موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام - شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 أقسام المياه
 فصل كل إناء طاهر
 جلد الميتة
 فصل في الاستنجاء والاستجمار
 فصل في السواك وتوابعه
 الوضوء
 فصل في فرائض وسنن الوضوء
 فصل في المسح على الخفين
 فصل في نواقض الوضوء
 الغسل
 فصل في موجبات وسنن الغسل
 التيمم
 فصل ما يصح به التيمم
 من شروط صحة التيمم طلب الماء
 نية التيمم
 تأخير التيمم رجاء وصول الماء
 عدم الماء والتراب أو لم يمكنه استعمالهما
 إزالة النجاسة
 الدهن المتنجس
 يسير الدم
 فصل في الحيض
 كتاب الصلاة
 وجوب الصلوات الخمس
 تأخير الصلاة
 تارك الصلاة جحودا
 فصل في الأذان والإقامة
 حكم الأذان والإقامة وكيفيتهما
 الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر
 فصل في شروط صحة الصلاة
 باب صفة الصلاة
 مكروهات الصلاة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في سجود السهو
 فصل في صلاة التطوع والقنوت
 الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
 فصل في صلاة الجماعة
 فصل في الإمامة وما يلحقها
 فصل في صلاة المريض
 فصل في صلاة القصر والجمع
 صلاة الخوف
 فصل في صلاة الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء
 كتاب الجنائز
 ما ينبغي للمسلم من لدن المرض إلى الوفاة
 فصل في غسل الميت
 تكفين الميت
 فصل في الصلاة على الميت ودفنه
 زيارة القبور والتعزية
 كتاب الزكاة
 ما تجب فيه الزكاة وشروطها
 نصاب الزكاة
 زكاة المكيل
 فصل في زكاة الذهب
 فصل في زكاة الفطر
 فصل في شروط إخراج الزكاة وأصنافها
 صدقة التطوع
 كتاب الصيام
 ما يثبت به شهر رمضان
 الأعذار المبيحة للفطر
 النية في الصيام
 المفطرات وأحكامها
 مكروهات الصوم
 سنن الصوم
 فصل ما يسن صومه من الأيام وما يحرم
 فصل في أحكام الاعتكاف ولواحقه
 كتاب الحج والعمرة
 شروط وجوب الحج والعمرة
 شروط حج المرأة
 موت القادر على الحج قبل أن يحج أو يعتمر
 سنن الإحرام
 أقسام الحج
 التلبية
 الإحرام قبل الميقات
 فصل في مواقيت الحج
 محظورات الإحرام
 إحرام المرأة
 فصــل في الفدية
 حرمة مكة والمدينة
 باب دخول مكة
 صفة الحج والعمرة
 فصل في أركان وواجبات الحج والعمرة
 الفوات والإحصار
 فصل في الأضحية
 العقيقة
 كتاب الجهاد
 حكم الجهاد وشرطه
 الغنيمة
 فصل في عقد الذمة
 كتاب البيع وسائر المعاملات
 شروط البيع
 أقسام الخيار
 ربا الفضل
 ربا النسيئة
 بيع الأصول وبيع الثمار
 السلم وشروطه
 أحكام القرض
 أحكام الرهن
 أحكام الضمان
 أحكام الحوالة
 الصلح
 أحكام الجوار
 أحكام الحجر
 الوكالة
 الشركة
 المساقاة والمزارعة
 الإجارة
 المسابقة
 العارية
 الغصب والضمان
 الشفعة
 الوديعة
 إحياء الموات
 الجعالة
 اللقطة
 اللقيط
 كتاب الوقف
 تعريف الوقف ودليل مشروعيته
 صيغ الوقف القولية:
 شروط الوقف
 الوقف على غير المسلم
 العمل بشرط الواقف
 مصرف الوقف
 الوقف على الأبناء
 الوقف على مجموعة
 كتــاب الهبـــة
 حكم الهبة وألفاظها
 هبة الثواب
 هبة الوالد لأبنائه
 هبة الأب لبعض أبنائه في حياته
 الرجوع في الهبة
 تملك الأب لمال ولده
 فضل الهدية
 الهدية المحرمة
 هدية المريض
 الترتيب في العطية
 الرجوع في العطية
 إثبات ملكية العطية
 أحكام الوصية
 الوصية لوارث
 الوصية بالخمس
 صيغ الوصايا
 مقدمة الوصية
 الوصية فيما دون الثلث
 الوصية فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة
 عدم وفاء الوصية بالموصى لهم
 تقدم الواجبات والديون في التركة
 ما تصح به الوصية
 الحادث بعد الوصية:
 الوصية بالأنصباء
 الوصية على معصية
 شروط الموصى إليه
 شروط الموصى به
 مات بمحل ليس فيه حاكم
 تجهيز الميت من تركته
 كتـــاب الـفـرائـض
 تعريف الفرائض
 أسباب الإرث
 ميراث المطلقة
 الولاء
 ميراث العبد لسيده
 موانع الإرث
 أركان الإرث
 شروط الإرث
 أقسام الورثة
 ما يتعلق بالتركة
 أصحاب الفروض
 من هم أصحاب الفروض
 أصحاب النصف
 أصحاب الربع
 أصحاب الثمن
 أصحاب الثلثين
 أصحاب الثلث
 تقسيم المال بين الجد والإخوة
 الجد مع الإخوة والأخوات
 الـحجـب
 حجب الحرمان
 حجـب النقصـان
 التعصــيب
 العصبة بالنفس
 العصبة بالغير
 الأخ المبارك
 العصبة مع الغير
 العول وحساب الميراث
 الـرد
 ميراث ذوي الأرحام
 ميراث الحمل
 كتـاب العتـق
 تعريف العتق وفضله
 إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق
 الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق
 ترغيب الشارع في العتق
 الوصية بالعتق
 التدبير
 المكاتبة
 بيع المكاتب
 عتق أم الولد
 ولاء المعتق
 كتاب النكاح
 حكم النكاح وحكمة مشروعيته
 الترغيب في النكاح
 تعدد الزوجات
 الترغيب في ذات الدين
 الترغيب في البكر
 النظر إلى المخطوبة
 حرمة الخلوة بالمخطوبة
 النظر إلى المحارم ونظر النوع للنوع
 التصريح بخطبة المعتدة
 خطبة المسلم على خطبة أخيه
 أركان النكاح
 تعريف النكاح:
 شروط النكاح
 شروط الولي
 المحرمات في النكاح
 حرمة الكافرة وحل الكتابية
 حرمة زواج الحرة من عبدها
 الشروط في النكاح
 الشروط التي تبطل عقد النكاح
 نكاح الشغار
 نكاح المحلل
 نكاح المتعة
 النكاح المعلق
 العيوب التي يفسخ بها النكاح
 الصــداق
 تعريف الصداق واستحباب تيسيره
 ما يصح أن يكون مهرا
 تسمية المهر
 تأجيل الصداق
 تملك المرأة صداقها
 وجوب مهر المثل
 ميراث كل من الزوجين للآخر
 الصداق بعد الطلاق
 الصداق في وطء الشبهة
 منع المرأة نفسها قبل قبض صداقها
 وليمة العرس
 إجابة الدعوة
 إعلان النكاح والضرب عليه بالدف
 المعاشرة بالمعروف
 السفر بالزوجة
 حق الزوجة في مسكن مستقل
 العدل بين الزوجات
 نشوز الزوجة
 الخلع
 التكييف الفقهي للخلع
 الرجعة بعد الخلع
 العوض في الخلع
 خلع زوجة الصغير
 كتاب الطلاق
 مقدمة
 تعريف الطلاق
 حكم الطلاق
 الذي يصح منه الطلاق
 متى لا يقع الطلاق
 التوكيل في الطلاق
 طلاق السنة وطلاق البدعة
 الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة
 الطلاق له صريح وله كناية
 كم يملك من الطلقات
 الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات
 مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق
 إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام
 فصل تعليق الطلاق بالشروط
 ما يقطع الشرط والاستثناء
 الطلاق المعلق بشرط يقع متى وقع الشرط
 شك في طلاق أو ما علق عليه
 أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار
 أقسام فراق الرجل لامرأته
 فصل الطلاق الرجعي وأحكام الرجعة
 إذا طلق الحر ثلاثا والعبد اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره
 فصل في الإيلاء
 فصل في الظهار وما يتعلق به
 فصل في اللعان
 باب العدد
 العدة وأقسامها
 الإحداد وتوابعه
 فصل في الرضاع
 باب النفقات
 تعريف النفقة وتحديدها
 متى تسقط نفقة الزوجة
 النفقة على الأقارب
 امتنع من وجبت عليه النفقة
 مقدار النفقة
 النفقة على الرقيق
 نفقة البهائم
 المملوك إذا طلب الزواج
 الحمل على الدواب
 فصل في الحضانة
 الأولى بالحضانة
 ما يشترط في الحاضن
 من لا تثبت له الحضانة
 إذا بلغ الطفل سبع سنين خير بين أبويه
 ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ويصلحه
 كتاب الجنايات
 أهمية كتاب الجنايات وتعريفها
 تحريم القتل
 أقسام القتل
 اجتماع الجماعة على قتل الواحد
 شروط القصاص
 شروط استيفاء القصاص
 كيفية استيفاء القصاص
 ما يجب بقتل العمد
 شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس
 سراية الجناية
 على من تجب الدية
 مقادير الدية
 دية الحر المسلم
 دية قتل العمد وشبه العمد
 دية الأنثى
 دية الكتابي الحر
 دية الرقيق
 دية الجنين الحر
 دية ما في الإنسان منه واحد
 دية ما في الإنسان منه اثنان
 دية ذهاب الحواس
 دية الشجاج
 العاقلة التي تتحمل الدية
 كفارة القتل الخطأ وشبه العمد
 تعريف القسامة وشروطها
 كتاب الحدود
 تعريف الحدود وأهميتها
 شروط إقامة الحدود
 إقامة الإمام للحدود
 كيفية استيفاء الحدود
 مات وعليه حد
 حد الزنا وشروطه
 حد القذف وشروطه
 حد التعزير
 حد الإسكار
 تحريم الخمر
 عقوبة شارب الخمر
 شروط شارب الخمر
 حد السرقة
 شروط حد السرقة
 السرقة من غير حرز
 السرقة زمن المجاعة
 حد قطاع الطريق
 عقوبة قطاع الطريق
 إثبات حد قطاع الطريق
 توبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه
 دفع الصائل
 حكم البغاة
 أحكام المرتد
 تعريف المرتد وحكمه
 الأسباب التي توجب حد الردة
 توبة المرتد
 شروط التوبة
 أحكام الأطعمة
 الأطعمة المحرمة
 أكل المحرم للمضطر
 آداب الضيافة
 أحكام ذكاة الحيوان
 تعريف الذكاة وما تجوز فيه الذكاة
 شروط الذكاة
 ذكاة الجنين
 مكروهات الذبح
 سنن الذبح
 أحكام الصيد
 تعريف الصيد وشروطه
 الأيمان
 تعريف الأيمان ولماذا سميت يمينا
 أنواع الحلف
 كفارة اليمين
 شروط وجوب كفارة اليمين
 حلف ألا يطأ أمته
 متى تجب الكفارة
 مقدار كفارة اليمين
 النية في اليمين
 النذر
 تعريف النذر
 حكم النذر
 أنواع النذر المنعقد
 كتاب القضاء
 أهمية القضاء بين الناس
 حكم نصب القضاة
 الولاية العامة والولاية الخاصة
 شروط تولية القاضي
 لزوم حكم المحكم
 صفات القاضي
 تعريف الدعوى وشروطها
 الشهادة في الحقوق
 شروط الشهود
 تزكية الشهود
 القضاء على الغائب
 كتاب القاضي إلى القاضي
 القسمة
 تعريف القسمة
 أنواع القسمة
 كتاب الشهادات
 حكم تحمل وأداء الشهادة
 أخذ الأجرة على الشهادة
 كيفية الشهادة
 شروط الشاهد
 عدد الشهود
 الشهادة على الشهادة
 قبول الشهادة على الشهادة
 كيفية تحميل الشهادة وشروطها
 الخطأ في الفتوى أو في القضاء
 كتاب الإقرار
 تعريف الإقرار والحكم به
 من يجوز إقراره
 الرجوع في الإقرار
شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد - إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام

