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق

واشتهر في هذه الأزمنة أن الكفار والنصارى ونحوهم يعيبون المسلمين، ويقولون: تستخدمون أخاكم الذي هو رجل مسلم مثلكم؟ تستخدمونه وتجعلونه كسلعة، وتبيعونه وتشترونه كأنه بهيمة؟!، هذا لا يبيحه العقل، هذا لا يجيزه إنسان ذو عقل! فعابوا على المسلمين أنهم يبيحون الرق، وأنهم يجيزون أن يملك الإنسان إنسانا، وأن يستخدمه.

والجواب: أولا: أنه ما استُبِيحَ إلا لأنه أصلا كان عبدا للشيطان، كافرا بالله تعالى، فلما كان كافرا أباح الله للمسلمين إذا تغلبوا عليه أن يسترقوه، وأن يجعلوه مملوكا لهم بدل ما كان عبدا للشيطان، وعابدا للهوى والنفس والشيطان.

ثانيا: معلوم أنهم إذا استولوا على النساء وعلى الأولاد فإنهم يستولون عليهم، ويكونون مماليك، وأما الرجال والأكابر فقد يُخَيَّرُون إذا استولوا عليهم بين أربعة أشياء: بين أن يكونوا أرقاء ولو كانوا كبارا، وبين القتل؛ لأنهم كفار، وبين المَنّ عليهم، وبين أخذ الفدية.

قال الله تعالى: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً (5) بعد قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ (5) يعني: أوثقوهم وأسروهم ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً (5) .

فخيرهم بين المن وبين الفداء، لما أُسِرَ الذين أسروا في غزوة بدر مَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم- على بعضهم، وفادَى ببعضهم، وقتل بعضهم، وكذلك استرقَّ بعضهم، فكان هذا هو الذي جاء به الإسلام.

معلوم أنه إذا كان رقيقا وهو كافر، فإن صاحبه الذي هو في ملكه قد يبيعه، فتشتريه أنت وتبذل ثمنه، فإذا أسلم بقي مملوكا، لا يضيع مالُكَ الذي بذلته فيه، فيبقى على رقه بعدما أسلم؛ وذلك لأنه أصبح مملوكا وأصبح مالا مُتَمَوَّلا، ولو كان من أسلم تحرر ضاعت أموال كثيرة.

المسلمون يتبادلون هؤلاء الأرقاء، فيبيع هذا ويشتري هذا، فإذا اشتراهم وهم أرقاء ما أسلموا بقوا على رقهم، صار له أن يستخدمهم، وله أن يبيعهم، وله أن يعتقهم.

ترغيب الشارع في العتق

وقد جاءت الأدلة تحث على كثرة العتق، وجُعِلَ ذلك في كفارات الذنوب، جعل الله في كفارة الظهار، جعل الله فيه تحرير الرقبة، بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (6) .

تحريرها: يعني: عتقها، وذلك من الحرص على أن الرقاب التي أسلمت يزول الرق عنها.

وكذلك في كفارة القتل ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (7) جاء في هذه الآية ﴿ مُؤْمِنَةٍ (7) في ثلاثة مواضع ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (7) .

﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (7) فذكر الله تعالى الرقبة المؤمنة في ثلاثة مواضع من هذه الآية، فيُحْمَلُ قوله في سورة المجادلة ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (6) على أنها مؤمنة؛ لأن الأجر فيها.

وكذلك في كفارة اليمين، لقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ (8) ثم قال: ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ (8) ثم قال: ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (8) فالرقبة هنا أيضا أُطْلِقَتْ، ولكن حُمِلَ المطلق على المقيد؛ لأن الأجر يكون في تحرير الرقبة المؤمنة، فلا بد وأن تكون مؤمنة.

وكذلك في كفارة الوطء في نهار رمضان، جاء في السنة الأمر بعتق رقبة مؤمنة.

ثم -أيضا- ورد الحرص على تحرير الرقاب، ومن ذلك أن من قطع عضوا من عبده فكفارته أن يعتقه، أو لَطَمَه.

في حديث النعمان بن مقرّن يقول: « كنا عشرة إخوة -أو تسعة- ليس لنا إلا خادمة واحدة تخدمنا، مملوكة، فلطمها أصغرنا، فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أعتقوها »(9) .

يعني: كفارة تلك اللطمة أنها تعتق، أمر بإعتاقها.

