موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - تعريف الحدود وأهميتها - شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 أقسام المياه
 فصل كل إناء طاهر
 جلد الميتة
 فصل في الاستنجاء والاستجمار
 فصل في السواك وتوابعه
 الوضوء
 فصل في فرائض وسنن الوضوء
 فصل في المسح على الخفين
 فصل في نواقض الوضوء
 الغسل
 فصل في موجبات وسنن الغسل
 التيمم
 فصل ما يصح به التيمم
 من شروط صحة التيمم طلب الماء
 نية التيمم
 تأخير التيمم رجاء وصول الماء
 عدم الماء والتراب أو لم يمكنه استعمالهما
 إزالة النجاسة
 الدهن المتنجس
 يسير الدم
 فصل في الحيض
 كتاب الصلاة
 وجوب الصلوات الخمس
 تأخير الصلاة
 تارك الصلاة جحودا
 فصل في الأذان والإقامة
 حكم الأذان والإقامة وكيفيتهما
 الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر
 فصل في شروط صحة الصلاة
 باب صفة الصلاة
 مكروهات الصلاة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في سجود السهو
 فصل في صلاة التطوع والقنوت
 الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
 فصل في صلاة الجماعة
 فصل في الإمامة وما يلحقها
 فصل في صلاة المريض
 فصل في صلاة القصر والجمع
 صلاة الخوف
 فصل في صلاة الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء
 كتاب الجنائز
 ما ينبغي للمسلم من لدن المرض إلى الوفاة
 فصل في غسل الميت
 تكفين الميت
 فصل في الصلاة على الميت ودفنه
 زيارة القبور والتعزية
 كتاب الزكاة
 ما تجب فيه الزكاة وشروطها
 نصاب الزكاة
 زكاة المكيل
 فصل في زكاة الذهب
 فصل في زكاة الفطر
 فصل في شروط إخراج الزكاة وأصنافها
 صدقة التطوع
 كتاب الصيام
 ما يثبت به شهر رمضان
 الأعذار المبيحة للفطر
 النية في الصيام
 المفطرات وأحكامها
 مكروهات الصوم
 سنن الصوم
 فصل ما يسن صومه من الأيام وما يحرم
 فصل في أحكام الاعتكاف ولواحقه
 كتاب الحج والعمرة
 شروط وجوب الحج والعمرة
 شروط حج المرأة
 موت القادر على الحج قبل أن يحج أو يعتمر
 سنن الإحرام
 أقسام الحج
 التلبية
 الإحرام قبل الميقات
 فصل في مواقيت الحج
 محظورات الإحرام
 إحرام المرأة
 فصــل في الفدية
 حرمة مكة والمدينة
 باب دخول مكة
 صفة الحج والعمرة
 فصل في أركان وواجبات الحج والعمرة
 الفوات والإحصار
 فصل في الأضحية
 العقيقة
 كتاب الجهاد
 حكم الجهاد وشرطه
 الغنيمة
 فصل في عقد الذمة
 كتاب البيع وسائر المعاملات
 شروط البيع
 أقسام الخيار
 ربا الفضل
 ربا النسيئة
 بيع الأصول وبيع الثمار
 السلم وشروطه
 أحكام القرض
 أحكام الرهن
 أحكام الضمان
 أحكام الحوالة
 الصلح
 أحكام الجوار
 أحكام الحجر
 الوكالة
 الشركة
 المساقاة والمزارعة
 الإجارة
 المسابقة
 العارية
 الغصب والضمان
 الشفعة
 الوديعة
 إحياء الموات
 الجعالة
 اللقطة
 اللقيط
 كتاب الوقف
 تعريف الوقف ودليل مشروعيته
 صيغ الوقف القولية:
 شروط الوقف
 الوقف على غير المسلم
 العمل بشرط الواقف
 مصرف الوقف
 الوقف على الأبناء
 الوقف على مجموعة
 كتــاب الهبـــة
 حكم الهبة وألفاظها
 هبة الثواب
 هبة الوالد لأبنائه
 هبة الأب لبعض أبنائه في حياته
 الرجوع في الهبة
 تملك الأب لمال ولده
 فضل الهدية
 الهدية المحرمة
 هدية المريض
 الترتيب في العطية
 الرجوع في العطية
