موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الترغيب في النكاح - شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 أقسام المياه
 فصل كل إناء طاهر
 جلد الميتة
 فصل في الاستنجاء والاستجمار
 فصل في السواك وتوابعه
 الوضوء
 فصل في فرائض وسنن الوضوء
 فصل في المسح على الخفين
 فصل في نواقض الوضوء
 الغسل
 فصل في موجبات وسنن الغسل
 التيمم
 فصل ما يصح به التيمم
 من شروط صحة التيمم طلب الماء
 نية التيمم
 تأخير التيمم رجاء وصول الماء
 عدم الماء والتراب أو لم يمكنه استعمالهما
 إزالة النجاسة
 الدهن المتنجس
 يسير الدم
 فصل في الحيض
 كتاب الصلاة
 وجوب الصلوات الخمس
 تأخير الصلاة
 تارك الصلاة جحودا
 فصل في الأذان والإقامة
 حكم الأذان والإقامة وكيفيتهما
 الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر
 فصل في شروط صحة الصلاة
 باب صفة الصلاة
 مكروهات الصلاة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في سجود السهو
 فصل في صلاة التطوع والقنوت
 الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
 فصل في صلاة الجماعة
 فصل في الإمامة وما يلحقها
 فصل في صلاة المريض
 فصل في صلاة القصر والجمع
 صلاة الخوف
 فصل في صلاة الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء
 كتاب الجنائز
 ما ينبغي للمسلم من لدن المرض إلى الوفاة
 فصل في غسل الميت
 تكفين الميت
 فصل في الصلاة على الميت ودفنه
 زيارة القبور والتعزية
 كتاب الزكاة
 ما تجب فيه الزكاة وشروطها
 نصاب الزكاة
 زكاة المكيل
 فصل في زكاة الذهب
 فصل في زكاة الفطر
 فصل في شروط إخراج الزكاة وأصنافها
 صدقة التطوع
 كتاب الصيام
 ما يثبت به شهر رمضان
 الأعذار المبيحة للفطر
 النية في الصيام
 المفطرات وأحكامها
 مكروهات الصوم
 سنن الصوم
 فصل ما يسن صومه من الأيام وما يحرم
 فصل في أحكام الاعتكاف ولواحقه
 كتاب الحج والعمرة
 شروط وجوب الحج والعمرة
 شروط حج المرأة
 موت القادر على الحج قبل أن يحج أو يعتمر
 سنن الإحرام
 أقسام الحج
 التلبية
 الإحرام قبل الميقات
 فصل في مواقيت الحج
 محظورات الإحرام
 إحرام المرأة
 فصــل في الفدية
 حرمة مكة والمدينة
 باب دخول مكة
 صفة الحج والعمرة
 فصل في أركان وواجبات الحج والعمرة
 الفوات والإحصار
 فصل في الأضحية
 العقيقة
 كتاب الجهاد
 حكم الجهاد وشرطه
 الغنيمة
 فصل في عقد الذمة
 كتاب البيع وسائر المعاملات
 شروط البيع
 أقسام الخيار
 ربا الفضل
 ربا النسيئة
 بيع الأصول وبيع الثمار
 السلم وشروطه
 أحكام القرض
 أحكام الرهن
 أحكام الضمان
 أحكام الحوالة
 الصلح
 أحكام الجوار
 أحكام الحجر
 الوكالة
 الشركة
 المساقاة والمزارعة
 الإجارة
 المسابقة
 العارية
 الغصب والضمان
 الشفعة
 الوديعة
 إحياء الموات
 الجعالة
 اللقطة
 اللقيط
 كتاب الوقف
 تعريف الوقف ودليل مشروعيته
 صيغ الوقف القولية:
 شروط الوقف
 الوقف على غير المسلم
 العمل بشرط الواقف
 مصرف الوقف
 الوقف على الأبناء
 الوقف على مجموعة
 كتــاب الهبـــة
 حكم الهبة وألفاظها
 هبة الثواب
 هبة الوالد لأبنائه
 هبة الأب لبعض أبنائه في حياته
 الرجوع في الهبة
 تملك الأب لمال ولده
 فضل الهدية
 الهدية المحرمة
 هدية المريض
 الترتيب في العطية
 الرجوع في العطية
 إثبات ملكية العطية
 أحكام الوصية
 الوصية لوارث
 الوصية بالخمس
 صيغ الوصايا
 مقدمة الوصية
 الوصية فيما دون الثلث
 الوصية فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة
 عدم وفاء الوصية بالموصى لهم
 تقدم الواجبات والديون في التركة
 ما تصح به الوصية
 الحادث بعد الوصية:
 الوصية بالأنصباء
 الوصية على معصية
 شروط الموصى إليه
 شروط الموصى به
 مات بمحل ليس فيه حاكم
 تجهيز الميت من تركته
 كتـــاب الـفـرائـض
 تعريف الفرائض
 أسباب الإرث
 ميراث المطلقة
 الولاء
 ميراث العبد لسيده
 موانع الإرث
 أركان الإرث
 شروط الإرث
 أقسام الورثة
 ما يتعلق بالتركة
 أصحاب الفروض
 من هم أصحاب الفروض
 أصحاب النصف
 أصحاب الربع
 أصحاب الثمن
 أصحاب الثلثين
 أصحاب الثلث
 تقسيم المال بين الجد والإخوة
 الجد مع الإخوة والأخوات
 الـحجـب
 حجب الحرمان
 حجـب النقصـان
 التعصــيب
 العصبة بالنفس
 العصبة بالغير
 الأخ المبارك
 العصبة مع الغير
 العول وحساب الميراث
 الـرد
 ميراث ذوي الأرحام
 ميراث الحمل
 كتـاب العتـق
 تعريف العتق وفضله
 إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق
 الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق
 ترغيب الشارع في العتق
 الوصية بالعتق
 التدبير
 المكاتبة
 بيع المكاتب
 عتق أم الولد
 ولاء المعتق
 كتاب النكاح
 حكم النكاح وحكمة مشروعيته
 الترغيب في النكاح
 تعدد الزوجات
 الترغيب في ذات الدين
 الترغيب في البكر
 النظر إلى المخطوبة
 حرمة الخلوة بالمخطوبة
 النظر إلى المحارم ونظر النوع للنوع
 التصريح بخطبة المعتدة
 خطبة المسلم على خطبة أخيه