كذلك -أيضا- ورد عن أبي مسعود أنه سمعه النبي-صلى الله عليه وسلم- « سمعه وهو يضرب عبدا له، فقال: اعلم -أبا مسعود- أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام. فلما رأى النبي-صلى الله عليه وسلم- أعتق ذلك الغلام، فقال: لو لم تفعل للفحتك النار »(10) يعني: على ضربك له.

وورد -أيضا- النهي عن التمثيل بالمملوك في حديث: « مَنْ لَطَمَ عبده لطمناه، ومَنْ مَثَّلَ بعبده فإنه يُعْتَق، ومَنْ جَدَعَ عبده جدعناه »(11) .

من لطم عبده لطمناه يعني: عقوبة له على هذا الفعل.

كما جاء الأمر بإحسان المَلَكَة، إحسان الملكة يعني: الإحسان إلى المملوك، حتى ورد في حديث: « إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فليجلسْه معه ليأكل؛ فإنه ولي حره وعلاجه، فإن لم يفعل فليناوله لقمة أو لقمتين »(12) .

بمعنى: أنه -عادة- السيد يكون له الطعام الحسن الشهي، والذي يتولى إصلاحه هو عبده، فإذا جاءه به فعليه أن يطعمه معه، أن يُجْلسه معه.

وقد عمل بذلك أبو ذر لما أنه « عيّر رجلا بأمه، فقال-صلى الله عليه وسلم-: أعيرته بأمه؟ هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم »(13) .

فكان أبو ذر إذا لبس حلة ألبس مملوكه مثلها، ويساويه بنفسه، إذا اشترى حذاء اشترى لعبده مثله، إذا اشترى عمامة اشترى لعبده مثلها، وكذلك أيضا يواسيه، فلا يأكل إلا معه، يواسيه في الأكل، ويواسيه في الشرب، وفي اللباس، وما أشبه ذلك؛ كل ذلك حرصا منه على حفظ وصية النبي-صلى الله عليه وسلم-: « فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم »(14) .

ومن الوسائل لعتق الرقاب عتق من أعتق بعضه، ورد في حديث: « من أعتق شركا له في عبد قُوِّمَ عليه قيمة عدل لا وقص ولا شطط »(15) فأعطى شركاءه حصصهم وإلا عتق منه ما عتق.

صورة ذلك: إذا كان عبد مشترك بين خمسة، فأعتق أحدهم نصيبه الخمس، ألزمناه بأن يشتري بقية أربعة الأخماس، نُقَوِّمَ العبد بثمن متوسط فيشتريه يعطي كل واحد منهم حصته وثمنه حتى يكون العبد حرا، ويكون ولاؤه له.

فإن لم يكن له مال، فإن العبد يكون مُبَعَّضا يعتق منه جزأه الذي أعتقه ذلك المعتق، وهو أحد الشركاء، أما إذا كان له مال يقدر على أن يشتري أنصبة شركائه فإن عليه أن يشتريه.

ثم إن استحباب العتق خاص بمن له كسب، من إذا أعتقته قدر على أن يكتسب أموالا ويغني نفسه، هكذا استحبوا.

فالحاصل أن مسألة الرق من محاسن الإسلام؛ الدول الأخرى إذا استولوا على النساء وعلى الأطفال وعلى الرجال، إذا تغلبوا عليهم حصدوهم حصدا، قتلوا الأطفال، وقتلوا النساء ونحوهم، ولا شك أن إبقاءهم مماليك أفضل من قتلهم، وكذا من إيداعهم في السجون، وإطالة سجنهم، فإنهم إذا كانوا مماليك ينفعون غيرهم، ويخدمون أهلهم، فينتفعون بالحياة، ويريحهم السيد من كَدّ التعب والكسب، ويقوم بكفايتهم ويعطيهم ما يحتاجون إليه، فأيهما أفضل؟

ذلك أن قتلهم كما تفعله الدول الكافرة، يعيبوننا ويقولون: كيف تستحلون ملكية الإنسان وتجعلونه كسلعة، ولا يفكرون في حالتهم هم؛ حيث أنهم يقتلون الأطفال ونحو ذلك، ويقتلون الرجال ويودعونهم في السجون مدة طويلة، فأيهما أفضل لهؤلاء المشترَين المستولَى عليهم؟

لا شك أن كونهم يبقون أحياء ينفعون أنفسهم وينتفعون، قد يتعرضون لأن يكونوا عتقاء يعتقهم من استولى عليهم، ذلك بلا شك خير.