كتاب الطلاق

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم,الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال -رحمه الله تعالى-: "كتاب الطلاق: يكره بلا حاجة ويباح لها، ويسن لتضررها بالوطء، وتركها صلاة وعفة ونحوهما، ولا يصح إلا من زوج ولو مميزا يعقله، ومن عذر بزوال عقله، أو أكره أو هدد من قادر فطلق لذلك -لم يقع، ومن صح طلاقه صح توكيله فيه وتوكله.

ويصح توكيل امرأة في طلاق نفسها وغيرها، والسنة أن يطلقها واحدة في طهر لم يجامع فيه، وإن طلق مدخولا بها في حيض أو طهر جامع فيه -فبدعة محرم ويقع، لكن تسن رجعتها.

ولا سنّة ولا بدعة لمستبين حملها، أو صغيرة وآيسة وغير مدخول بها، ويقع بصريحه مطلقا، وبكنايته مع النية، وصريحه لفظ طلاق وما تصرف منه، غير أمر ومضارع، ومطلقة (بكسر اللام)، وإن قال: "أنتِ عليّ حرام، أو كظهر أمي، وما أحل الله علي حرام" -فهو ظهار ولو نوى طلاقا.

وإن قال: "كالميتة أو الدم" وقع ما نواه، ومع عدم نية ظهار، وإن قال: "حلفت بالطلاق" وكذب، دُيّن، ولزمه حكما.

ويملك حرٌ ومبعض ثلاث طلقات، وعبد اثنتين، ويصح استثناء النصف فأقل من طلقات ومطلّقات.، وشُرط تلفظ واتصال معتاد، ونيته قبل تمام مستثنى منه، ويصح بقلب من مطلقات لا طلقات، و"أنتِ طالق قبل موتي" تطلق في الحال، وبعده أو معه لا تطلق، و"في هذا الشهر أو اليوم أو السنة" تطلق في الحال، فإن قال: "أردت آخِر الكل" قٌبِل حكمًا، و"غدا أو يوم السبت" ونحوه تطلق بأوله، فلو قال: "أردت الآخر" لم يقبل، و"إذا مضت سنة فأنتِ طالق" تطلق بمضي اثني عشر شهرا، وإن قال: "السنة" فبانسلاخ ذي الحجة" .


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، نحمد الله ونشكره، ونثني عليه ونستغفره، ونسأله المزيد من فضله، ونسأله أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يهدينا سواء السبيل.

نذكركم أنكم -والحمد لله- تعملون عملا صالحا في مثل هذه الدورات؛ وذلك لأن مواصلة التعلم والحرص على التلقي عمل بر، عملٌ صالح يهدي الله به -تعالى- من أراد به خيرا، تكتب به حسنات، وترفع به درجات، ويكتب الله أهله في حملة العلم الذين يحبهم ويحبونه، والذين يصلون أو يواصلون أوقاتهم بعضها ببعض، حتى يستفيدوا من حياتهم.

في هذه الإجازة، التي يتوقف فيها الكثير من الناس عن الدراسة النظامية، تضيع على كثير، بحيث أنهم إما يضيعونها في لهو وسهو وجلوس وتسكع في الأسواق، وعمل غير مَرضي، أو يضيعونها في رحلات وأسفار لا أهمية لها، ولا يستفيدون منها فائدة تعود عليهم بالخير، أو كذلك يضيعونها في أمور دنيوية، ولو استفادوا من أمور الدنيا، ولكن يفوتهم الخير الكثير، الذي هو أمور الدِّين، وأمور العلم، وأمور العبادة.

فإذا منّ الله عليكم، وواظبتم على هذه الأيام القليلة، واستفدتم فيها فائدة تعود عليكم بالخير -فأنتم من الرابحين؛ وذلك لأن هذه الأيام لا بد أن يحاسب عليها العبد، حيث إنه يضيع جزءا من عمره في غير فائدة فيحاسب.

تذكرون الحديث: « لا تزول قدما عبد، حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ »(1) .

فالسؤال عن العمر هو أولها، يعني: سواء كان كهلا أو شابا أو شيخا، يُسأل عن عمره في أي شيء شغله؟ ويُسأل أيضا عن شبابه -إذا كان في سن الشباب- في أي شيء شغله وصرفه؟ فإذا كان قد صرفه في خير أجاب بجواب نافع مفيد، وأما إذا صرفه في اللهو والسهو فإنه يكون في ذلك متحسرا، ولا يجد جوابا.

ومن أفضل ما يصرف أيامه وأشهره فيه التعلم، سيما تعلم العلوم الشرعية، فإنها مفيدة للإنسان في حياته.

العلوم الشرعية التي يحبها الله تعالى، والتي تبصر الإنسان في حياته، والتي يكون بها عالما كيف يعمل؛ وذلك لأن علمه له نتيجة وله ثمرة.

ثم نحسن الظن بإخواننا الذين توافدوا من بلاد بعيدة إلى هذه الدورة، ونقول: "هنيئا لكم أن تجشمتم مشقات، وجئتم من بلاد بعيدة، وقصدكم بذلك أن تستفيدوا من حياتكم، وأن تعملوا عملا صالحا يرفعكم الله -تعالى- به درجات، ويجزل لكم به الثواب العظيم، فهذا فضل الله تعالى، وهذه نعمته عليكم، فلكم بذلك فضل كبير.

نوصيكم أولا: بحسن النية.

النية إذا كانت حسنة صالحة وفق الله العبد للعمل الصالح، فإذا نويت بهذا التعلم رفع الجهل، فإن الإنسان خُلق جاهلا، كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا (2) .

فالإنسان خلق جاهلا، وذلك الجهل نقص، فيزول هذا النقص بالتعلم؛ حيث أعطانا الله السمع والبصر واللسان والفؤاد، وهي من وسائل التعلم.

فحسن النية أن تنوي رفع الجهل، وهو نقص. ومن حسن النية أن تنوي حمل العلم الذي حمْله شرف، وحمله فضيلة. ومن حسن النية أن تنوي العمل بهذا العلم، حتى إذا عملت عملتَ على بصيرة، على نور وبرهان.

ومن حسن النية أن تنوي نفع نفسك؛ حيث تعمل بالعلم ويقبله الله منك، أو تثاب على هذا العلم الذي تعلمته.

ومن حسن النية أن تنوي ميراث الأنبياء، أن تكون من ورثة الأنبياء الذين ورّثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر.

ومن حسن النية أن تنوي نفع الناس الجهلة، الذين يحتاجون إليك وإلى أمثالك، وهم كثيرون في البلاد، فقد يتعلم فرد العلم الشرعي، ويرجع إلى بلدة يغمرها الجهل ويكثر في أهلها، فلذلك إذا تعلم وفّقه الله -تعالى-، وعلم أهل بلده واستفاد، واستفادوا منه ونفعهم، وكان له أجر على تعلمه، أجر كبير، حيث أنه يبث ما معه من العلم ويفقه الأمة، ويدعوهم إلى الله، « ومن دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه، من غير أن يُنقص من أجورهم شيء »(3) وفي الحديث: « لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمْر النعم »(4) .