 أركان النكاح
 تعريف النكاح:
 شروط النكاح
 شروط الولي
 المحرمات في النكاح
 حرمة الكافرة وحل الكتابية
 حرمة زواج الحرة من عبدها
 الشروط في النكاح
 الشروط التي تبطل عقد النكاح
 نكاح الشغار
 نكاح المحلل
 نكاح المتعة
 النكاح المعلق
 العيوب التي يفسخ بها النكاح
 الصــداق
 تعريف الصداق واستحباب تيسيره
 ما يصح أن يكون مهرا
 تسمية المهر
 تأجيل الصداق
 تملك المرأة صداقها
 وجوب مهر المثل
 ميراث كل من الزوجين للآخر
 الصداق بعد الطلاق
 الصداق في وطء الشبهة
 منع المرأة نفسها قبل قبض صداقها
 وليمة العرس
 إجابة الدعوة
 إعلان النكاح والضرب عليه بالدف
 المعاشرة بالمعروف
 السفر بالزوجة
 حق الزوجة في مسكن مستقل
 العدل بين الزوجات
 نشوز الزوجة
 الخلع
 التكييف الفقهي للخلع
 الرجعة بعد الخلع
 العوض في الخلع
 خلع زوجة الصغير
 كتاب الطلاق
 مقدمة
 تعريف الطلاق
 حكم الطلاق
 الذي يصح منه الطلاق
 متى لا يقع الطلاق
 التوكيل في الطلاق
 طلاق السنة وطلاق البدعة
 الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة
 الطلاق له صريح وله كناية
 كم يملك من الطلقات
 الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات
 مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق
 إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام
 فصل تعليق الطلاق بالشروط
 ما يقطع الشرط والاستثناء
 الطلاق المعلق بشرط يقع متى وقع الشرط
 شك في طلاق أو ما علق عليه
 أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار
 أقسام فراق الرجل لامرأته
 فصل الطلاق الرجعي وأحكام الرجعة
 إذا طلق الحر ثلاثا والعبد اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره
 فصل في الإيلاء
 فصل في الظهار وما يتعلق به
 فصل في اللعان
 باب العدد
 العدة وأقسامها
 الإحداد وتوابعه
 فصل في الرضاع
 باب النفقات
 تعريف النفقة وتحديدها
 متى تسقط نفقة الزوجة
 النفقة على الأقارب
 امتنع من وجبت عليه النفقة
 مقدار النفقة
 النفقة على الرقيق
 نفقة البهائم
 المملوك إذا طلب الزواج
 الحمل على الدواب
 فصل في الحضانة
 الأولى بالحضانة
 ما يشترط في الحاضن
 من لا تثبت له الحضانة
 إذا بلغ الطفل سبع سنين خير بين أبويه
 ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ويصلحه
 كتاب الجنايات
 أهمية كتاب الجنايات وتعريفها
 تحريم القتل
 أقسام القتل
 اجتماع الجماعة على قتل الواحد
 شروط القصاص
 شروط استيفاء القصاص
 كيفية استيفاء القصاص
 ما يجب بقتل العمد
 شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس
 سراية الجناية
 على من تجب الدية
 مقادير الدية
 دية الحر المسلم
 دية قتل العمد وشبه العمد
 دية الأنثى
 دية الكتابي الحر
 دية الرقيق
 دية الجنين الحر
 دية ما في الإنسان منه واحد
 دية ما في الإنسان منه اثنان
 دية ذهاب الحواس
 دية الشجاج
 العاقلة التي تتحمل الدية
 كفارة القتل الخطأ وشبه العمد
 تعريف القسامة وشروطها
 كتاب الحدود
 تعريف الحدود وأهميتها
 شروط إقامة الحدود
 إقامة الإمام للحدود
 كيفية استيفاء الحدود
 مات وعليه حد
 حد الزنا وشروطه
 حد القذف وشروطه
 حد التعزير
 حد الإسكار
 تحريم الخمر
 عقوبة شارب الخمر
 شروط شارب الخمر
 حد السرقة
 شروط حد السرقة
 السرقة من غير حرز
 السرقة زمن المجاعة
 حد قطاع الطريق
 عقوبة قطاع الطريق
 إثبات حد قطاع الطريق
 توبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه
 دفع الصائل
 حكم البغاة
 أحكام المرتد
 تعريف المرتد وحكمه
 الأسباب التي توجب حد الردة
 توبة المرتد
 شروط التوبة
 أحكام الأطعمة
 الأطعمة المحرمة
 أكل المحرم للمضطر
 آداب الضيافة
 أحكام ذكاة الحيوان
 تعريف الذكاة وما تجوز فيه الذكاة
 شروط الذكاة
 ذكاة الجنين
 مكروهات الذبح
 سنن الذبح
 أحكام الصيد
 تعريف الصيد وشروطه
 الأيمان
 تعريف الأيمان ولماذا سميت يمينا
 أنواع الحلف
 كفارة اليمين
 شروط وجوب كفارة اليمين
 حلف ألا يطأ أمته
 متى تجب الكفارة
 مقدار كفارة اليمين
 النية في اليمين
 النذر
 تعريف النذر
 حكم النذر
 أنواع النذر المنعقد
 كتاب القضاء
 أهمية القضاء بين الناس
 حكم نصب القضاة
 الولاية العامة والولاية الخاصة
 شروط تولية القاضي
 لزوم حكم المحكم
 صفات القاضي
 تعريف الدعوى وشروطها
 الشهادة في الحقوق
 شروط الشهود
 تزكية الشهود
 القضاء على الغائب
 كتاب القاضي إلى القاضي
 القسمة
 تعريف القسمة
 أنواع القسمة
 كتاب الشهادات
 حكم تحمل وأداء الشهادة
 أخذ الأجرة على الشهادة
 كيفية الشهادة
 شروط الشاهد
 عدد الشهود
 الشهادة على الشهادة
 قبول الشهادة على الشهادة
 كيفية تحميل الشهادة وشروطها
 الخطأ في الفتوى أو في القضاء
 كتاب الإقرار
 تعريف الإقرار والحكم به
 من يجوز إقراره
 الرجوع في الإقرار
شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد - الترغيب في النكاح