 إثبات ملكية العطية
 أحكام الوصية
 الوصية لوارث
 الوصية بالخمس
 صيغ الوصايا
 مقدمة الوصية
 الوصية فيما دون الثلث
 الوصية فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة
 عدم وفاء الوصية بالموصى لهم
 تقدم الواجبات والديون في التركة
 ما تصح به الوصية
 الحادث بعد الوصية:
 الوصية بالأنصباء
 الوصية على معصية
 شروط الموصى إليه
 شروط الموصى به
 مات بمحل ليس فيه حاكم
 تجهيز الميت من تركته
 كتـــاب الـفـرائـض
 تعريف الفرائض
 أسباب الإرث
 ميراث المطلقة
 الولاء
 ميراث العبد لسيده
 موانع الإرث
 أركان الإرث
 شروط الإرث
 أقسام الورثة
 ما يتعلق بالتركة
 أصحاب الفروض
 من هم أصحاب الفروض
 أصحاب النصف
 أصحاب الربع
 أصحاب الثمن
 أصحاب الثلثين
 أصحاب الثلث
 تقسيم المال بين الجد والإخوة
 الجد مع الإخوة والأخوات
 الـحجـب
 حجب الحرمان
 حجـب النقصـان
 التعصــيب
 العصبة بالنفس
 العصبة بالغير
 الأخ المبارك
 العصبة مع الغير
 العول وحساب الميراث
 الـرد
 ميراث ذوي الأرحام
 ميراث الحمل
 كتـاب العتـق
 تعريف العتق وفضله
 إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق
 الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق
 ترغيب الشارع في العتق
 الوصية بالعتق
 التدبير
 المكاتبة
 بيع المكاتب
 عتق أم الولد
 ولاء المعتق
 كتاب النكاح
 حكم النكاح وحكمة مشروعيته
 الترغيب في النكاح
 تعدد الزوجات
 الترغيب في ذات الدين
 الترغيب في البكر
 النظر إلى المخطوبة
 حرمة الخلوة بالمخطوبة
 النظر إلى المحارم ونظر النوع للنوع
 التصريح بخطبة المعتدة
 خطبة المسلم على خطبة أخيه
 أركان النكاح
 تعريف النكاح:
 شروط النكاح
 شروط الولي
 المحرمات في النكاح
 حرمة الكافرة وحل الكتابية
 حرمة زواج الحرة من عبدها
 الشروط في النكاح
 الشروط التي تبطل عقد النكاح
 نكاح الشغار
 نكاح المحلل
 نكاح المتعة
 النكاح المعلق
 العيوب التي يفسخ بها النكاح
 الصــداق
 تعريف الصداق واستحباب تيسيره
 ما يصح أن يكون مهرا
 تسمية المهر
 تأجيل الصداق
 تملك المرأة صداقها
 وجوب مهر المثل
 ميراث كل من الزوجين للآخر
 الصداق بعد الطلاق
 الصداق في وطء الشبهة
 منع المرأة نفسها قبل قبض صداقها
 وليمة العرس
 إجابة الدعوة
 إعلان النكاح والضرب عليه بالدف
 المعاشرة بالمعروف
 السفر بالزوجة
 حق الزوجة في مسكن مستقل
 العدل بين الزوجات
 نشوز الزوجة
 الخلع
 التكييف الفقهي للخلع
 الرجعة بعد الخلع
 العوض في الخلع
 خلع زوجة الصغير
 كتاب الطلاق
 مقدمة
 تعريف الطلاق
 حكم الطلاق
 الذي يصح منه الطلاق
 متى لا يقع الطلاق
 التوكيل في الطلاق
 طلاق السنة وطلاق البدعة
 الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة
 الطلاق له صريح وله كناية
 كم يملك من الطلقات
 الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات
 مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق
 إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام
 فصل تعليق الطلاق بالشروط
 ما يقطع الشرط والاستثناء
 الطلاق المعلق بشرط يقع متى وقع الشرط
 شك في طلاق أو ما علق عليه
 أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار
 أقسام فراق الرجل لامرأته
 فصل الطلاق الرجعي وأحكام الرجعة