ونوصيك أيضا بمواصلة التعلم، فإن العلم كثير ليس له نهاية، هذه المدة التي تتعلمها في هذه الدورة قليلة، بالنسبة إلى بقية الحياة، لا تنال فيها إلا جُزءا يسيرا من العلم، وأنت تعرف أن هذه العلوم تعتبر مبادي، وأن كل علم له فروع وله شروحات، فإذا انتهيت من هذه الدورة فعليك المواصلة، بقراءة الشروح والتعاليق والحواشي، والحرص على استظهارها، وعلى تذكر معانيها؛ حتى تبقى هذه المعلومات، وعليك التزود فيما بعد، ولو إلى نهاية الحياة.

تذكر وصية بعض العلماء الذي يقول: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد". يعني: إلى الموت. وما ذكر عن الإمام أحمد وغيره أنه يقول: "من المحبرة إلى المقبرة". أي: نحمل المحبرة التي هي الدواة، نكتب بها الفوائد ولا نفارقها إلا إذا متنا، "من المحبرة إلى المقبرة" وأشباه ذلك.

فكل هذا دليل على أنه لا بد من مواصلة التعلم، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم فإن علمه قليل.

وليس كل العلم قـد حويتَ *** أجَلْ ولا الإشراق ولو أحصيتَ

لو عُمِّرت مائة سنة ما وصلت إلى عشر العلوم، ولكن الله -تعالى- جعل بعض العلوم فريضة يلزم العمل بها، ويلزم تعلمها، وجعل البقية نافلة، إذا تعلمها كان من حملة العلم الذي قد يحتاج إليه، فتكون العلوم منها ما هو فرض عين، وهي الأشياء التي كُلف بها العبد أن يعمل بها، ومنها ما هو فرض كفاية، وهي العلوم التي يلزم الأمة أن يتعلموها ويحملوها.

موضوعنا هذا هو موضوع "الفقه في الدين" الذي هو تعلم الأحكام؛ وذلك لأن العلماء -رحمهم الله-، لما قرءوا هذه النصوص من الكتاب والسنة -استخرجوا منها الأحكام، وجعلوها في هذه الكتب، وسموها "الفقه": الذي هو الفهم في الأحكام، واستنباط الأحكام من الأدلة، وذكر كل مسألة قد يُحتاج إليها، فدونوها في هذه الكتب، وسموها "كتب الفقه".

وتعرفون أيضا ما فيها من الخلاف بين العلماء المجتهدين؛ حيث أن هناك أقوالا للأحناف الذين هم على مذهب أبي حنيفة، وخالفتها أقوال ومسائل لمن هم أتباع مالك، وخالفتها أيضا أقوال لأتباع الشافعي، وخالفها أقوال لأتباع الإمام أحمد بن حنبل، وهذا الاختلاف الذي وقع بينهم، الأصل أنه سبب الاجتهاد، وسبب اختلاف الآراء، وسبب اختلاف الأفهام، وقد يكون سببه أيضا وقوع خلاف بين الأدلة، والمحققون يجدون جوابا على اختلاف الأدلة، يجمعون بينها حتى لا يكون بينها اختلاف؛ وذلك لأن مصدرها واحد، لأنها إما من كتاب الله، وإما من سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، الاختلاف الذي يكون بينها يمكن الجمع بينه، وإذا لم يمكن حرصوا على أن يجمعوا بينها بأية وسيلة.

وقد مر بنا في السنوات الماضية أمثلة لذلك، أمثلة لهذه المسائل التي وقع فيها خلاف، نحن الآن في أواخر "كتاب الأحكام" هذا الكتاب الذي هو "أخصر المختصرات" من أخصر كتب الفقه، اختصره مؤلفه من "زاد المستقنع" وزاد عليه بعض الجمل، ونقّص منه كثيرا، فهو قد اختصره لأجل أن الذي يحفظه، أو الذي يفهمه يكون عنده علم بمجمل الأحكام الفقهية، التي يحتاج إليها في هذه الحياة الدنيا.

نبدأ في هذه السنة من "كتاب الطلاق" إن تمكنا من إكماله، وإلا فبقيته نكملها -إن شاء الله- في السنة القادمة.

تعريف الطلاق

الطلاق في اللغة يراد به: فك الشيء المربوط، وحل الرباط ونحوه. يقولون: أطلق البعير، فهو مطلق ومطلَّق، يعني: غير مربوط بعد أن كان مربوطا، طلق رباط البعير أو الشاة ونحو ذلك، وسمي بذلك؛ لأنه بعد حله ينطلق، يعني: يذهب حيث يريد.

الطلاق في الاصطلاح أو في الشرع: اسم لمفارقة الزوجة، وإطلاق سراحها.

سماه الله -تعالى- بذلك، في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (5) .

ولذلك تسمى هذه السورة "سورة الطلاق" وذكر أيضا في "البقرة" في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (6) وفي قوله: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ (7) وفي قوله: ﴿ الطَّلَاقُ مَرْتَانِ (8) إلى قوله: ﴿ فإن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (9) وغير ذلك من الآيات، المراد به إطلاق سراح المرأة.

الزوجة بعد عقد النكاح يلزمها أن تكون مقيدة مع زوجها، أن تكون معه لا تقدر على أن تعصيه في نفسها، ولا أن تذهب إلا بإذنه، ويحل له الاستمتاع بها؛ فهي معه وهي في عصمته وفي ذمته، فإذا كرهها فإن له رخصة في أن يفارقها، ويسمى هذا الفراق طلاقا.

حكم الطلاق

ذكر العلماء أنه تتعلق به الأحكام الخمسة: يباح للحاجة، ويكره بلا حاجة، يعني: هذا المباح، يعني: أنه يباح للحاجة، ما المراد بالحاجة؟

إذا تضررت المرأة مثلا، أو كره الرجل خُلق المرأة، أو سوء معاملتها -فإنه يكون مباحا، لا ثواب ولا عقاب، ويكره لغير الحاجة، إذا كانت الحالة مستقيمة بين الزوجين، وكل منها يسير سيرا مستقيما مع الآخر -فإن الطلاق يكون مكروها، ولو كان حلالا؛ ولذا جاء في الحديث: « أبغض الحلال إلى الله الطـلاق »(10) ؛ وذلك أنه حلال، ولكنه مكروه. لماذا؟

لأنه يفرق بين الزوجين، ولأنه قد يفرق بين الأولاد وأحد أبويهم، ولما فيه من إضاعتها.

الزوجة متى طلقت، فإنها قد يكره الناس عشرتها ونكاحها، يقولون: ما طلقت إلا وفيها ضرر أو أنها غير صالحة. وهكذا أيضا الرجل "الزوج" قد يتضرر ولا يرغبه أحد؛ حيث يقولون: إنه كثير الطلاق، أو يطلق بلا سبب. فلذلك يكون الطلاق من غير حاجة مكروها، وإن كان واقعا.

ويستحب لتضررها، إذا تضررت الزوجة، وليس التضرر خاصا أن يضرها الجماع، وإنما تضررها أن تتضرر بسوء خُلق الزوج، إذا كانت تكرهه لسوء خُلقه ولسوء معاملته، بحيث أنه إذا أمسكها تضررت وتمنت فراقه، حتى ربما تبذل من مالها -وهو ما تقدم في "باب الخُلع"- بحيث تحتاج إلى المخالعة، فإذا وصلت إلى حالة تتمنى الفراق، استحب له أن يطلقها، سواء تتضرر بكثرة الجماع منه، أو تتضرر بسوء معاملته أو ما أشبه ذلك.

وكذلك إذا ساءت أخلاقها، إذا رآها لا تصلي استُحب أن يطلقها، أو رآها قليلة الديانة، أو رآها ليست عفيفة، يخشى أنها تفسد عليه نفسها، وتفسد عليه فراشه، أو تُدخل عليه من ليس من أولاده إذا كانت متهمة بالفاحشة، ففي هذه الحال يستحب له فراقها؛ حتى يسلم من هذه المصائب وما أشبهها.

الذي يصح منه الطلاق

ثم من الذي يصح منه الطلاق؟ وقد وضح الحديث: « إنما الطلاق لمن أخذ بالساق »(11) وهو الزوج الذي يملك الاستمتاع بامرأته، فهو الذي يطلق، فلو طلق أبوه ما وقع، ولو طلق ابنه أو أخوه ما وقع، إلا إذا وكّل.

لا يصح إلا من الزوج، وإذا كان الزوج صغيرا غير مميز لا يقع طلاقه، وأما إذا كان قد بلغ سن التمييز، يعني: قرب من العاشرة وعرف أن الطلاق يسبب مفارقة الزوجة -فإن له والحال هذه أن يطلق، ويقع طلاقه ولو كان دون البلوغ.

متى لا يقع الطلاق

متى لا يقع الطلاق؟ لا يقع إذا كان معذورا، إذا كان معذورا بزوال عقله، كما لو شرب مسكرا جاهلا ولم يعلم أنه حرام، فطلاقة لا يقع؛ لأنه يتكلم بما لا يعقل، واختلف فيما إذا طلق وهو سكران، عالما أو متعمدا السكر، هل يقع طلاق السكران أم لا؟

معلوم أن السكران يهزو في كلامه ولا يعقل ما يقول؛ حيث إن هذا السكر قد غطى عقله وغطى معرفته، أكثر العلماء يقولون: "إنه يقع".. لماذا؟

لأنه تعمد شرب المسكر، فيقع طلاقه عقوبة له؛ ولأنه يعرف ما يترتب على شرب المسكر: يترتب عليه الغيبوبة، يترتب عليه زوال العقل وزوال المعرفة، فهو كأنه مقدم على هذا الأمر، فيقع عقوبة له، هكذا قال أكثر العلماء: "إنه يقع طلاق السكران".