كتاب النكاح

حكم النكاح وحكمة مشروعيته

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: (كتاب النكاح) يُسَنُّ مع شهوة لمن لم يخف الزنا، ويجب على من خافه، ويسن نكاح واحدة حسيبة دَيِّنَة أجنبية بكر ولود، ولمريد خطبة امرأة مع ظن إجابة نظرٌ إلى ما يظهر منها غالبا بلا خلوة إن أمن الشهوة، وله نظر ذلك، ورأس وساق من ذوات محارمه ومن أمة، وحرم تصريح بخطبة معتدة على غير زوج تحل له، وتعريض بخطبة رجعية، وخطبة على خطبة مسلم أجيب، وسُنَّ عقده يوم الجمعة مساء بعد خطبة ابن مسعود.


السلام عليكم ورحمة الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.

ذكر بعضهم أن النكاح تتعلق به الأحكام الخمسة؛ فيكون على بعض الناس واجبا، وعلى بعضهم حراما، وعلى بعضهم مكروها، ولبعضهم مستحبا، ولبعضهم مندوبا.

فمتى يكون واجبا؟

إذا خاف على نفسه الزنا، وقدر على مئونة النكاح، وقدر على العدل وإعطاء الزوجة حقها، ففي هذه الحال يكون واجبا؛ لأنه إذا لم يتزوج خِيفَ على نفسه إما الضرر، وإما الوقوع في الزنا ونحوه، والشيء الذي يقي عن الحرام يكون واجبا، فلذلك جعلوه واجبا على من يخاف على نفسه، يجب على من يخاف على نفسه الزنا.

قد ذكر العلماء الحكمة في أن الله -تعالى- رَكَّبَ الشهوة في جنس الآدميين كما رَكَّبَهَا أيضا في بقية الحيوانات، الحكمة هي وجود هذا التوالد، وبقاء هذا الجنس من خلق الله تعالى، فإن في بقائه يدوم ما دام أن الله -تعالى- أراد إبقاءه.

لما أراد الله أن يغرق أهل الأرض في زمن نوح أمره أن يحمل من الحيوانات من كلٍّ زوجين اثنين ذكر وأنثى، من كل صنف، فحمل من الإبل ذكرا وأنثى، ومن الفيل ذكرا وأنثى، ومن الخيل، ومن الحمر، ومن البقر، ومن الإبل، ومن الماعز، ومن الضأن، وكذلك من الطيور، ومن الوحوش، ومن الظباء والوعول وما أشبهها، حشرها الله له، فحمل من كل زوجين اثنين؛ لأن الغرق عم جميع الأرض، فغرق كل من على وجه الأرض، ونجا أهل السفينة.

فلما نجا أهل السفينة بما فيها تناسل ذلك الخلق الذي وُجِدُوا حتى الحشرات ونحوها، يعني: حتى ما أذن الله تعالى بقتله كالحية، والعقرب بأنواعها، والحشرات بأنواعها، جعل الله -تعالى- سبب بقائها هذا الازدواج، كون الذكر منها يُلْقِح الأنثى ثم يحصل التزاوج، يحصل بعد ذلك التوالد.

فهكذا الإنسان ركب الله -تعالى- فيه هذه الشهوة التي تدفعه إلى أن يحصل منه الاتصال الجنسي، وكذلك رَكَّبَ -أيضا- في المرأة الشهوة، ليحصل التزاوج، ويحصل التقارب، فيحصل بذلك التوالد، وجود النوع الإنساني وعدم انقطاعه.

فلو كان الخلق كلهم ذكورا ما حصل التوالد، وكذا لو كانوا إناثا، الذي يكون -مثلا- إبله كلها ذكورا لا تتوالد، وكذلك بقره أو غنمه لا يحصل التوالد إلا إذا كان هناك ذكور وإناث.

فمن الحكمة -من حكمة الله- أن جعل في الإنسان هذه الشهوة التي تدفعه إلى أن يحصل منه هذا الوصال، وهذا الجماع، فيحصل بذلك الحمل، ويحصل التوالد، ويحصل البقاء.

كذلك -أيضا- بعد خروج الإنسان إلى الدنيا يُلْقِي الله في قلوب أبويه رقة وشفقة عليه ليربياه إلى أن يترعرع، وإلى أن يكون إنسانا قويا.

الترغيب في النكاح

لذلك جاء الترغيب في النكاح، وورد الحث عليه، قال الله تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (1) .