ثم في القرن الماضي، في أول القرن الرابع عشر وفي آخر القرن الثالث عشر كان هناك أناس يسرقون بعض الأطفال، ويبيعونهم على أنهم مماليك، يأتون إلى بعض البلاد التي فيها شيء من الجوع ونحوه، كالسودان أو الحبشة، وتلك البلاد، ثم يستدعون بعض الأولاد الذي في سن العاشرة والحادية عشر، ويختطفونه يطعمونه ويكسونه، ويقولون: اذهب معنا ونحن نطعمك ونعطيك ونحو ذلك، يذهب معهم ويعتقد أنهم سوف يحسنون إليه، فيأتون إلى هذه البلاد ويبيعونه على أنه مملوك.

وكثر بيع هؤلاء الذين ليسوا مماليك؛ وإنما هم أحرار، فلما كثر بيعهم وقَلَّ أو انقطع الجهاد من عشرات السنين رأت الحكومة في هذه البلاد أن أكثر هؤلاء المماليك ملكيتهم ليست صحيحة، وأنهم مظلومون، وأنهم قد بِيعُوا وهم أحرار، فرأتْ الحكومة تحريرهم في سنة ست وثمانين، وصدر الأمر بتحرير كل الرقاب الموجودين في المملكة، وتعويض أهاليهم عنهم، ولو كان عند أحدهم عشرة أو عشرون إذ دفعت الحكومة قيامهم وتحرروا، ولم يبقَ في هذه البلاد أرقاء، ولكن إذا حصل قتال مع الكفار، ثم حصل الاستيلاء على سبيهم فإن الرق يعود، وهذا هو الأصل؛ لأن أصله الاستيلاء على سبي المشركين؛ أطفالهم ونسائهم ونحو ذلك.

فإذا قوتل -مثلا- اليهود واستولي على سبيهم، فلا شك أنهم يكونون أرقاء، وكذلك إذا استولي على سبي بعض المشركين والكفار، لو مثلا أن المجاهدين في الأفغان أو في الشيشان يستولون على سبي من سبي الكفار، الذين هم شيوعيون كفرة، فإنهم يُسْتَرَقون، ولكنهم لم يتجرءوا على السبي، فلأجل ذلك من استولوا عليه قتلوه مع أنه ورد النهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب؛ وذلك لأنهن لا يقاتلن.

وكما ذُكر أن « في غزوة وجدوا امرأة مقتولة فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ما كانت هذه لتقاتل »(16) .

من هذا إذا استولى المسلمون في حرب من الحروب الإسلامية -التي هي ضد الكفار- استولوا على سبيهم نساء وأطفال، فإنه لا يجوز قتل النساء والأطفال؛ بل إما أن يَمُنُّوا عليهم، وإما أن يسترقوهم، وإما أن يفادوا بهم ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً (5) .

ذكر -أيضا- أنه يُكْرَه عتق من لا قوة له ولا كسب؛ لأن الأرفق به أن يبقى عند سيده، ينفق عليه، فإذا كان هناك مملوك كبير السن، إذا أعتقه من الذي ينفق عليه لكبر سنه وعجزه؟ لا قوة له، وليس له قدرة على الكسب، فبقاؤه في رق سيده ينفق عليه ويقوم بكفايته أولى به، أولى من العتق وأفضل، مع أن العتق فيه هذا الأجر الكبير.

الوصية بالعتق

ولا تصح الوصية بالعتق، يعني: لا يصح أن يقول: أوصيت بعتق فلان رقيقي. قد تقدم أنه تصح الوصية للعبد بجزء مشاع من المال، كما تقدم في الوصايا كثلثه، يقول: إذا مت فأعطوا ثلث مالي لعبدي سعيد. فإذا قَدَّروا ثلث ماله أنه مائة بما فيها العبد، وقيمة العبد مائة عُتِقَ كله، وإذا قدر أن قيمة العبد مائة وثلث المال بما فيه العبد مائتان عتق العبد وأخذ مائة.

فأما الوصية به أن يقول: إذا مت فأعتقوه من مال كذا. فهذا لا يصح؛ وذلك لأنه تتعلق به بعد ذلك حقوق الورثة، أما تعليقه بالموت -وهو التدبير- فيصح، يصح التدبير بأن يقول لعبده: أنت حر بعد موتي. أو: أشهدكم أني دبرت هذا المملوك أو هذه الأمة -دبرتها يعني: جعلتها حرة بعد موتي.