ويختار بعض المحقيقين أنه لا يقع، اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وبه يفتي شيخنا ابن باز -رحمه الله-؛ وذلك لأنه في تلك الحالة لا يدري ما يقول، والله تعالى يقول: ﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (12) وهو لا يعلم ما يقول، فكلامه لا يعاقَب ولا يحاسَب عليه.

معلوم أنه سيقام عليه الحد، الذي هو الجلد أو السجن أو نحو ذلك، فأما أن نؤاخذه بما يتصرف فيه فلا، ثم إن بعض الناس يستحلون ما يقدرون عليه من أموال السكران. بعض السكارى -والعياذ بالله- إذا سكر خرج وجعل يمشي في الأسواق، فإذا أشار مثلا إلى صاحب سيارة، وركب معه وعرف أنه سكران -أخذ يطلب ما معه حتى يسلبه ما معه، ولو كان ألفا أو ألوفا، وربما يأخذ ما معه مما هو ثمين، كساعة أو نحوها، هذا حرام، تهتبل غفلته حيث أنه لا يدري.

وهكذا أيضا بعض السكارى -والعياذ بالله-، وهؤلاء إذا دخلوا بيت إنسان وشرب، ورأوا أنه سكر، فإنهم يسلبون ما عنده من المال ويخرجون، ويقولون: إنه حلال لنا لأنه سمح وأعطانا. وهذا حرام.

لا شك أنه يستحق العقوبة الشديدة؛ حيث إنه تعاطى ما يزيل عقله، ولكن كوننا نستحل أمواله، أو نأخذ منه ما ليس حقا لنا، هذا لا يجوز.

أما إذا كان عقله زال بعذر، بمعنى أنه شرب وهو لا يدري، أو مثلا بُنِّج، يعني: ضرب بالبنج الذي أزال شعوره، فتكلم بما لا يعقل وطلق -فإنه لا يقع.

وهكذا المكره، المكره: هو الذي أُلجئ على التلفظ بالطلاق وهدد، وكان الذي هدده إذا قال فعل، يعني: قادر؛ فطلق لذلك فلا يقع طلاقه، إذا أكرهه سلطان أو رئيس أمر، أو مثلا: أهل المرأة جاءوا إليه قالوا: "طلق وإلا قتلناك". أو أحد أوليائها الذين يريدونها لأنفسهم: "طلق وإلا قتلناك". هددوه بالسلاح وهم قادرون ومعهم الأسلحة، فطلق بناء على كلامهم -فالأصل أنه مغلوب على أمره، والمكره قد أبيح له أن ينطق بكلمة الكفر في قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ (13) فكل شيء فيه شيء من الإكراه، لا يقع به الطلاق.

أتذكرون قصة الرجل الذي نزل يشتار عسلا؟ رأى عسلا في قمة جبل، ولا يوصل إليه إلا من الأعلى، فقال لامرأته: "إني ساتدلى بهذا الحبل، فأمسكي هذا الحبل". فأمسكته وتدلى، ولما كان في نصف الطريق قالت له: "طلقني وإلا أطلقت الحبل حتى تسقط". لو أطلقتْه سقط من قمة الجبل، ولم يصل إلا قطعا، فخوفها فلم تقبل، فطلقها، ولما صعد ذهب إلى عمر وسأله فقال: "راجع امرأتك، لا يقع مثل هذا الطلاق". هذا مثال على الإكراه.

التوكيل في الطلاق

ومن صح توكيله فيه وتوكله، ومن لم يصح طلاقه فلا يصح توكيله، فلو قال رجل: وكلتك تطلق زوجة ابني. فهل تطلقها؟ وكلك أبوها، ما يصح وليس لك أن تطلقها؛ لأن الأب لا يصح أن يطلق زوجة ابنه، أما إذا وكلك هو قال: "وكلتك على أن تطلق زوجتي فلانة" -فلك أن تطلقها، بشرط أن يكون الوكيل عاقلا عارفا أثر الطلاق، وأن يكون الموكّل عاقلا عارفا أثر الطلاق، فلا بد أن يكون الوكيل والموكِّل كلاهما مما يصح طلاقه، فيصح توكل العاقل البالغ الرشيد، ويصح توكيله.

هل يصح توكيل المرأة في طلاق نفسها؟ يصح ذلك، إذا قال لها: "وكلتك تطلقين نفسك متى طلبت أو متى رغبت". فإذا رغبت وقالت: "قد طلقت نفسي" -وقع؛ لأنه سمح لها بذلك، سمح بتطليقها، فيقع الطلاق، يصح توكيل المرأة في طلاق نفسها، ويصح في طلاق غيرها.

لو وكل امرأة أجنبية، "وكلتك أن تطلقي امرأتي فلانة". امرأة عاقلة عارفة، يصح أن تكون وكيلة في الطلاق، وكيلة في طلاق نفسها، ووكيلة في طلاق ضرتها، ووكيلة في طلاق امرأة بعيدة.

طلاق السنة وطلاق البدعة

ذكروا أن الطلاق: طلاق سنة، وطلاق بدعة. ما صفة طلاق السنة؟

طلاق السنة: أن يطلقها طلقة واحدة، وأن تكون في طهر، وأن لا يكون قد وطئها في ذلك الطهر، في طهر لم يجامع فيه، لم يكن وطئها في ذلك الطهر، هكذا هذا طلاق السنة، إذا كانت قد دخل بها.

طلاق الثنتين بدعة "طلقتين" وطلاق الثلاث "جمع الثلاث" طلاق بدعة.

اختلف هل يقع إذا طلقها ثلاثا؟ فقال: "أنت طالق وطالق وطالق" ."أنت طالق ثم طالق ثم طالق" "أنت طالق ثلاثا" أو قال: "أنت طالق مائة" أو نحو ذلك، فهل يقع؟

الجمهور على أنه يقع؛ وذلك لأن هذا هو الذي اجتمع عليه الصحابة، وعمل به الأئمة الأربعة، على أن من جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، أن طلاقه يحسب، وأنها لا تحل له إلا بعد زوج، هذا هو قول الجمهور.

خالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: "لا يقع إلا واحدة، إذا طلقها بالثلاث، "طالق وطالق وطالق" إنما يقع طلقة واحدة". لماذا خالفت الجمهور؟ لماذا خالفت الأئمة الأربعة وأتباعهم؟

يقول: "إني ابتليت بالمحلل". لما كان في زمانه كثر المحلل، إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا، استأجر من يحللها له، والمحلل ملعون، في الحديث: « لعن الله المحلل والمحلَّل له »(14) فيقول: "إنه جاء في حديث، في صحيح مسلم، أن الطلاق الثلاث كانت تحسب في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- واحدة، وكذلك في عهد أبي بكر، وأن عمر هو الذي أجراها وجعلها ثلاثا؛ اجتهادا منه، فأعملُ بهذا الحديث، أعملُ بما كان في العهد النبوي". هذا عذر الإمام ابن تيمية.

ويفتي بذلك شيخنا ابن باز -رحمه الله-: أن جمع الثلاث -طالق ثلاثا، أو طالق بالثلاث- أنها تكون واحدة، هكذا جاء في هذا الحديث، ثم العلماء أجابوا عن حديث ابن عباس، الذي فيه أن الثلاث واحدة، أجابوا بستة أجوبة تجدونها في كتب الشروح:

"كسبل السلام" و"نيل الأوطار" وغيرها، منها أنه كان منسوخا ولم يتفطن لنسخه إلا عمر، ومنها أن الحديث مضطرب ولا يعمل به، ومنها أن ابن عباس خالف هذا الحديث، وأفتى بأن الثلاث تكون ثلاثا، ولو كانت بلفظ واحدة، إلى غير ذلك، ثم منهم من يقول: "إذا قال: طالق ثلاثا أو طالق بالثلاث "بكلمة واحدة" -فهي واحدة، فإذا قال: "طالق وطالق وطالق" أو "طالق ثم طالق ثم طالق" -لم يقع إلا واحدة".

هكذا يعتبر، لم يقع إلا طلقة واحدة، "طالق بالثلاث" أو "طالق ثلاثا" بخلاف ما إذا قال: "طالق وطالق..." أو "طالق ثم طالق..." -فتقع الثلاث.

ثم طلاقها وهي حائض طلاق بدعة، وطلاقها في طهر قد جامعها فيه طلاق بدعة، ولكن هل يقع؟ ففي ذلك أيضا خلاف، فشيخ الإسلام وتبعه الشيخ ابن باز على أنه لا يقع، إذا طلق وهي حائض، أو في طهر قد جامع فيه، والجمهور على أنه يقع، ولو كان طلاقَ بدعة، هذا قول الجمهور.

يقول هنا: "إذا طلق مدخولا بها، أو في زمن الحيض، أو في طهر جامع فيه -فهو طلاق بدعة محرم ويقع، ولكن تسن رجعتها". واستدلوا بحديث ابن عمر: « أنه طلق امرأته وهي حائض، فأخبر عمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستاء لذلك وقال: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ليطلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء »(15) .

فقوله: "فليراجعها". دليل على أن الطلاق قد وقع، فهذا معنى قوله: "تسن رجعتها". فإن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، فيدل على أنه طلقها في حيض ووقعت، وأمر أن يراجعها.

إذا راجعها في ذلك الحيض، أمسكها حتى إذا طهرت بعد ذلك الحيض، فإنه يجامعها؛ لأن الرجعة تكون بالوطء، ثم بعد ذلك يمسكها، فإذا مضى ذلك الطهر، وحاضت حيضة أخرى وطهرت -بعد ذلك إن شاء طلق، وإن شاء أمسك.