الخطاب للرجال، انكحوا -أيها الرجال- ما طاب لكم من النساء. وفي آية أخرى ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (2) .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أيها الأخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد:

وفي آية أخرى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (2) الأيامى: جمع أيم، وهي: المرأة غير المزوجة، أنكحوها ولا تبقوها دائما أيما، وهذا حث على هذا النكاح، ثم وردت السنة -أيضا- تذكرون قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج »(3) خاطب الشباب؛ ذلك لأنهم غالبا عندهم قوة الغلمة والشباب؛ ولأنهم -غالبا- لا يحجزهم قوة إيمان عن الوقوع في المحرم، فإذا تزوجوا حصلت لهم هذه المصلحة « أغض للبصر وأحصن للفرج »(4) .

كذلك ورد -أيضا- الأدلة على ترغيبه، والنهي عن التبتل، في حديث سعد الذي في الصحيح يقول: « ردَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على ابن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا »(5) .

عثمان ابن مظعون اشتهر بأنه أراد الزهد في الدنيا، والانقطاع للعبادة، وترك زوجته، ويقال لها: "الحولى" وبقي هاجرا لها مدة، فجاءت مرة عند النساء، وإذا هي متبذلة في ثياب دنسة، وشعر شعث، فأنكرن ذلك، فأخبرت بأن زوجها لا رغبة له فيها، ولا رغبة له في الدنيا، وأنه دائما إما في صلاة، وإما في صوم، فلما علم بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- أنكر عليه، وأخبره بأن هذا لا يجوز -يعني: هذا الانقطاع- وأخبره بما يجب عليه نحو زوجته، ونحو نفسه.

فعند ذلك تراجع وباشر زوجته، وأعطى نفسه شهوتها، ورد عليه هذا التبتل، يقول سعد: لو أذن له بالتبتل والانقطاع لتبتلنا، ولا نستطيع أن نصبر على النساء إلا إذا اختصينا، يعني: قطعنا أسباب الشهوة، كان هذا دليلا على أنه -صلى الله عليه وسلم- أراد من أمته أن يأتوا ما أباح الله، وألا يتبتلوا، وألا يتركوا ما أحل الله -تعالى- لهم من الشهوة المباحة، بل رغبهم في ذلك.

فمن الترغيب الأحاديث التي تحث على ذلك وتنهى عن ضده. تذكرون قصة الثلاثة في الحديث يذكر أنس: « أن ثلاثة سألوا عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- في السر فتقالّوها، فقال بعضهم: أنا أصوم دائما، وقال آخر: أنا أقوم دائما، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء، فرد عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني »(6) وهذا وعيد، « من رغب عن سنتي »(7) الذي يترك الزواج تقشفا يعتبر راغبا عن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنه يفضل فعله على فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- .

وكذلك أيضا ما ثبت من قوله: « ثلاثة حق على الله عونهم »(8) ذكر منهم « المتزوج يريد العفاف »(9) إذا تزوج يريد أن يعف نفسه عن الحرام فإن حقا على الله -تعالى- يعني مما جعله على نفسه أن يعينه، وأن يسدده، وأن يخفف عنه ما قد يتحمله، وهذا مشاهد، يعرف كثير من الذين كانوا فقراء ولما تزوجوا أغناهم الله -تعالى- ولذلك قال الله -تعالى-: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (2) إذا كانوا فقراء فتزوجوا للتعفف فتح الله عليهم، ورزقهم ووسع عليهم.

وكذلك جاء الحديث المشهور: « إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير »(10) ما ذكر إلا « ترضون دينه وأمانته »(11) وذلك لأنه إذا أخذ الزوجة فهو مأمون عليها، ولذلك جاء في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: « استوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. .. »(12) إلخ، فهن أمانة، فلذلك إذا كان المتقدم أمينا موثوقا ديِّنا فإنه لا يرد، إلا إذا كان هناك أسباب أخرى.

فالحاصل يقول: يسن مع شهوة لمن لم يخف الزنا، إذا كان عنده شهوة ولكنه يأمن على نفسه، يقدر على أن يحفظ نفسه ولا يقع في الزنا، فإنه مسنون في حقه ومستحب، هذا إذا قلت: متى يكون النكاح مسنونا؟ إذا كان له شهوة، ومع ذلك يأمن على نفسه الوقوع في الزنا، فإذا قلت: متى يكون مباحا؟

الجواب: إذا كان لا شهوة له، يعني: ليس له شهوة تدفعه، ولكن إذا تزوج قدر على أن يعف زوجته، عنده قدرة على المباشرة، ولكن ليس هناك شهوة تدفعه يندفع بها؛ لأن أمر الشهوة يتفاوت الناس فيه، فمنهم من لا يكون له شهوة، ولكن إذا تزوج قدر على أن يعف امرأته بالوطء، ولو كل شهر أو نحوه، ومنهم من يكون معه شهوة، ولكنه يقدر على أن يملك نفسه، الشهوة تدفعه ولكن يستطيع أن يملك نفسه، لذلك قلت:

ومتى يكون النكاح واجبا؟

الجواب: يجب على من عنده شهوة قوية، يخشى إذا ترك النكاح أن تدفعه شهوته إلى فعل فاحشة الزنا أو نحوه، ويشترط أن يكون قادرا على المئونة، وعلى إعطاء الزوجة حقها من العشرة بالمعروف، ونحو ذلك.

متى يكون مكروها؟

إذا علم بأنه يقصر في حقوق المرأة، ولو كان يعطيها ولكن يظلمها، أو يعطيها دون حقها.

ومتى يكون حراما ؟

إذا كان يتحقق بأنه لا يعطيها شيئا من حقها فيظلمها فلا يعفها، ولا ينفق عليها، ويضر بها بأنواع من الضرر، بمعنى أنه يؤذيها ويفتنها.