التدبير

التدبير: معناه أن يعلق عتقه بموته، إذا مت فعبدي حر؛ لماذا سمي؟ لأنه دبر حياته باستخدام العبد، ودبر ما بعد الموت بحصول الأجر -أجر العتق- ما دام مدبرا فإنه يستنفع به يستخدمه وكسبه له، وإن كانت أمة فله وطؤها؛ لأنها لم تخرج عن ملكه، فيكون بذلك كأنه دبر حياته ودبر ما بعد الموت، هذا تعليقه بالموت وهو التدبير.

وإذا دَبَرَّه وعتق بعد موته عتق من الثلث، إن خرج من الثلث عتق كله، وإن لم يخرج عتق منه بقدر ثلث ماله، إلا أن يجيز الورثة ما زاد على الثلث، هذا المُدَبَّر، في حديث جابر ذكر « أن رجلا أعتق مملوكا له عن دبر، ليس له مال غيره، فباعه النبي-صلى الله عليه وسلم- وأعطاه ثمنه، وقال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها »(17) إلى آخره.

فدل على جواز بيع المدبر، إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي، إذا مت ففلان حر، فإنه يجوز له في الحياة أن يبيعه، وينتفع بثمنه، فإذا باعه بطل التدبير، وإذا دبره وعتقه بعد الموت فإنه لا يعتقه إلا إذا خرج من الثلث، فإن كان ثمنه من الثلث عتقه بقدر الثلث، بما في ذلك قيمته.

المكاتبة

يقول: "وتُسَنُّ كتابة من علم فيه خيرا". هذا يسمى المُكَاتَب، وقد ذكر في القرآن قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (18) وصورة ذلك أن يقول العبد: أنا أشتري نفسي، وأستطيع أن أحرر نفسي، أعمل لك، أعمل لنفسي، وأؤدي دين الكتابة، فيتفق مع سيده على أن يشتري نفسه بثمن مُقَسَّط، يؤدي كل شهر أو كل سنة قسطا إلى أن يؤدي الثمن كله فيعتق، هذا هو المكاتب.

وذلك فيما إذا كان يعلم منه أنه قادر على الكسب، وهذا معنى قوله: ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (18) الخير في الآية الكسب والأمانة فإذا علم بأنه مأمون؛ بحيث أنه لا يهرب، وأنه لا يبقى كَلًّا على الناس، يتكفف الناس، فإنه في هذه الحال يكاتبه إذا طلب العبد، فيقول: قيمتك مثلا عشرة آلاف، وأنا أبيعك نفسك بخمسة عشر، تعطيني كل سنة ألفين حتى تتحرر.

فهذا هو الكتابة، يعني: مكاتبته، فيحرص على أن يؤدي الأقساط، يشتغل بالأجرة أو التجارة، أو يكون له حرفة، صنعة يدوية، أو ما أشبه ذلك، فيؤدي ما لزمه، يؤدي الكتابة التي تلزمه، فإذا تأخر سنة فلسيده أن يُلْغَي الكتابة، ويقول: أنت لست أهلا؛ وذلك لأنك ما عملت بما وعدت، حيث أنك ما أديت الكتابة والدين في حينه، فإذا ألغاه لغى، وعاد قنا.

وهكذا إذا عجز، وجاء إلى سيده وقال: عجزت. فإنه يعود مملوكا له، يعود إلى كونه رقيقا، ورد في حديث: « المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم »(19) .

والحاصل أنه إذا علم فيه خيرا فإنه يكاتبه، وتُكْرَه لمن لا كسب له، ولم يكن له كسب يكون كَلّا على الناس يتسول ويمد كفه إلى الناس، أعطوني أنا أنا، لا شك أن له حق، بل له حق في الصدقه والزكاة، لقول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ (20) .

فُسِّرَتْ الرقاب هنا بأنهم المماليك المكاتبون أن لهم حق في الزكاة، فيعطون حتى يساعدوا على تحرير أنفسهم، فإذا علم فيه خيرا فإنه يعتقه، يكاتبه، وإذا عرف أنه ليس من أهل كسب ولا من أهل قدرة على أداء ما التزم به أو خاف أنه يهرب، فإن الكتابة لا تصح؛ لأنه يساعده على الإفساد كثير من الممالك إذا عتق فسد، حيث يقع في الزنا، ويقع في المسكرات، ويقع في الفواحش وما أشبهها، فبقاؤه مملوكا أولى به.