أمره بأن يراجعها في ذلك الحيض حتى تطهر، الطهر الذي بعد ذلك الحيض يطؤها فيه، ولا يطلقها بذلك الطهر، حتى تحيض حيضة غير التي طلقها فيه، فإذا حاضت أمسكها حتى تطهر، فإذا طهرت من الحيضة الثانية طلقها إن شاء، أو أمسكها.

وإذا تأملنا ذلك، وجدنا أن الحكمة فيه تقليل الطلاق؛ لأن الشرع يكرهه، وذلك لأنه مثلا إذا حاضت، قد تكرهها نفسه وهي حائض أو نفساء؛ لأنه لا يقدر على الانتفاع بها والاستمتاع، فإذا طلقها وهي حائض، كان ذلك تسرعا منه فيندم، بخلاف ما إذا أمسكها، نقول له: "أمسكها حتى تطهر". إذا طهرت فقد تغلبه شهوته فيطؤها، فإذا وطئها بذلك الطهر قلنا له: لا تطلقها في ذلك الطهر حتى يتبين حملها. فإذا أمسكها وتبين حملها، فقد يرغبها، فإذا حاضت المرة الثانية قلنا له: لا تطلقها في هذا الحيض فهو طلاق بدعة، أمسكها حتى تطهر.

لا يجوز الطلاق في الحيض، يمسكها مع كراهته لها، إذا طهرت من الحيضة الأخرى فقد يندفع إليها ويجامعها، فإذا جامعها عرف أيضا أنه لا يحل أن يطلقها في ذلك الطهر الذي وطئها فيه، وهكذا يمسكها، ربما يتغير ما في قلبه، ربما يتراجع عن عزمه على الطلاق، فيمسكها ويبقيها زوجة له، وتصلح الحال بينهما.

هذا هو السبب في النهي عن طلاق البدعة، عرفنا أن طلاق البدعة جمع الثلاث، طلاق بدعة، ويقع عند الجمهور، وأن من طلاق البدعة الطلاق في الحيض، ومع ذلك يقع عند الجمهور، وأن من طلاق البدعة أن يطلق في طهر قد جامع فيه، ويقع عند الجمهور، ولا يقع عند بعض المحقيقين.

كذلك أيضا عرفنا أن مما وقع فيه الخلاف، إذا طلق في حالة غضب "طلاق الغضبان". قسم العلماء الغضب إلى ثلاثة أقسام: بادئ الغضب، يقع الطلاق فيه بلا خلاف.

والغضب الشديد الذي لا يذهب الإحساس، يقع الطلاق فيه عند الجمهور، وخالف في ذلك شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وألف ابن القيم رسالة مطبوعة اسمها "إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان" ورجح أنه لا يقع، وكذلك القسم الثالث: الغضب الذي يذهب الإحساس، ويسبب الإغماء والغيبوبة، بحيث لا يدري ما يتكلم به، فهذا لا يقع.

الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة

ذكر الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة، يقول: "لا سنة ولا بدعة لمستبين حملها". متى بان حملها فإنه يطلقها متى أراد، طلاق الحامل جائز بكل حال، لا يقال: إن الطلاق بدعة. بل هو جائز إذا تبين حملها، في حديث ابن عمر أنه قال: « ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا »(16)

يعني: طاهرا ليست حائضا، في طهر لم يجامعها فيه، أو حاملا قد تبين حملها.

الطهر هاهنا هو طهرها من الحيض، انقضاء الحيض واغتسالها بعده، ذكر عن بعض الجهلة، أنه يعتقد أن الطهر: هو كونه المطلِّق على طهارة. لما سمع أنه لا يطلق إلا في طهر، ظن أنه لا يطلق إلا متطهرا، يعني: متوضئا أو مغتسلا. وهذا قلة فهم، المراد: في طهر من المرأة. أي: ليست حائضا.

وكذلك الصغيرة التي لم تحض، يجوز طلاقها متى أراد، ليس لطلاقها سنة ولا بدعة؛ وذلك لأنها لا تحيض ولا تحمل، فمتى أراد أن يطلقها ولو في طهر جامعها فيه؛ لأنها ليس لها حيض يطلقها.

وكذلك الآيسة: التي قد بلغت سن اليأس ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ (17) يطلقها متى شاء، فليس لطلاقها سنة محددة، وكذلك أيضا غير المدخول بها، يعني: التي لم يكن دخل بها، يطلقها متى أراد، ولا يشترط أن تكون طاهرا أو حائضا.

الطلاق له صريح وله كناية

ثم ذكروا أن الطلاق له صريح وله كناية، فصريح الطلاق إذا قال: أنت طالق أو قد طلقتك، أو أنت مطلقة -يقع بصريحه مطلقا، وكذلك معناه إذا قال: فارقتك أو خلعتك أو لست في ذمتي أو أنت لست زوجة لي... أو ما أشبه ذلك.

الطلاق والتسريح والفراق وردت في القرآن، في قوله تعالى: ﴿ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (18) وفي قوله: ﴿ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (19)

إذا قال: سرحتك، أنت مسرحة، فارقتك، أنت مفارقة، طلقتك، أنت مطلقة.

وكذلك يكون صريحه لفظ الطلاق، ما تصرف منه: طلاق وطالق، أنت طلاق، وأنت طالق، وأنت مطلقة، وقد طلقتك، ما تصرف منه، إلا الأمر لا يقع به، إذا قال: اطلقي أو اسرحي. هذا أمر لا يقع به الطلاق، وكذلك المضارع: تطلقين أو تسرحين. هذا أيضا لا يقع، لا بد أن يكون بلفظ الماضي، أو بلفظ اسم الفاعل: مطلقة، أما إذا قال: مطلِّقة (بكسر اللام)، فلا يقع الطلاق؛ لأنه يقول: أنت مطلِّقة لغيرك.

وأما الكنايات فهي كثيرة، إذا قال: اخرجي اذهبي ذوقي تجرعي، حبلك على غاربك أو قال مثلا: بتَتُّك، أنت خلية، أنت برية، أنت بائن، أنت حرة، أنت حرج. فهل يقع بهذا؟

هذه الكنايات، يعني: أنها ليست صريحة، يقع بالكناية إذا نوى. هل نويت؟

إذا قلت مثلا: اخرجي ذوقي تجرعي، حبلك على غاربك، أنت خلية، أنت برية، أنت حرة، أنت حرج. هل نويت طلاقا أو لم تنو طلاقا؟ قد يكون قلت لها: أنت حرة؛ لأنها ليست مملوكة، أنت حرة يعني: في نفسك، ما ملكتك ملكا كما تملك الإماء. وكذلك إذا قلت: "أنت الحرج". لا أريد بذلك أنها محرمة عليّ، وإنما أريد أحرجها، وإذا قلت: اذهبي ذوقي اخرجي... ما أريد إلا تأديبها، فإذا قال: "نعم قد أردت فراقها". فإنها تطلق بهذه الكنايات.

أما إذا قال: أنت علي حرام، أو أنت كظهر أمي، أو ما أحل الله علي حرام -فهذا ظهار، يأتينا في باب الظهار كفارته، وهي المذكورة في أول سورة "المجادلة" فإنه إذا حرم امرأته فتحريمها يعتبر ظهارا.

وإذا قال: أنت علي كظهر أمي، أو كظهر أختي، أو كظهر ابنتي، أو كبطنها، أو كفرجها... فإن هذا أيضا ظهار، أو ما أحل الله علي... ما أحل الله منك علي حرام، فهذا ظهار، فإذا قال: نويت الطلاق. نقول له: لا يقع، لكن عليك كفارة، أو عليك أن تصرح بالطلاق.

إذا قال: أنت علي كالميتة، أو كالدم، أو كلحم الخنزير. -يعني محرمة- وقع ما نواه، إن كان نوى طلاقا وقع بها طلاق، وإن كان لم ينو فإنه ظهار، مع عدم النية يكون ظهارا، إذا قال: حلفت بالطلاق. وكذب -فإنه يديّن. هل أنت صدقت في أنك حالف بالطلاق؟

فإذا قال: ما أردت إلا اليمين، ما أردت الطلاق. فإنه يدين، فيكون عليه كفارة اليمين.

وأما إذا قال: حلفت بالطلاق، أو علي الطلاق من امرأتي أن أفعل كذا وكذا. وكان قد نوى الطلاق -يقع، يلزمه حكما، حكما ظاهرا، إذا طالبتِ امرأته وقالت: نعم، إنه قد حلف بالطلاق. فقال مثلا: إن لم تخرجي فأنت طالق. إن لم تركبي معي فأنت طالق. أو قال: إن خرجت مع فلان فأنت طالق. وكان يريد الطلاق -فإنها تطلق، فإن كان لا يريد إلا اليمين يدين.

كم يملك من الطلقات

كم يملك من الطلقات؟ الحر والمبعض يملك ثلاثا، والعبد يملك اثنتين، إذا طلق الحر واحدة قدر على أن يراجع؛ لأنها رجعية، فإذا طلق الثانية قدر على أن يراجعها، أما إذا طلق الثالثة فلا رجعة بعدها حتى تنكح زوجا غيره، هذا الحر، وكذلك المعتق بعضه، الذي ليس حرا كله، نصفه حر ونصفه عبد، يملك ثلاثا.

وأما العبد فلا يملك إلا طلقتين، إذا طلق طلقتين لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.

الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات

حكم الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات، يصح استثناء النصف فأقل، ولا يصح استثناء أكثر، إذا كان مثلا له أربع زوجات فقال: زوجاتي طوالق إلا اثنتين "النصف". صح ذلك، وقع الطلاق على اثنتين واستثنى اثنتين؛ لأنه استثنى النصف.