فالحاصل أنه يكون مسنونا لمن أمن على نفسه، ومباحا لمن لا شهوة له، وواجبا لمن خاف على نفسه فاحشة الزنا، ومكروها لمن خاف التقصير في حق الزوجة، وحراما لمن علم بأنه يظلم المرأة، ولا يعطيها حقها.

ثم ذكروا أنه يسن نكاح واحدة، يعني: الاقتصار على واحدة، وذلك لأن الزيادة عليها تعريض للضرر، ولعدم العدل، إلا من كان قادرا قال الله -تعالى-: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ (13) .

تعدد الزوجات

واختلف هل الأصل في النكاح التعدد أو الإفراد؟

فالذين قالوا: الأصل التعدد قالوا: إنه الذي أمر الله به ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (1) فإن هذا أمر بأن ينكح أكثر من واحدة، ولكن بشرط وهو قوله: ﴿ أَنْ تَعْدِلُوا (13) ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا (1) .

ثم إذا عرفنا أن هذا دليل من يقول: الأصل التعدد.

دليل من يقول: الأصل الإفراد قوله: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ (13) فهذا دليل على أن الإنسان -غالبا- لا يستطيع العدل إلا بصعوبة، ثم يأتينا في باب العشرة نوع العدل إن شاء الله.

ثم وصف الواحدة بأنها حسيبة، حسيبة.

يقول المعلق: أصل الحسب الشرف بالآباء، أو بما يعده الإنسان من مفاخره، يسن أن تكون حسيبة، يعني: من قوم ذوي شرف، اختلف في حقيقة الشرف.

من الناس من يقول: إن الشرف هو الكرم والسخاء والجود، والشجاعة والشهرة والإقدام، أنه بذلك يكون شريفا، ولكن هذا أيضا ليس بمطَّردٍ ولا ينتفع به الخلف، فلا ينتفع خلف بشرف آبائهم وأسلافهم، ولذلك ورد النهي عن الافتخار به، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « ليدعنَّ أقوام عن فخرهم بآبائهم الذين ماتوا أو ليكونُنَّ أهون على الله من الجعلان »(14) معنى: فخرهم بآبائهم، يعني: يفتخرون بآبائهم وأسلافهم، أو « ليكونن أهون على الله من الجعلان »(15) .

وفي حديث آخر: « إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب »(16) وفي حديث: أنه « قيل: يا رسول الله! أي الناس أكرم؟ -من أكرم الناس؟- فقال: أكرمهم عند الله أتقاهم. .. »(17) إلى أخر الحديث.

الترغيب في ذات الدين

فيكون الحسب هو التقوى، والحسب هو الديانة، ولا شك أيضا أن من الحسب شرف النسب، تذكرون الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: « تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها، ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك »(18) يعني: أن أكثر الناس إنما يسألون عن هذه الأربع، فمنهم من يسأل عن الشرف، شرف الآباء، هذه لها شرف، ولها نسب، وأهلها أوفياء، وشجعان وكرماء، وأمراء وقادة وسادة، فلها شرف، ولها نسب رفيع.

ثم يذكرون أن هذا الشرف قد يحملها على التصون، على صيانة نفسها، وصيانة عرضها، وصيانة زوجها، وحفظ نفسها، لا تتعرض لما يقدح في شرفها، ولما يجلب السمعة لأهلها؛ فيكون ذلك مما يجلب لها سمعة سيئة، هكذا يقولون: إنها إذا كانت ذات نسب، وذات شرف، إن حفظت نفسها عن الدناءات، وعن الأقذار، وترفعت عن ما لا يستحسن، لتتخلق بالأخلاق الرفيعة، وتتخلى عن الأخلاق الدنيئة التي تقدح في شرفها، وتجلب لأهلها سمعة سيئة، فهذا لا شك أنه يقع ولكن ليس بمطرد دائما.

وذلك لأن كثيرا ذكورا وإناثا آبائهم أهل صيانة، وأهل حسب، وأهل شرف، ومع ذلك لا يكونون مثلهم، ولا قريبا منهم، فلا ينفعهم شرف آبائهم، يقول الشاعر:

إذا افتخــرت بــأقوام لهــم شـرف *** قلنا: صدقت , ولكن بئس ما ولدوا

أي أنك ما وافقتهم على شرفهم بل صرت مخالفا لهم خلافا ظاهرا، فحسب الإنسان هو فعله.

تذكرون أيضا قول بعضهم:

كن ابن من شئت واكتسب أدبا *** يغنيـك محـموده عـن النسـب

فالحاصل أن هذا مقصد من المقاصد، وهو كونها حسيبة.

صفة ثالثة: الدين، أن تكون ديِّنة أي ذات دين، ولا شك أن هذا من المقاصد الحسنة؛ لقوله في الحديث: « فاظفر بذات الدين تربت يداك »(19) هذا أيضا مقصد من المقاصد.

وأما مقصد الجمال فهو أيضا بلا شك من المقاصد المعروفة، أن الكثير يقصدون جمال المرأة وحسنها، إذا كانت دميمة الخلقة فإن الناس تنفر منها؛ ولأجل ذلك أبيح النظر إليها قبل العقد، فالجمال من دوافع، ومن دواعي النفس.

ولكن مع ذلك قد لا يكون مقصدا مقصودا؛ لأنها قد تفتخر عليه، إذا كانت جميلة، وقد تترفع عنه، وتقول: لست كفئا لي، أنا أجمل النساء وأنا، وأنا، فلا يكون مقصودا أساسيا.

أما قصد المال فهو -أيضا- مقصد لكثير من الناس، يتزوجونها لأجل أنها ذات ثروة، وغنى وكثرة مال، وفي هذه الأزمنة كونها موظفة، تتقاضى مرتبا قد يكون مثل زوجها، أو قد تكون أكثر منه دخلا، فيتزوجها لذلك.