بيع المُكَاتَب

يقول: "ويجوز بيع المُكَاتَب، ومشتريه يقوم مقام مُكَاتِبِه ". دليل ذلك قصة بريرة أنها « كاتبت أهلها على تسع أواقٍ »(21) الأوقية أربعون درهما، يعني نحو ثلاثمائة وستين درهما، قيمتها يمكن أنها مائتا درهم، ولكن لما كانت مؤجلة زادوا في ثمنها، ولكن « جاءت إلى عائشة تطلب منها أن تساعدها في دين كتابتها، فقالت عائشة: أنا أدفع الثمن على أن يكون الولاء لي، إن أحب أهلك أن أدفع لهم الثمن ويكون ولاؤك لي فعلت. فقال: سألت عائشة النبي-صلى الله عليه وسلم- فأمرها بأن تشتريها ويكون لها الولاء »(22) .

أهلها الذين كاتبوها قالوا: نريد أن يكون الولاء لنا، فقال-صلى الله عليه وسلم-: « ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق؛ وإنما الولاء لمن أعتق »(23) .

جعل الولاء لمن أعتق، وفي هذه الصورة عائشة هي التي أعتقتها، هذا معنى قوله: "يجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتبه".

إذا اشتراه المشتري يمكنه من الاحترار، فإن أدَّى ما عليه عتق، وكان ولاؤه للمشتري، وإن عجز عاد رقيقا، وصار مملوكا للمشتري، إذا أدى عتق وولاؤه لمن انتقل إليه، الذي باعه باع العبد وثمنه وولاؤه.

عتق أم الولد

ذكر بعد ذلك أم الولد تعتق بموت سيدها من كل ماله، أم الولد هي الأمة التي يطؤها سيدها، فتلد منه ولدا واحدا أو عددا، ذكرا أو أنثى، فإنها تصير أم ولد، وسواء كان ذلك الولد حيا أم ميتا، إذا وضعته بعد ما يتبين به خلق الإنسان، يعني: إذا وضعت ما تبين فيه خلق الإنسان، كرأسه وعلامات رأسه؛ عيناه وشفتاه، يعني: يداه ورجلاه، وأصابع يديه ورجليه، وضعت حملا ولو ميتا، يعني قد مضى عليه نحو أربعة أشهر، فإذا وضعته في هذه الحال أصبحت أم ولد.

وما دامت أم ولد فإن حكمها حكم الأمة عند سيدها، له أن يطأها، وله أن يستمتع بها، وله أن يستخدمها، إلا في نقل المُلْكِ؛ فليس له أن يبيعها، ولا أن يهبها لمن يملكها، لماذا؟ لأنه تعلق سبب عتقها؛ وذلك لأنها لما ولدت منه أصبحت قد صار لها من تَمُنُّ عليه وهو ولدها، في هذه الحال إذا مات سيدها عتقت من رأس المال، تعتق بموت السيد من كل المال لا من الثلث.

وذهب بعض العلماء إلى أنها تعتق من نصيب ابنها؛ لأنها ولدته، وسواء واحدا أم عددا، وسواء كان ذكرا أم أنثى، فكأنهم يقولون: إن ولدها يملكها، وإذا ملكها فإنه لا يستخدمها، يعني: بعد موت سيدها؛ بل تعتق عليه.

ذكر من أسباب العتق أن من ملك أي رحم محرم عتق عليه، إذا ملك الإنسان أباه عتقه، أو ملك ابنه عتقه، أو ملك أخاه أو ابن أخيه أو عمه أو خاله، يعني: الذي بينه وبينه مَحْرَمِيَّة بمجرد ما يملكه يعتق، من ملك ذا رحم محرم عتق عليه.

فكأن ابنها ملكها، أو ملك جزءا منها في حالة حياة السيد ليس له الملك، الملك للسيد، أما بعد وفاته فيملكها أولاده من جملتهم ولدها الذي منه واحد أو عدد، وإذا كان ولدها قد ملكها فإنها تعتق من نصيبه. ولكن القول مشهور أنها تعتق من رأس المال، تعتق من جميع التركة، متى مات سيدها عتقت.