وكذلك لو قال: زوجاتي الثلاث طوالق إلا واحدة. الواحدة أقل من النصف، فأما إذا قال: زوجاتي الأربع طوالق إلا ثلاثا. ما يصح استثناء أكثر من النصف، أو زوجاتي الثلاث طوالق إلا اثنتين. ما يصح؛ لأنه استثنى أكثر من النصف، فالاستثناء يكون للنصف أو أقل، وهكذا الطلقات صورتها يقول: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة.

كم يقع بها؟ اثنتان؛ لأن الواحدة أقل من النصف، أما إذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين، فإنه لا يصح الاستثناء؛ حيث استثنى أكثر من النصف، لا بد أن يكون الاستثناء النصف فأقل.

واختلف فيما إذا زاد على ما يملك، لو قال: أنت طالق أربع طلقات إلا اثنتين. فهل يقع؛ لأن ما يملك إلا ثلاثا؟ أنت طالق أربعا إلا اثنتين.

في هذه الحال، الصحيح أنه لا يصح استثناؤه، لو قال: "أنت طالق عشر طلقات إلا اثنتين" -تطلق واحدة؛ لأنه استثنى أقل من النصف، متى يصح؟

الاستثناء اشترط له التلفظ، أما إذا كان بالنية فلا، النية مثلا أن يقول: أنت طالق ثلاثا. ثم قال: استثنيت بقلبي، استثنيت واحدة بقلبي، أو زوجاتي الأربع مطلقات، سُئل بعد ذلك وقال: نويت إلا فلانة، أو نويت إلا اثنتين. هذا ما ينفعه، لا بد أن الاستثناء يكون باللفظ "بالكلام" فشرط التلفظ، وشرط اتصال المعتاد، وشرطت النية قبل تمام مستثنى منه.

الاتصال: أن لا يطول الفصل. صورته مثلا إذا قال: أنت طالق ثلاثا. وسكت نصف ساعة، أو ربع ساعة، ثم قال: إلا واحدة. هل ينفعه؟ الاتصال لا بد أن يكون متصلا بالكلام دائما، الاستثناء لا بد أن يكون متصلا، ذكر عن... أو نقل عن رجل دخل على المنصور وعنده أبو حنيفة، فقال له: "إن أبا حنيفة يخالف جدك ابن عباس، يقول: "إن الاستثناء لا يصح إلا متصلا". فقال: "ما تقول يا أبا حنيفة؟" فقال أبو حنيفة: "إن هذا الرجل يزعم، أن ليس لكم بيعة على الرعية". ليس لكم بيعة عند الرعية لماذا؟ قال: "يحلفون لكم، وإذا رجعوا إلى بيوتهم استثنوا". وصح أنهم ينقضون، ينقضون العهد لأنهم قد استثنوا"..

فعرف المنصور أن الاستثناء لا يكون إلا متصلا، وأقر أبا حنيفة على ذلك.

والأثر الذي روي عن ابن عباس، في أنه يجوز الاستثناء ولو متأخرا. لم يثبت عنه على الصحيح، فالاستثناء لا بد أن يكون متصلا، لكن ليس كتم التنفس، لو قال: أنت طالق ثلاثا. وقف يتنفس، ثم قال: إلا واحدة، فهذا اتصال معتاد، ولا بد من النية قبل أن يتم المستثنى منه، فلو قال: أنت طالق ثلاثا. ما كانت نيته الاستثناء، ولما كمل كلامه قال: إلا واحدة. فلا تنفعه؛ لأنه ما نوى، وما نوى الاستثناء قبل تمام الكلام.

هل الاستثناء بالقلب يصح؟

يقول: "يصح من مطلقات لا من طلقات". إذا قال مثلا: زوجاتي طوالق. وله أربع، ونوى بقلبه استثناء واحدة، أو استثناء اثنتين -يصح، وذلك لأن كلمة "زوجاتي" تصدق على اثنتين وعلى واحدة، فلا حرج في أن يستثني بقلبه من المطلقات، وأما الطلقات فلا يصح الاستثناء إلا بلفظ، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب مع عدد الطلقات.

مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق

تكلم هنا على مسائل فيها بعض الخفاء، يقول: "إذا قال: أنت طالق قبل موتي، طلقت في الحال؛ لأن الآن قبل موته، فلا يدري هل يموت بعد دقائق، أو يموت بعد سنوات، أو بعد عشرات السنين؟ تطلق في الحال؛ لأنه جعل الطلاق قبل الموت، وهذا الوقت قبل موته، فتطلق في الحال"..

ثانيا: إذا قال: أنت طالق بعد موتي. هل تطلق؟ ما تطلق؛ لأن بعد موته تكون قد بانت منه؛ لأن الموت بينونة كبرى، ومفارقة كاملة، فلا يقع الطلاق إذا قال: بعد موتي. أنت طالق مع موتي. هل تطلق؟ لا تطلق أيضا، وما ذاك إلا أن الطلاق لا بد أن يكون في الحياة، وأما حالة الموت فلا يصح.

ذكروا أنه لو طلقها وهو مريض فإنها ترث منه، حتى ولو انتهت عدتها؛ لأنه الغالب أنه يقصد حرمانها، يطلقها في المرض حتى لا ترث، فالطلاق مع الموت، أو مع قربه لا يقع، لكن إن كان مثلا في مرض معتاد وقع الطلاق، ولكن يتهم بقصد حرمانها فإنها ترث.

أنت طالق في هذا الشهر. متى تطلق؟ تطلق في الحال، "في هذا الشهر" تطلق في الحال؛ لأن هذه الحال من هذا الشهر. أنت طالق اليوم، تطلق ساعة ما يتلفظ، ولا حاجة إلى أن يؤخر الطلاق إلى نهايته. أنت طالق في هذه السنة، تطلق حالة ما يتكلم، تطلق في الحال. إذا قال: أنت طالق اليوم في هذا اليوم، أو في هذا الأسبوع، أو في هذا الشهر، أو في هذه السنة، فإنها تطلق ساعة ما يتكلم.

لو قال: ما أردت طلاقها في الحال، وإنما أردت آخر الكل. يُقبل حكما، يعني: يصدق، فإذا قال: ما أردت إلا آخر اليوم. فإنها تطلق عند غروب الشمس.

وإذا قال: آخر الأسبوع. فإنها تطلق آخر يوم الجمعة، وإذا قال: آخر الشهر. فإنها تطلق آخر اليوم الثلاثين الذي هو آخر الشهر، أو آخر التاسع والعشرين إن كان الشهر ناقصا، وهكذا آخر السنة، يقبل قوله حكما.

إذ قال: أنت طالق غدا. يراد بـ"غدا" اليوم الذي بعده، هذا اليوم تطلق بأوله، أول "غدا" متى؟ هو وقت إمساك الصائم، يعني: وقت الفجر، فإنه أول النهار، فتطلق وقت طلوع الفجر وتبيّن الصبح، وقبل ذلك لو ماتت لورثها، لو مات قبله لورثت منه؛ لأنها لا تزال زوجة، وحدت عليه ونحو ذلك.

إذا قال: أنت طالق يوم السبت. قيل: إنه يدخل فيه الليل، فتطلق إذا غربت شمس يوم الجمعة؛ لأن الليلة تكون من يوم السبت، ولكن الأكثرين على أنه يفرق بين يوم السبت وليلة السبت، فلا تطلق إلا في أول الصباح، صباح يوم السبت بطلوع الفجر.

وكذلك لو قال: أردت الآخِر، أرادت آخر يوم السبت، غروب الشمس يوم السبت، أو قال: أردت آخر الغد. قلتُ: "أنت طالق غدا". وأريد بها آخر النهار، قرب غروب الشمس، هل يقبل؟ لا يقبل.

إذا قال: إذا مضت سنة فأنت طالق. كلمة "سنة" اسم لمضي اثني عشر شهرا، فمتى مضى اثنا عشر شهرا هلاليا فإنها تطلق، لكن في بعض البلاد يوقتون بالأشهر الشمسية، أو الميلادية، فإذا كان ذلك معتادا عندهم، فلا بد أن يمضي اثنا عشر شهرا شمسيا، الأشهر المعروفة عند أهل تاريخ الميلاد، لا بد أن يمضي اثنا عشر شهرا.

وأما إذا قال: "اثنا عشر شهرا". وهو من المسلمين وبينهم، فتكون الأشهر هلالية؛ لأن هذا هو المعتاد والمعروف عند المسلمين.

وأما إذ قال: إذا مضت السنة فأنت طالق. السنة في اصطلاح المسلمين هي السنة الهجرية، وتبدأ بشهر محرم، وتنتهي بشهر ذي الحجة، فتطلق بآخر شهر ذي الحجة؛ لأن هذه هي السنة الهجرية، السنة التأريخية.

وكذلك إذا كان ممن يؤرخ بالتأريخ الميلادي، فإنها أيضا تطلق بنهاية السنة الميلادية، إذا دخل الشهر الميلادي الذي يستقبلون به السنة، ويسمى "يناير" انتهت السنة.

الحاصل أن مثل هذه التعليمات فروض يذكرها الفقهاء، وقد يكون بعضها اجتهادا، يعني قالوه بالاجتهاد، ومع ذلك فإنهم يقيسونها بعضها على بعض، يقيسونها على أقل ما يليق بها، فنقول: ليس شرطا أن يكون على كل جملة نص، أو دليل واضح، بل الأدلة تؤخذ من العمومات، أو تؤخذ من المسميات، نعرف أيضا أن كثيرا منها خلافية، أي: موجود فيها خلافيات بين الفقهاء، وإنما ذكروا ما يترجح لهم.