وهذا أيضا ليس مقصدا أساسيا؛ وذلك لأنها قد تفتخر عليه، وتمن عليه، أنا الذي كفلتك، وأنا الذي أعطيتك، وأنفقت عليك، وقضيت دينك، وأنفقت على ولدك، وأعطيتك، وكذا وكذا.

فذلك مما يوقعه في الامتنان -امتنانها عليه- مما يضجره ويمله؛ فلذلك لا يكون هذا -أيضا- مقصدا أساسيا، إنما أن تكون دَيِّنة.

أما وصفها بكونها أجنبية، يعني بعيدة من نسبه، ليست من أقاربه من أقارب الزوج، فاختلف في السبب في ذلك.

فقيل -كما ذكر المعلق هنا-: يكون ولدها أنجب يكون نجيبا، هكذا قالوا، ولكن ليس ذلك مطردا، والأكثرون عللوا بمخافة قطع الرحم، أنه إذا ساءت الصحبة بينهما فحصل الطلاق أو الشقاق حصل بذلك التهاجر وقطيعة الرحم، فيقطع أعمامه أو أخواله أو عشيرته فيحصل التهاجر، ويحصل التباغض فيما بينهم.

وهذا فيما إذا كان أحد الزوجين معروفا بشراسته وحقده وحنقه، وغضبه وعدم أمانته، أما إذا عرف كل منهم بالصيانة والديانة فإن القريبة تكون أحنى عليه، وأشفق عليه وعلى ولده؛ لأنها تحبه لقرابته قبل أن يكون زوجا، وتزداد محبته ومؤانسته بعد أن كان زوجها وعشيرها وفي حياتها، فليس مطردا كونها أجنبية دائما، بل بحسب الحالات والمناسبات.

الترغيب في البكر

وأما الصفة الرابعة: كونها بكرها؛ لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لجابر لما قال: « هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك »(20) ؛ لأن المطلقة غالبا قد يكون قلبها مع زوجها الأول، وكلما حدث شيء فإنها تمن عليه وتعيبه، زوجي الأول خير منك، كان كذا وكذا، وكان أظفر وكان أظرف وكان، وكان، فتتمنن عليه أو يكون قلبها متعلقا به إذا كانت تريده لو كان طلاقا، هذا هو السبب.

ولا شك أن البكر التي لم تعرف زوجا قبله يكون ذلك أقرب إلى أنها تودّه وتحبه، وإذا قيل: النبي -صلى الله عليه وسلم- زوجاته كلهن ثيبات إلا عائشة، فلماذا اختار هؤلاء الثيبات؟

ذكر العلماء أنه -صلى الله عليه وسلم- ما تزوجهن لأجل الشهوة، وإنما تزوجهن لأجل المودة، أن يتودد إلى آبائهن، وإلى أقاربهن أو نحو ذلك.

فتزوج حفصة بنت عمر مع كونها ثيبا؛ ليحصل الوداد بينه وبين أبيها، وكذلك تزوجه لميمونة، ولزينب وغيرهن كان ذلك بأسباب ثبوت المودة، وثبوت الآثار الحسنة.

فأنه لما تزوج بنت الحارث "جويرية" حصل أن الصحابة أعتقوا من عندهم من الإماء، وقالوا: أصهار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان في ذلك مصلحة؛ ولأن أباها كان من أشراف قومه، فأراد أن يتقرب إليه وغير ذلك، وإلا فالبكر أولى بأن تكون متوددة متحببة إلى زوجها.

ثم وصفها بصفة سادسة: كونها ولودا، أي من نساء يعرفن بكثرة الولادة.

كيف تكون؟ يعني إذا عرف أن أماتها وجداتها معروفات بكثرة الولادة، ولكن هذا أيضا من الغيب إذا كانت بكرا، كونها ولودا، هذا أمر غيب، ولكن هذا هو العادة والمطرد، وقد تكون عقيما أو عاقرا لا تلد، وذلك من ما يخلقه الله -تعالى- في بعض النساء، كالرجال، ولكن يستحب أن تكون ولودا.

روي: « أن رجلا جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني أعجبت بامرأة، وأريد خطبتها، ولكنها لا تلد، فأعرض عنه، ثم سأله مرة ثانية وأخذ يمدحها، ولكنها لا تلد، فقال له: دعها، تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة »(21) الودود يعني: المتحببة إلى زوجها، الولود يعني: المعروفة بالولادة، أي أنها ليست عاقرا، بل تلد، علل بقوله: « إني مكاثر بكم الأمم »(21) يعني: أحب أن تكثروا، ويكثر أولادكم حتى يكون أتباعي أكثر من أتباع غيري.

النظر إلى المخطوبة

ذكر بعد ذلك أن لمريد خطبة امرأة مع ظن إجابة نظر إلى ما يظهر منها غالبا، إذا أراد خطبة امرأة، الخِطبة؛ بالكسر: خطبة النساء، والخُطبة، بالضم: خطبة الجمعة، ونحوها، فإذا أراد أن يخطب امرأة، وغلب على ظنه أنها تجيبه، وأهلها يجيبون لما عرف من أهليته وكفاءته، فإن له أن ينظر إلى ما يظهر منها غالبا.

وردت في ذلك أحاديث، في حديث المغيرة أنه « خطب امرأة فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: اذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا »(22) وفي حديث آخر أنه قال: « إذا خطب أحدكم امرأة فلينظر إليها؛ فإن ذلك أدعى إلى أن يؤدم بينهما »(23) يعني: إلى أن يؤلَّف بينهما، وإلى أن تحصل المودة بينهما.