تعريفها: من ولدت ما فيه صورة ولو خفية من مالك، يعني: ولدت من الذي ملكها مولودا فيه صورة الإنسان ولو كانت تلك الصورة خفية، يعني: بالتأمل يرى أن هذا رأسه، وأن هذا وجهه، وهذه عيناه، وهذه خلقته ورجلاه ويداه، ويكون ذلك من أساب عتقها، أنها انعقد سبب عتقها من ولادتها ولدا ولو ميتا، ولكن فيه صورة الإنسان ولو خفية، وأن ذلك الولد من سيدها الذي وطئها فأحملها.

يقول: ولو كان يملك بعضها أو كانت محرمة عليه، يعني: لو أن إنسانا وطئ أمة بشبهة، فولدت منه، عتقت، وكذلك لو كانت مشتركة بينه وبين ثلاثة هو رابعهم، وطئها أحدهم، حرام عليه أن يطأها، ولكن بشبهة، حملت منه، وَلَدَتْ، أصبحت أم ولد له، فعليه أن يعطي شركاءه حصصهم، وتبقى مملوكة له، فإن مات عتقت من رأس ماله.

يقول: "أو محرمة عليه". يعني: لكونها مشتركة، أو من أبيه، لو وطئ أمة لأبيه فأولدها، صارت أم ولد له.

يقول: "إن لم يكن وطئها الابن، يحرم على الأب أن يطأ أمة ابنه، ويحرم على الابن أن يطأ أمة أبيه". فإذا قدر أنه حصل، حصل أنه وطئها، وحملت منه أصبحت أم ولد لمن وطئها، يكون أحكامها كأمة، إلا فيما ينقل الملك في رقبتها أو يراد له، يعني: تبقى في حالة حياة سيدها كأنها أمة، يستخدمها ويطؤها، ويستمتع بها، وهي خادمة عنده.

وله أيضا أن يزوجها، وإذا زوجها وولدت أولاد من ذلك الزوج، وأصبحوا ملكا له، فإذا مات عتقت وعتق أولادها؛ لأنه قد انعقد سبب عتقها، فيعتقون معها.

هذا معنى أحكامها كأمة إلا فيما ينقل الملك في رقبتها، يعني: البيع أو الهبة، وكذلك الرهن؛ لأن الرهن يراد للبيع، ليس له أن يرهنها؛ لأنه قد يعسر فيحل الدين، فيبيعها ذلك المرتهن، فلا بد أن يحرص أن لا بد أنه يحافظ عليها، لا يبيعها، ولا يهبها، ولا يرهنها، هذا معنى: "أو يراد له" يعني: يُراد للبيع، يُراد لنقل الملكية.

ثم يقول: "ومن أعتق رقبة أو عتقت عليه فله عليها الولاء، وهو أنه يصير عصبة لها مطلقا عند عدم عصبة النسب".

ولاء المعتق

قد ذكرنا أن الولاء من أسباب الإرث، من الأسباب التي يرث بها، يتوارثون بالولاء، وذكرنا أنهم عرفوه بأن الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، فيرثه هو وورثته المتعصبون بأنفسهم، لا بغيرهم، ولا مع غيرهم؛ وذلك لأنه إذا أعتق هذا العبد، أو تسبب في عتقه -حتى ولو كان كفارة- أصبح ذلك العبد مولى لذلك المعتق، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ (24) إلى قوله: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ (25) .

فسماهم الله إخوانا وموالي، وهم عتقاء، المولى هو الذي يتولَّى إنسانا، يُسَمَّى مولى له، ثم يُطْلَق الولاء على ولاء العتقاء، ويُطْلَق على ولاء الإسلام، يعني: أن هناك من تدعوه فيسلم على يديك، فيكون مولى لك، ينتسب إلى قبيلتك.

من ذلك ما ذكروا أن جد البخاري الذي هو أبو المغيرة كان مجوسيا، دعاه رجل من قبيلة جُعْف، فأسلم على يديه، فصار يقال له: الجعفي، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، جعفي بالولاء، وليس هو ولاء الرق، ولكنه ولاء الإسلام، أسلم على يدي بعض قبيلة بني جعف. وأما ولاؤه، وهذا الولاء لا يحصل به توارث، ولاء الكتابة، ولاء الإسلام، ولا ولاء الموالاة.