نكتفي بهذا، غدا -إن شاء الله- يكون الدرس بعد الصلاة مباشرة، إلى الساعة الخامسة والربع، هذه الفترة الأولى، وهكذا -إن شاء الله-... والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ابتدأنا بالأمس في كتاب الطلاق، وذكرنا أو قرأنا شيئا من مسائله، ومنه نعرف أن دين الإسلام دين وسط؛ حيث أباح الطلاق، ومع ذلك أباح الرجعة، ذكروا أن النصارى ليس عندهم طلاق، بل متى عقد على المرأة فلا يقدر على أن يتخلص منها، ويلزمونه بإبقائها مهما كانت الحال، ويشددون عليه في أن يمسكها ولو أساءت صحبته، ولو أضرت به، ولو كانت مخالفة له في أمر العقيدة، أو في أمر الديانة، لا يقدر على أن يتخلص منها، هكذا قالوا.

و إذا قدر أنه فارقها، فإنهم يلزمونه بالإنفاق عليها بقية حياتها، ويقولون له: إنك أفسدت عليها حياتها، وإنك أضررت بها؛ حيث تزوجتها ثم طلقتها، وذلك ضرر عليها، من أين تأكل؟ وكيف تعيش وقد فارقتها؟ فإما أن تؤمن لها معيشة، وإما أن تبقيها عندك ولا تفارقها. هذه ديانة النصارى.

وقد انتشرت في كثير من الدول التي تتسمى بالإسلام، ولكن قد أثر فيها الاستعمار النصراني، وقد أثر فيها مجاورة النصارى، فهم يحرمون تعدد الزوجات، أن يتزوج أكثر من واحدة، وكذلك أيضا يمنعون من الطلاق، تأثرا بمجاورة من حولهم من النصارى، وكذلك أيضا إذا عقد عليها، فرضوا عليه صداقا مؤخرا، يقولون: هذا المؤخر، لو قدر أنه مات قبلها، أو قدر أنه طلقها -وإن كانوا يمنعونه- فإن هذا المؤخر يؤمن لها حياتها، ويؤمن لها معيشتها.

فهذه عادة ورثوها من النصارى، ونحن نقول: "لا بأس لا بأس". إذا طلبت تأخير صداقها، وقالت: لست بحاجة إليه الآن. أدعه كوديعة عندك، متى بدت لي حاجة طلبته، أو إذا فارقتني بموت أو بطلاق طلبته، لا بأس بهذا المؤخر، وأما اعتياده واعتقاد أنه لا يكون إلا... أو لا يحصل عقد إلا بفرضه، فإن هذا يخالف ما عليه تعاليم الإسلام، وفرض شيء زائد على شرع الله تعالى.

إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام، إذا كره الرجل امرأته ونفرت منها نفسه، أبيح له أن يطلقها، كما أنها إذا كرهته لسوء خلقه، أو لسوء معاملته، فلها أن تفتدي، أي: تدفع مالا حتى يخلي سبيلها؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (8) وهو ما يسمى بـ"الخُلع" كثيرا ما يحدث الشقاق والنزاع بين الزوجين، يكون تارة من الزوج، وأحيانا من الزوجة، ويكون نتيجته الطلاق، وسبب ذلك -والله أعلم- سوء التربية، التربية للزوج أو للزوجة.

فالزوج مثلا ينشأ في ترف، وفي سرف، وينشأ في مجتمع فاسد، يألف اللهو واللعب، ويألف المعاصي والمحرمات ويكب عليها، فإذا تزوج امرأة حصينة محصنة عفيفة، أساء معاملتها أو أضر بها، مما يحملها على بغضه وكراهيته وطلب الطلاق.

أحيانا يسهر مع شلة من جنسه، إلى الساعة الثانية أو الثالثة ليلا، ثم يأتي وهو مجهد، فيطرح بنفسه على الفراش، ولا يستيقظ إلا في قرب القيلولة، أول الليل، وهي وحيدة تذرف عيناها، لا تدري أين هو، ليس عندها من يؤنسها، لا يرخص لها أن تكون عند أهلها، ولا أن تكون عند جيرانها، فهي متوحدة ولا تدري أين هو؟ هل هو في بئر؟ أو في بطن بعير؟ على أي شيء سهر؟ إن سهره غالبا على معاصٍ؛ حيث إنه نشأ منذ ترعرع مع أولئك الناس الفاسدين المفسدين، فيسهرون على لعب ولهو، ويسهرون على غناء وطرب، ويسهرون على....

منذ ترعرع مع أولئك الفاسدين المفسدين. فيسهرون على لعب ولهو، ويسهرون على غناء وطرب، ويسهرون على أوادن وعلى دفوف وعلى طبول طوال ليلهم، .

وقد يسهرون على خمر وزمر ودخان وما أشبه ذلك، وقد يسهرون على مشاهدة أفلام خليعة عبر القنوات الفضائية، يناظرونها، ويشهدونها عبر الشاشات، ويكون ليلهم ضحكا وقهقهة وتفكها كما يقولون، وتسلية كما يعبرون، وهكذا ينقضي ليله.

لا شك أنها تتألم، وتتضرر، إذا كانت هذه حالته؛ فعلى هذا لها -والحال هذه- أن تطلب الطلاق..

كيف تقيم زمنا طويلا وهي وحيدة، ليس عندها من يؤنسها، ولا من يزيل وحشتها؟

وهكذا -أيضاً-: كثير من الأزواج يكون سيئ الخلق مع امرأته. فهو دائما يشدد عليها، ودائما يسبها، ويشتم، ويثلب، ويعيب، ويقبح، ويمد يده، ويضرب، ويؤلم، وينتقضها على أقل شيء مما ينتقد، ويدقق عليها في أي شيء إذا لم تفعله، بحيث أنه إذا جاء -مثلا -وتأخر إحضار الطعام- سب وأقذع في السب، وبالغ فيه، وتكلم بكلام سيئ يقلق راحتها ويقض مضجعها. يكون ذلك بلا شك مما يسبب طلاقها، وقلة صبرها حتى لا تصبر، وحتى تطلب الفراق، ولو كان ما كان، وتتمنى أن تعيش وحيدة، ولا أن تكون قرينة ذلك الزوج.

كذلك مما يسبب الفراق أيضا: أن كثيرا من الأزواج يكون شديدا على امرأته بحيث يهجرها دائما، ويغلق عليها، ولا يترك لها متنفسا: فلا يمكنها من زيارة أبويها، ولا أقاربها -ولو استدعوها-، ولا من زيارة آل فلان: كأصدقاء، أو جيران لها فهي دائما منفردة، مغلق عليها بأشد التغاليق، فماذا تفعل؟.

لا شك أنها- والحال هذه- لا يهنأ لها عيش، ولا يستقر لها قرار، فتكون متمنية -دائما- أن تفارقه؛ لأنها تعتبر سجينة، وتعتبر نفسها في أشد الضرر، فذلك مما يسبب طلبها الفراق بهذه الصحبة السيئة.

كذلك -أيضا-: كثير من الأزواج سيئ الظن بامرأته؛ بحيث أنه يكاد أن يقذفها، وأن يرميها بفعل الفاحشة: إذا رآها رفعت السماعة اتهمها أن لها أصدقاء، وإذا رآها خرجت اتهمها أنها خرجت للزنا، أو نحو ذلك. وكذلك -دائما -وهو يسألها، ويحلفها، دائما يؤكد عليها، وأدني حركة يظن أنها فعلت مع غيره، أو زنت، أو نحو ذلك.

مع أنها- في الظاهر- محصنة؛ قد أحصنت فرجها، قد حفظت نفسها. ولكن لشدة ظنه، وتشدده، يقع منه هذا الظن السيئ على ما ورد من النهي عنه من قوله- صلى الله عليه وسلم -: « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث »(20) وهناك أسباب أخري يمكن تعرفون أكثر مما ذكرنا.

وأما بالنسبة للزوجة: فلا شك أيضا أنه يحصل منها أسباب تحمله على الفراق؛ ذلك لأن كثيرا من الزوجات نشأت في بيت ترف، وفي بيت إسراف، وفي بيت فساد، قد أعطاها أهلها ما تريد، وقد أطلقوا لها الحرية، وقد مكنوها من كل شيء تتمناه. فهي عند أهلها - وقبل زواجها- تسرح وتمرح، إذا شاءت دخلت الأسواق وحدها، أو مع غيرها، ولا تبالي أن تزاحم الرجال. وقد تتكشف، وتتبرج أمام الرجال الذين يحتكون بها، وكذلك -أيضا- قد تطول غيبتها عن أهلها، وأهلها قد أطلقوا لها الحرية، وتركوا لها الحبل على الغارب، ومكنوها مما تريد.

وهكذا -أيضا-: كثير من الإناث تعيش عند أهلها في ما يسمونه بالرفاهية وبالتنعم وبالترفيه؛ فهم يجلبون لبناتهم ما يتمنينه. فتجد الإناث قد نشأن على سماع الغناء دائما، والتلذذ به، ونشأن على رؤية الصور التي تفتن. فهن -دائما- مقابلات لهذه الشاشات التي تعرض ما تعرض، فيها الصور الفاتنة، والرؤية الفاضحة، والمرأة ضعيفة التحمل، فهي قد عاشت على هذه العيشة الشريرة التي عاقبتها سيئة نشأت عليها.

وكذلك -أيضا-: أن يمكنها أهلها من شراء الصور الفاتنة، المجلات الخليعة التي بها صور فاتنة هابطة، إذا رآها الرجل، أو المرأة، اعتقد أن أهلها هم أهل الرقي، وأهل التقدم، وأهل الحضارة، وأهل الثقافة. فتقلدهم، وتفعل كما تفعل أولئك النساء اللاتي رسمت صورهن في تلك المجلات، متكشفات متبرجات. فماذا تكون حالتها، وقد عاشت عشرين سنة -أو نحوها- على هذه الصور، وعلى النظر فيها؟ لا شك أنها تحب التقليد لأولئك، فهذا أيضا من أسباب فساد الإناث.