 إذا طلق الحر ثلاثا والعبد اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره
 فصل في الإيلاء
 فصل في الظهار وما يتعلق به
 فصل في اللعان
 باب العدد
 العدة وأقسامها
 الإحداد وتوابعه
 فصل في الرضاع
 باب النفقات
 تعريف النفقة وتحديدها
 متى تسقط نفقة الزوجة
 النفقة على الأقارب
 امتنع من وجبت عليه النفقة
 مقدار النفقة
 النفقة على الرقيق
 نفقة البهائم
 المملوك إذا طلب الزواج
 الحمل على الدواب
 فصل في الحضانة
 الأولى بالحضانة
 ما يشترط في الحاضن
 من لا تثبت له الحضانة
 إذا بلغ الطفل سبع سنين خير بين أبويه
 ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ويصلحه
 كتاب الجنايات
 أهمية كتاب الجنايات وتعريفها
 تحريم القتل
 أقسام القتل
 اجتماع الجماعة على قتل الواحد
 شروط القصاص
 شروط استيفاء القصاص
 كيفية استيفاء القصاص
 ما يجب بقتل العمد
 شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس
 سراية الجناية
 على من تجب الدية
 مقادير الدية
 دية الحر المسلم
 دية قتل العمد وشبه العمد
 دية الأنثى
 دية الكتابي الحر
 دية الرقيق
 دية الجنين الحر
 دية ما في الإنسان منه واحد
 دية ما في الإنسان منه اثنان
 دية ذهاب الحواس
 دية الشجاج
 العاقلة التي تتحمل الدية
 كفارة القتل الخطأ وشبه العمد
 تعريف القسامة وشروطها
 كتاب الحدود
 تعريف الحدود وأهميتها
 شروط إقامة الحدود
 إقامة الإمام للحدود
 كيفية استيفاء الحدود
 مات وعليه حد
 حد الزنا وشروطه
 حد القذف وشروطه
 حد التعزير
 حد الإسكار
 تحريم الخمر
 عقوبة شارب الخمر
 شروط شارب الخمر
 حد السرقة
 شروط حد السرقة
 السرقة من غير حرز
 السرقة زمن المجاعة
 حد قطاع الطريق
 عقوبة قطاع الطريق
 إثبات حد قطاع الطريق
 توبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه
 دفع الصائل
 حكم البغاة
 أحكام المرتد
 تعريف المرتد وحكمه
 الأسباب التي توجب حد الردة
 توبة المرتد
 شروط التوبة
 أحكام الأطعمة
 الأطعمة المحرمة
 أكل المحرم للمضطر
 آداب الضيافة
 أحكام ذكاة الحيوان
 تعريف الذكاة وما تجوز فيه الذكاة
 شروط الذكاة
 ذكاة الجنين
 مكروهات الذبح
 سنن الذبح
 أحكام الصيد
 تعريف الصيد وشروطه
 الأيمان
 تعريف الأيمان ولماذا سميت يمينا
 أنواع الحلف
 كفارة اليمين
 شروط وجوب كفارة اليمين
 حلف ألا يطأ أمته
 متى تجب الكفارة
 مقدار كفارة اليمين
 النية في اليمين
 النذر
 تعريف النذر
 حكم النذر
 أنواع النذر المنعقد
 كتاب القضاء
 أهمية القضاء بين الناس
 حكم نصب القضاة
 الولاية العامة والولاية الخاصة
 شروط تولية القاضي
 لزوم حكم المحكم
 صفات القاضي
 تعريف الدعوى وشروطها
 الشهادة في الحقوق
 شروط الشهود
 تزكية الشهود
 القضاء على الغائب
 كتاب القاضي إلى القاضي
 القسمة
 تعريف القسمة
 أنواع القسمة
 كتاب الشهادات
 حكم تحمل وأداء الشهادة
 أخذ الأجرة على الشهادة
 كيفية الشهادة
 شروط الشاهد
 عدد الشهود
 الشهادة على الشهادة
 قبول الشهادة على الشهادة
 كيفية تحميل الشهادة وشروطها
 الخطأ في الفتوى أو في القضاء
 كتاب الإقرار
 تعريف الإقرار والحكم به
 من يجوز إقراره
 الرجوع في الإقرار
شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد - تعريف الحدود وأهميتها