عندما يأتي إنسان ضعيف، فينضم إلى قبيلة فيقول: أنا لكم، وأنا منكم. هذا -أيضا- لا يحصل به التوارث، بخلاف ولاء العتق؛ فإنه يحصل به التوارث، ودليله قول النبي-صلى الله عليه وسلم-: « الولاء لمن أعتق »(26) لما أن أعتقت عائشة بريرة، وقد كان أهلها أرادوا العتق الولاء لهم، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: « الولاء لمن أعتق »(26) .

فالرقيق بعد عتقه يصير مولى لمن أعتقه له عليه الولاء، يصير عصبة له مطلقا، يرثه عند عدم عصبة النسب، إذا لم يوجد له أقارب من النسب ورثه معتقه الذي مَنَّ عليه بالعتق.

ويقول: "إذا مات السيد قام مقامه أولاده الذكور دون الإناث، فيكون عصبة له هو وأولاده الذكور دون الإناث".

هذا آخر العتق، ويوم السبت -إن شاء الله- نبدأ في النكاح.


(1) البخاري : الأدب (6087) , ومسلم : الصيام (1111) , والترمذي : الصوم (724) , وأبو داود : الصوم (2390) , وابن ماجه : الصيام (1671) , وأحمد (2/208) , ومالك : الصيام (660) , والدارمي : الصوم (1716).
(2) سورة المؤمنون: 6
(3) البخاري : الإيمان (30) , ومسلم : الأيمان (1661) , والترمذي : البر والصلة (1945) , وأبو داود : الأدب (5157) , وأحمد (5/161).
(4) سورة النساء: 36
(5) سورة محمد: 4
(6) سورة المجادلة: 3
(7) سورة النساء: 92
(8) سورة المائدة: 89
(9) مسلم : الأيمان (1658) , والترمذي : النذور والأيمان (1542) , وأبو داود : الأدب (5167) , وأحمد (5/444).
(10) مسلم : الأيمان (1659) , والترمذي : البر والصلة (1948) , وأبو داود : الأدب (5159) , وأحمد (4/120).
(11) الترمذي : الديات (1414) , والنسائي : القسامة (4738) , وأبو داود : الديات (4515) , وابن ماجه : الديات (2663) , وأحمد (5/19) , والدارمي : الديات (2358).
(12) البخاري : الأطعمة (5460) , ومسلم : الأيمان (1663) , والترمذي : الأطعمة (1853) , وابن ماجه : الأطعمة (3290) , وأحمد (2/483) , والدارمي : الأطعمة (2074).
(13) البخاري : الإيمان (30) , ومسلم : الأيمان (1661) , والترمذي : البر والصلة (1945) , وأبو داود : الأدب (5157) , وابن ماجه : الأدب (3690) , وأحمد (5/161).
(14) البخاري : الإيمان (30) , ومسلم : الأيمان (1661) , والترمذي : البر والصلة (1945) , وأبو داود : الأدب (5157) , وابن ماجه : الأدب (3690) , وأحمد (5/161).
(15) البخاري : العتق (2522) , ومسلم : العتق (1501) , والترمذي : الأحكام (1346) , والنسائي : البيوع (4699) , وأبو داود : العتق (3940) , وابن ماجه : الأحكام (2528) , وأحمد (2/112) , ومالك : العتق والولاء (1504).
(16) أبو داود : الجهاد (2669) , وابن ماجه : الجهاد (2842).
(17) البخاري : الأحكام (7186) , ومسلم : الزكاة (997) , والترمذي : البيوع (1219) , والنسائي : البيوع (4652) , وأبو داود : العتق (3957) , وابن ماجه : الأحكام (2512) , وأحمد (3/305) , والدارمي : البيوع (2573).
(18) سورة النور: 33
(19) الترمذي : البيوع (1260) , وأبو داود : العتق (3927) , وابن ماجه : الأحكام (2519).
(20) سورة التوبة: 60
(21) البخاري : البيوع (2168) , ومسلم : العتق (1504) , ومالك : العتق والولاء (1519).
(22) البخاري : البيوع (2168) , ومسلم : العتق (1504) , والترمذي : البيوع (1256) , وأبو داود : العتق (3929) , ومالك : العتق والولاء (1519).
(23) البخاري : البيوع (2168) , ومسلم : العتق (1504) , وأبو داود : العتق (3929) , ومالك : العتق والولاء (1519).
(24) سورة الأحزاب: 4
(25) سورة الأحزاب: 5
(26) البخاري : الصلاة (456) , ومسلم : العتق (1504) , وأبو داود : العتق (3929) , ومالك : العتق والولاء (1519).