واختلف هل هذا النظر سر أو علانية؟

الأكثرون على أنه يكون بخفية، في حديث جابر أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: « إذا خطب أحدكم امرأة فاستطاع أن ينظر إليها فليفعل، قال جابر فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها »(24) قوله: "إن استطاع": دل على أنه يكون ذلك يكون بغير علمها، وقوله: "أتخبأ": يعني أختفي لها وراء حائط مثلا أو نخلة أو نحو ذلك إلى أن رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها.

ثم الذي ينظر، ينظر إلى ما يظهر منها غالبا، الذي يظهر غالبا وجهها وشعرها وكفاها وقدماها، هذا الذي يظهر منها غالبا، وليس المراد أن ينظر إلى بدنها أن يتحين كونها -مثلا- قد تجردت للاغتسال ونحوه فينظر إليها، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا لا يجوز، ثم إذا قيل: إنه ينظر إليها علانية فيكون ذلك في غير خلوة، وذلك بأن تحضر ومعها أحد محارمها كأبيها أو أخيها، فينظر إليها قائمة، وينظر إليها مقبلة أو مدبرة، ولا يكون هناك خلوة، تظهر له وجهها وكفيها وشعرها ينظر إلى هيكلها طولا وقصرا، وضخامة أو نحافة، أو ما أشبه ذلك فإذا نظر إليها في غير خلوة كان ذلك من الأسباب التي تدفعه إليها.

أما إذا غلب على ظنه أنه لا يجاب فليس له أن يتعمد النظر، ولا يطلب ذلك، وكذلك -أيضا- أهلها إذا غلب على ظنهم أنه لا يجيبهم ولا يتقدم، أو يعزم على النكاح فلا يجوز لهم أن يمكنوه من النظر إليها.

ثم ذكر أيضا أنه ينظر إليها بشرط، أو بشرطين: نفي الخلوة، ونفي إثارة الشهوة، إن أمن الشهوة يقع أن بعضا من الشباب إذا خطب امرأة فقبل نكاحها يكثر الاتصال بها هاتفيا، ثم يعقد معها مواعيد، ثم يخلو بها، وربما يخرج بها في سيارته خارج البلد، وهذا لا يجوز لما فيه من الخلوة، وكثيرا ما يقع أنه يقع بها؛ أنه يطؤها فيقع في الحرام -والعياذ بالله-، إنها لا تحل له إلا بعد العقد.

حرمة الخلوة بالمخطوبة

ولو أنهم استجابوا له وقبلوه، فحرام عليه الخلوة بها سيما إذا أمن الشهوة، معلوم أنه إذا خلا بها وكان شديد الغلمة، وكذلك أيضا هي قد تكون شديدة الشهوة فيندفع كل منهما إلى الآخر فيقع فعل الفاحشة، فلذلك اشترطوا ألا يكون هناك خلوة، وألا يكون هناك إثارة شهوة.

النظر إلى المحارم ونظر النوع للنوع

تكلم العلماء لما ذكروا النظر إلى المخطوبة استطردوا، من الذي يجوز للإنسان أن ينظر إليه من النساء؟ وما مقدار الذي ينظر إليه؟

فذكروا أنه ينظر إلى ما يظهر غالبا كالوجه والكفين، والرأس والساق من ذوات محارمه، يعني كأمه وبنته وأخته وعمة وخالة، وبنت أخ وبنت أخت، وأم من الرضاع، أنه ينظر إلى ما يظهر غالبا، فينظر إلى الرأس، وإلى الوجه، وإلى الساعد الذراع، والساق؛ لأن هذا مما يحتاج إليه المرأة مع محارمها كابنها وأبيها لا بد أنها تتبذل، وأنها تخدم، وأنها تبدو له فيشق عليها أن تتحفظ، وأن تتستر.

ومعلوم أيضا أن المسلمين قلوبهم نزيهة، لا يمكن أن تثور شهوته على أمه أو على بنته، أو نحوهما وهو مؤمن، إنما يفعل ذلك من ليس في قلبه إيمان -والعياذ بالله- فينظر إلى ما يظهر غالبا من ذوات محارمه.

نظر الرجل إلى الرجل يجوز فيما يظهر غالبا، يعني ينظر إلى ساقيه وإلى ذراعيه وعضديه وعنقه، ونحو ذلك، ولا يجوز للعاقل أن يتعرى أمام الرجال، ولا أن يظهر بدنه، ولو ستر العورة المغلظة، فإن ذلك مما يقدح في المروءة.

الذين يمشون عراة يلبس أحدهم "تُبانا" يعني سراويل قصيرا يستر به مجرد الفرجين، ويدعي أنه يُحر أو ما أشبه ذلك أو أنه ليس بعورة، ولو كان ذلك ليس بعورة أمام الرجال، ولكنه ينقص المروءة، الرجل يحرص على أن يتستر، وأن يحفظ نفسه، فالله -تعالى- أمر بالتستر في قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا (25) الريش: هو اللباس الذي يستر البدن.

وأما المرأة مع النساء هكذا أيضا، لا يجوز لها أن تتبذل أمام النساء، ولا أن تظهر شيئا مما يخفيه اللباس ويستره، يجوز لها أن تبدي وجهها وعنقها، وكذلك أيضا صدرها لإخراج الثديين لإرضاع طفلها عند النساء، أو عند المحارم، وكذلك تنظر المرأة من المرأة إلى ساعديها أو ساقيها، فأما ما تستره غالبا كالبطن والظهر والمنكبين، والإبطين والجنبين فمثل هذا مما يعتاد ستره، ولا يجوز التفسق والتعري، ولو لم يكن عندها إلا نساء.

التصريح بخطبة المعتدة

ذكر أنه يحرم تصريح بخطبة معتدة على غير زوج تحل له، وهي المطلقة.