كتاب الحدود

تعريف الحدود وأهميتها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال -رحمه الله- تعالى:

كتاب الحدود

لا تجب إلا على مكلف ملتزم عالم بالتحريم، وعلى إمام أو نائبه إقامتها.

ويُضرب رجل قائما بسوط لا خلق ولا جديد، ويكون عليه قميص وقميصان، ولا يبدي ضارب إبطه.

ويُسَن تفريقه على الأعضاء، ويجب اتقاء وجه ورأس وفرج ومقتل. وامرأة كرجل لكن تضرب جالسة، وتشد عليها ثيابها وتُمسَك يدها، ولا يحفر لمرجوم، ومن مات وعليه حد سقط.

فيرجم زان محصن حتى يموت، وغيره يجلد مائة ويغرّب عاما، ورقيق خمسين ولا يغرب، ومبعض بحسابه فيهما، والمحصن من وطئ زوجته بنكاح صحيح في قبلها ولو مرة وشروطه ثلاثة:

تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي لآدمي ولو دبرا، وانتفاء الشبهة.

وثبوته بشهادة أربعة رجال عدول في مجلس واحد بزنا واحد مع وصفه أو إقراره أربع مرات، مع ذكر حقيقة الوطء بلا رجوع. والقاذف محصنا، يُجلَد حر ثمانين ورقيق نصفها، ومبعض بحسابه، والمحصن هنا: الحر المسلم العاقل العفيف.

وشرط كون مثله يطأ أو يوطأ لا بلوغه، ويعذر بنحوِ: يا كافر، يا ملعون، يا أعور، يا أعرج، ويجب التعذير في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، ومرجعه إلى اجتهاد الإمام.

فصل: وكل شراب مسكر يحرم مطلقا إلا لدفع لقمة غص بها مع خوف تلف، ويقدَّم عليه بول.

فإذا شربه أو احتقن به مسلم مكلف مختارا عالما أن كثيره يسكره حُدَّ حر ثمانين، وقِنٌّ نصفها، ويثبت بإقراره مرة كقذف أو شهادة عدلين، وحرم عصيره ونحوه إذا غلى أو أتى عليه ثلاثة أيام.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحدود: العقوبات على المعاصي، وتطلق الحدود على الأحكام التي حددها الله وبينها مثل قوله تعالى -بعد آيات الصيام-: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا(1) وبعد آيات الطلاق: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا(2) .

فحدود الله هنا أحكامه التي بينها ونهى عن قربها، يعني فعل شيء مما نهى الله عنه فيه عصيان أو في الاعتكاف ونحوه، وكذلك الاعتداء في النكاح وفي الطلاق وما أشبه ذلك ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا(2) ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ(3) .

فهكذا أصل الحدود، وتلك حدود الله، فيذكر الله تعالى الحدود بعد الأوامر والنواهي، وكذلك بعد الأحكام، كقوله بعد أحكام المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ(4) .

ولكن اصطلح الفقهاء على تخصيص الحدود بالعقوبات؛ لأن أصل الحد هو الحاجز بين الشيئين، فتقول مثلا لجارك: هذا الخط حد بيني وبينك، وبين ملكي وبين ملكك، وهذا الجدار حد بين آل فلان وآل فلان.

ثم إن الفقهاء استعملوا الحدود للعقوبات، فيقولون: الحد عقوبة على ذنب لتمنع من الوقوع في مثلها، يعني أن هذا الحد يشرع فيه عقوبة على ذلك الذنب الذي ارتكبه هذا المجرم فيُحَدّ أي: يعاقب حتى يرتدع هو ويرتدع أمثاله ولا يعودون إلى هذا الذنب مرة أخرى.

هذا هو الأصل في شرعية هذه العقوبات، ولا شك أن إقامتها تطهير للبلاد، وتعطيلها نشر للفساد. ورد في بعض الأحاديث: « لحد يقام في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحا »(5) .

بمعنى أنه إذا أقيم الحد كان ذلك زجرا للناس عن هذا الذنب، وعن الاعتداء عليه، فيكون في ذلك تطهير للبلاد عن هذه المعاصي، وتطهير للعباد عن هذه المحرمات، وذلك مما يسبب رحمة الله لهم؛ حيث إنهم تابوا وأقلعوا عن الذنوب، وابتعدوا عن هذه المحرمات.

ولكن إذا أصروا واستمروا ولم يكن هناك عقوبات فإن المعاصي تكثر، ويكون من آثارها حرمان الله تعالى فضله، وحجبه عنهم رحمته، فما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، فيُعلَم بذلك أن الله تعالى ذكر هذه الحدود لتكون زواجر عن الآثام وعن المحرمات.