كذلك -أيضا-: كثير من الإناث يمنعهن أهلهن من الحرفة والعمل. فإذا دخلت بيتها فليس لها حاجة ولا عمل إلا أن تنطرح على فراش، أو تقرأ في قصة، أو تنظر في أفلام، أو في صور، ولا تمد يدها لشغل. قد أراحها أهلها، واجتلبوا لها خادمة تكفيها مؤونة بيتها، فهي لا تحسن أن تصلح طعاما، ولا أن تصلح شرابا، ولا أن تغسل ثوبا، ولا أن تنظف بيتا، ولا أن تنظف إناء. قد اعتادت الرفاهية، واعتادت الكسل، واعتادت الخمول، ورضيت بذلك، ورضي بذلك أهلها، ولم يعلموها أية حرفة. فإذا تزوج مثل هؤلاء الإناث ماذا تكون حالتهن؟ إذا تزوجت فهل في الإمكان أنها تشتغل لزوجها؟ لا يمكن أنها تشتغل.

سمعت قصة أوردها شيخنا -الشيخ عبد الله بن حميد- رحمه الله- أن رجلا كان وحيدا، هو ووالدته في بيت واسع، ثم إنه تزوج امرأة، وقال: أتزوج يا والدتي امرأة تساعدك على فعل الدار، وتشتغل، وتحترف معك. فلما تزوج تلك المرأة التي قد رفهها أهلها، ونعموها، وعاشت في غاية التنعم، ولما دخلت إلى بيته بقيت على الفراش.

ففي اليوم الأول: قامت أمه بإصلاح الطعام، وبكنس الدار، قامت تكنس الدار، والزوجة الجديدة تنظر إليها.

في اليوم الثاني: رأى والدته -أيضا- قامت تقم الدار، وتصلحها، وتكنسها, فقال: يا أماه، دعيني أكنس معك -يريد بذلك إثارة همة هذه الزوجة، لعلها ترفق به، وتقول: بل أنا أقوم مقامك، ولا تكلف نفسك وأنت رجل-. فامتنعت أمه، وصارت هي التي تكنس.

في اليوم الرابع: دخل، وإذا أمه تكنس الدار أيضا، فحاول أنه يكنس معها، فأبت. فأطلت هذه الزوجة الجديدة من النافذة تتفرج عليهما، فقالت: أنا أحكم عليكما، عليك أن تكنس يوما، وعلى أمك أن تكنس يوما.

هذا جوابها، ما تنزلت أنها تنزل، وتريح زوجها من هذا العمل. ففي هذه الحال ماذا تكون حالتها؟ إذا تزوجها وهو يريد أن تريحه: تصلح الطعام إذا جاء من عمله يجده مهيئا، وكذلك -أيضا- تغسل ثوبه، تغسل أواني بيتها، وما أشبه ذلك. فإن هذا لا يضرها، بل إنه يعودها على الحركة، ويذهب عنها الخمول والكسل الذي اعتادته، ونشأت عليه، وهو مما يضر بصحتها.

فهذا- ونحوه- من أسباب الفراق، إذا تزوجها، ولم يجد منها إلا خمولا، وضعف همة، وانقطاعا كليا عن أن تنفعه، أو تنفع غيره لا شك، أن هذا يسبب الفراق؛ فإذا رآها -مثلا- تطالبه بما نشأت عليه، تطالبه أن يحضر لها تلك المجلات، ولا صبر لها عنها؛ لأنها تربت عليها، إذا دخل عليها، وإذا هي قد عكفت عليها، فذلك مما يجلب له الظن السيئ.

إذا ألحت عليه في أن يجلب لها الأفلام، أي الصور الخليعة المسجلة في أشرطة الفيديو، وغيرها، ألحت عليه، وإلا طلبت منه أن يمكنها من الشراء؛ فذلك -أيضا- مما يسبب مقته، وبغضه لها، وسرعة فراقه.

وهكذا -أيضا-: إذا رآها مكبة على سماع الغناء من المذياع، والتلذذ به، ولا همة لها في أن تصلح شأنه، أو شأن بيتها، بل هي مكبة على هذا السماع واللهو، كان ذلك -أيضا- من أسباب الفراق؛ من أنه يمقتها، ويقول: هذه لا حاجة لي فيها، ولا منفعة لي فيها، فكيف أتحمل؟ وكيف أصبر، وأقوم أنا بخدمتها، وما أشبه ذلك؟ لا شك أن هذا من آثار تربية أهلها الذين ربوها التربية السيئة، ولم يعلموها شيئا من عمل البيت، ولا من عمل الحرفة، ونعموها، وأحضروا لها مطالبها.

وهكذا -أيضا-: يحصل الفراق في هذه الأزمنة بكونها -مثلا- درست، وواصلت الدراسة، ووصلت إلى مرحلة راقية، أصبحت جامعية، أو دكتورة، أو نحو ذلك، وقد يكون دونها في هذا المؤهل؛ فتحتقره، وتقلل من شأنه، تقلل من أمره، وتقول: أنا أرفع منك رتبة، وأنا أعز منك منزلة، وأنا وأنا. مما يبغضها عنده، ويعجل بفراقها

وكذلك -أيضا- من أسباب الفرقة: الوظيفة؛ كونها موظفة في مدرسة كمدرسة، أو مديرة، أو نحو ذلك، أو موظفة في مستشفى كطبيبة، أو ممرضة، أو ما أشبه ذلك. فإن هذا -أيضا- يأخذ منها وقتا طويلا على زوجها، ويكلفه أيضا تكلفه إيصالها أو ردها، أو تكلفه إحضار خادم، أو سائق يذهب بها ويجيء، وذلك مما قد يسبب الريبة لخلوته بها، ولمخاطبته لها، ولا تلين لزوجها، بل تلزمه بذلك إلزاما. فهذا ونحوه من آثار التربية السيئة.

فنقول: إن الواجب على الوالدين أن يربوا أولادهم -ذكورا وإناثا- التربية الصحيحة، التربية السليمة. فيربوا الذكور على محبة العلم والعمل، والعلم النافع والعمل الصالح، والعبادة ومحبتها، ومحبة الصالحين، وعلى الآداب الإسلامية، وعلى الأخلاق الفاضلة العالية: ومن ذلك حسن المعاملة لأبويهم، وكذلك لإخوتهم، وللمسلمين عموما -ذكورا وإناثا-.

فإن الشاب إذا نشأ على هذه التربية علم بأن عليه حقوقا:حقا لله تعالى، وحقا لعباده، وحقا لنفسه، وأعطى كل ذي حق حقه، وعرف إذا تزوج أنه يجب عليه حسن المعاملة لهذه الزوجة، وحسن الصحبة، والتخلق بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، وبذل الندى، وكف الأذى، وحسن المعاملة، وتجنب مساوئ، الأخلاق، وإعطاؤها حقوقها، وتمكينها مما تريد مما لا محظور فيه حتى تألفه، وحتى تعيش معه عيشة طيبة، وتجد مطلبها وراحتها، ويرزقها الله - تعالى -رزقا حسنا.

وكذلك الزوج إذا تربي هذه التربية، والزوجة إذا تربت على ذلك، كان في ذلك توفيق- بإذن الله- لكل من الزوجين، وكل منهما يعيش العيشة الطيبة، ويحيا السعادة، ويحيا بحياة طيبة، وسعادة طيبة، هذه هي الوسيلة لبقاء الزوجية، وعدم المفارقة لها.


(1) الترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2417) , والدارمي : المقدمة (537).
(2) سورة النحل: 78
(3) مسلم : العلم (2674) , والترمذي : العلم (2674) , وأبو داود : السنة (4609) , وأحمد (2/397) , والدارمي : المقدمة (513).
(4) البخاري : المناقب (3701) , ومسلم : فضائل الصحابة (2406) , وأبو داود : العلم (3661) , وأحمد (5/333).
(5) سورة الطلاق: 1
(6) سورة البقرة: 227
(7) سورة البقرة: 228
(8) سورة البقرة: 229
9 : سورة البقرة: 230
(10) أبو داود : الطلاق (2178) , وابن ماجه : الطلاق (2018).
(11) ابن ماجه : الطلاق (2081).
(12) سورة النساء: 43
(13) سورة النحل: 106
(14) الترمذي : النكاح (1119) , وأبو داود : النكاح (2076) , وابن ماجه : النكاح (1935) , وأحمد (1/87).
(15) البخاري : الطلاق (5252) , ومسلم : الطلاق (1471) , والترمذي : الطلاق (1175) , والنسائي : الطلاق (3392) , وأبو داود : الطلاق (2185) , وابن ماجه : الطلاق (2022) , وأحمد (2/124) , ومالك : الطلاق (1220) , والدارمي : الطلاق (2262).
(16) البخاري : تفسير القرآن (4908) , ومسلم : الطلاق (1471) , والترمذي : الطلاق (1176) , والنسائي : الطلاق (3392) , وأبو داود : الطلاق (2185) , وابن ماجه : الطلاق (2019) , وأحمد (2/130) , ومالك : الطلاق (1220) , والدارمي : الطلاق (2262).
(17) سورة الطلاق: 4
(18) سورة البقرة: 231
(19) سورة الطلاق: 2
(20) البخاري : النكاح (5144) , ومسلم : البر والصلة والآداب (2563) , والترمذي : البر والصلة (1988) , وأحمد (2/465) , ومالك : الجامع (1684).