المعتدة، إما أن تكون بائنا أو رجعية، فإذا كانت رجعية، طلقت واحدة أو اثنتين، فإنها تبقى في بيت زوجها، ولا يحل لأحد أن يخطبها، بل هي في ذمة زوجها، ينفق عليها ويسكنها ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ (26) ولها أن تتكشف أمامه ترغبه في أن يراجعها، هذه رجعية، حرام أن أحدا يخطبها أو يصرح أو يلوح بخطبتها.

وأما المعتدة البائن مثل المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها إلا بعد زوج، وكذلك المتوفى عنها فهي معتدة، وعدتها ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض، أو بوضع الحمل، فهذه لا يحل -أيضا- أن يخطبها تصريحا، يحل أن يعرض لها، التعريض: أن يقول إني في مثلك لراغب أو إني أريد أن أتزوج، أو أتمنى أن يحصل لي زوجة مناسبة، أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز التعريض بخطبة الرجعية، وإنما يجوز التعريض بخطبة البائن.

خطبة المسلم على خطبة أخيه

ويحرم أن يخطب على خطبة أخيه المسلم، إذا كان قد أجيب، لأن ذلك يسبب الوحشة بينهما والعداوة، إذا علمت أنه قد أفسد عليك، تقدم إليهم وقد كانوا أجابوك أو ركنوا إليك ثم قدموه لكونه أشبّ -مثلا- أو أغنى أو نحو ذلك، فإن هذا حرام.

بعد ذلك ذكر سُنيّة العقد، العقد يعني عقد الزوجية بين الزوجين، الذي يسمى الآن الملكة يعني التزويج يسن أن يكون يوم جمعة، وأن يكون في المساء، يعني في آخر النهار، رجاء أن يصادفوا ساعة الإجابة؛ لأنه أدعى لهما بالبركة، ويسن أن يخطب بخطبة ابن مسعود التي هي خطبة الحاجة المشهورة، وهي مشهورة بقوله: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه …" إلى آخر ذلك، ثم يقر آيات "ثلاث آيات" من سورة آل عمران ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (27) وأول سورة النساء، وآيتين من آخر سورة الأحزاب ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (28) .


(1) سورة النساء: 3
(2) سورة النور: 32
(3) البخاري : النكاح (5066) , ومسلم : النكاح (1400) , والترمذي : النكاح (1081) , والنسائي : الصيام (2240) , وأبو داود : النكاح (2046) , وابن ماجه : النكاح (1845) , وأحمد (1/378) , والدارمي : النكاح (2166).
(4) البخاري : الصوم (1905) , ومسلم : النكاح (1400) , والترمذي : النكاح (1081) , والنسائي : الصيام (2240) , وأبو داود : النكاح (2046) , وابن ماجه : النكاح (1845) , وأحمد (1/378) , والدارمي : النكاح (2166).
(5) البخاري : النكاح (5074) , ومسلم : النكاح (1402) , والترمذي : النكاح (1083) , والنسائي : النكاح (3212) , وابن ماجه : النكاح (1848) , وأحمد (1/175) , والدارمي : النكاح (2167).
(6) البخاري : النكاح (5063) , ومسلم : النكاح (1401) , والنسائي : النكاح (3217) , وأحمد (3/285).
(7) البخاري : النكاح (5063) , ومسلم : النكاح (1401) , والنسائي : النكاح (3217) , وأحمد (3/285).
(8) الترمذي : فضائل الجهاد (1655) , والنسائي : النكاح (3218) , وابن ماجه : الأحكام (2518) , وأحمد (2/437).
(9) الترمذي : فضائل الجهاد (1655) , والنسائي : الجهاد (3120) , وابن ماجه : الأحكام (2518) , وأحمد (2/437).
(10) الترمذي : النكاح (1084) , وابن ماجه : النكاح (1967).
(11) الترمذي : النكاح (1084) , وابن ماجه : النكاح (1967).
(12) البخاري : أحاديث الأنبياء (3331) , ومسلم : الرضاع (1468).
(13) سورة النساء: 129
(14) أبو داود : الأدب (5116).
(15) أبو داود : الأدب (5116).
(16) الترمذي : المناقب (3955) , وأبو داود : الأدب (5116).
(17) البخاري : تفسير القرآن (4689) , ومسلم : الفضائل (2378) , وأحمد (2/431).
(18) البخاري : النكاح (5090) , ومسلم : الرضاع (1466) , والنسائي : النكاح (3230) , وأبو داود : النكاح (2047) , وابن ماجه : النكاح (1858) , وأحمد (2/428) , والدارمي : النكاح (2170).
(19) البخاري : النكاح (5090) , ومسلم : الرضاع (1466) , والنسائي : النكاح (3230) , وأبو داود : النكاح (2047) , وابن ماجه : النكاح (1858) , وأحمد (2/428) , والدارمي : النكاح (2170).
(20) البخاري : الجهاد والسير (2967) , ومسلم : الرضاع (715) , والترمذي : النكاح (1100) , وابن ماجه : النكاح (1860) , وأحمد (3/314) , والدارمي : النكاح (2216).
(21) النسائي : النكاح (3227) , وأبو داود : النكاح (2050).
(22) مسلم : النكاح (1424) , والنسائي : النكاح (3234) , وأحمد (2/299).
(23) الترمذي : النكاح (1087) , والنسائي : النكاح (3235) , وابن ماجه : النكاح (1866) , وأحمد (4/244) , والدارمي : النكاح (2172).
(24) أبو داود : النكاح (2082) , وأحمد (3/334).
(25) سورة الأعراف: 26
(26) سورة الطلاق: 6
(27) سورة آل عمران: 102
(28) سورة الأحزاب: 70