وقد تقدم حد منها وهو القصاص، وأنه شُرع لأجل أن يتوقف المعتدي فلا يتعدى حده، بل يتوقف ولا يقدم؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ(6) يعني أن سبب شرعيته حتى يقي من القتل، حتى إذا هم بقتل مسلم وتذكر أنه سوف يُقتَل عند ذلك ينزجر ويترك الاعتداء.

فكذلك بقية العقوبات، فمثلا عقوبة الزنا، جعل الله تعالى فيها حدا الجلد أو الرجم؛ وذلك لأنها محرمة ولما يترتب عليها من المفاسد، إذا هم بأن يزني وتذكر أنه سوف يرجم أو سوف يجلد ويغرب ويحبس ويطال حبسه تفكر هذا الفكر وترك هذا المحرم؛ لأنه سيترتب عليه فضيحته، وسيترتب عليه أذى له فينزجر ويتوب عن هذا الفعل.

كذلك أيضا إذا همَّ بأن يسرق وعرف بأنه سوف تقطع يده إذا سرق فكر وقال: ما قيمة هذه السرقة مقابل هذا المال الذي سوف آخذه؟ أين يقاس بيدي التي فيها نصف الدية؟ فيتراجع ويترك السرقة.

وهكذا إذا همَّ بأن يشرب الخمر وعرف بأنه إذا شربها فإنه لا بد سيعاقب، يجلد ويشهر بأمره فيقول: ما نتيجة هذه الشربة التي هي لذة لحظات ثم لا أستفيد منها إلا الخجل وإلا الفشل وإلا الألم الذي هو هذا الجلد الذي يعود علي به الضرر، فيرجع إلى نفسه ويعلم أنه لا حاجة له في هذا الشيء الذي لذته يسيرة وعقوبته شنيعة.

هذا هو السبب، هذه عقوبات دنيوية تزجر كثيرا من الناس مع أن الله تعالى قد توعد بعقوبات أخروية أشد وأشد، العقوبات في الآخرة أشد، وهي حرمانهم من ثواب الله ومن جنته ودخولهم النار، أو تعرضهم لسخط الله فيفكر أيضا إذا كان معه الإيمان ومعه عقل أنه لا مقارنة ولا مقاربة بين هذه اللذة العاجلة وبين حرمان ثواب الله، وحرمان رضاه أو الحصول على غضبه والحصول على عذابه في الآخرة، فيعرف أن هذه اللذة وقتها يسير وعاقبتها سيئة.

ولذلك ينزجر عنه العاقل إذا تذكر عقوبتها وتذكر أن مسرته هذه يعقبها مساءة شديدة وإساءة دائمة حتى يقول بعضهم:

مسرة أحقاب تلقيت بعدها *** ..................................

نسيت ما كنت فيه من تلك المسرات وذهبت كأنها ليست شيئا، فكيف إذا كانت المسرة ساعة أو يوما أو أياما قليلة؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ فإن الدنيا كلها قليلة وحياتك منها -أيضا- قليلة؛ ولهذا الكفار إذا قيل لهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ(7) يقولون: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ(7) مع أنهم لبثوا عشرات السنين ولكن نسوا ما كانوا فيه من لذة الدنيا وشهوتها. ورد -أيضا- في حديث « أنه يجاء بأنعم الناس في الدنيا من أهل الكفر أو من أهل المعاصي -أنعم الناس في الدنيا- فيغمس في العذاب غمسة، فيقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مرت بك مسرة قط؟ فيقول: لا، ما رأيت خيرا قط، وما مرت بي مسرة قط. ويجاء بأبأس الناس في الدنيا وأشدهم بأسا في الدنيا من أهل الجنة فيغمس في الجنة - أو في ثوابها غمسة-، فيقال: يا ابن آدم، هل رأيت سوءا قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا يا ربي »(8) أهل النار إذا غمسوا فيها مرة نسوا ما كانوا فيه في الدنيا من ملذاتهم وشهواتهم وسكرهم ومكرهم ولهوهم وسهوهم وخمرهم وزمرهم وزناهم وفواحشهم التي يتلذذون بها في الدنيا، يلطفون بها عن أنفسهم ساعة واحدة، أو أقل، إذا غمسوا في العذاب نسوا ذلك كله كأنه لم يكن. ويقول بعض الشعراء:

تفنـى اللذاذة مـمن نال صـبوتها *** من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقـى أواخـر سوء لا مصير لها *** لا خير في لذة من ذاتها النار

يعني اللذة التي في الدنيا، لذة الزنى ولذة لواط ولذة فاحشة ولذة سكر ولذة غناء ولذة كبر ولذة رفاهية ولذة توسع في المحرمات وما أشبهها، ترفيه -كما يقولون- وتسلية وما أشبه ذلك، هل هي تدوم؟ تبقى معه ساعة أو سويعات أو نحو ذلك، ثم كأنه لم يتمتع بتلك الميزات، ولكن يبقى عليه الإثم الذي يعاقب عليه في الآخرة، ويبقى عليه التعرض للعذاب، وتبقى عليه التبعات. فكيف مع ذلك يقدم وهو يعلم أنه سيستمر العذاب على ذلك؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍ "لاخير في لذة من بعدها النار" وحيث إن الكثير من الناس يقدمون القريب على البعيد، يقدمون الحاضر على الغائب، وينظرون إلى ما أمام أعينهم ويغفلون عما وعدوا به، ويتناسون وعيد الله تعالى على هذه المعاصي والمحرمات -يتناسونها، فتحملهم.. تحملهم تلك المناظر البراقة، وتلك الشهوات النفسانية، والنفس الأمارة بالسوء، تحملهم على أن يندفعوا إلى فعل هذه المحرمات ويقعوا فيها ولا يفكرون في العواقب، ثم بعد ذلك ينتبهون، فما ينتبهون إلا وقد وقعوا، ثم ربما -أيضا- أنهم يعودون مرة ثانية وثالثة ومرارا.

لما كان كذلك شرع الله تعالى هذه العقوبات، عقوبات دنيوية؛ لتكون زاجرة لهؤلاء الذين إيمانهم ضعيف، زاجرة لهم وناهية لهم عن الوقوع في هذه الآثام والمحرمات، فمن كان معه إيمان ويقين زجره إيمانه، ولو لم يكن معه أحد يراقبه، ومن ضعف إيمانه اندفع بشهوته إلى أن يفعل الآثام وأنواع الإجرام.

فأولا : أن على المسلم أن يجدد إيمانه وعقيدته، فيؤمن بأن الله تعالى هو ربه وخالق، والرب هو المعبود، ويؤمن كذلك بأن الله تعالى تعبده أي: أمره ونهاه فأصبح عبدا لله -سبحانه وتعالى-، والعبد عليه أن يطيع ربه وخالقه.

وثالثا: أن يعلم أن الله حرم هذا وأباح هذا، فيفعل ما هو مباح أو ما هو واجب، يتقرب به ويبتعد عما هو محرم وإثم كبير، يتركه خوفا من الله.

ورابعا: يعلم أنه إذا أطاع الله وفعل ما أمر به، فإن الله تعالى يثيبه في دنياه وفي أخراه، فيعطيه أجرا كبيرا، وأنه إذا عصى الله تعالى ووقع في هذه الآثام فإنه قد توعده بأنه يعاقبه ويعذبه في دنياه وفي أخراه. من كان معه هذا الإيمان زجره عن المعاصي، ولو كانت الدوافع إليها شديدة زجره عن الزنى وعن الخنا وما أشبه ذلك، ولو كانت متيسرة أسبابه، فنضرب -مثلا- بنبي الله يوسف -عليه السلام-، كونه شابا في غاية الشباب وجميلا في غاية الجمال، وكونه في بيت سيده الذي ملكه ظلما، وكون امرأة ذلك السيد من أجمل الناس، وكونها غلقت الأبواب ودعته إلى نفسها ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا(9) ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ(9) ولكن ما الذي حجزه مع الدافع القوي، حجزه برهان ربه، حجزه الإيمان، حجزه إيمانه وخوفه من الله ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ(9) يعني اعترف بأن الله تعالى هو ربه وأنه أحسن مثواه وأنه توعد على ذلك بالعقوبة، فلا شك أن هذا أظهر الإيمان القوي. يكون زاجرا لمن كان معه هذا الإيمان الصحيح القوي؛ لذلك ذكر ابن رجب: أن رجلا خلا بامرأة في ليلة وراودها عن نفسها، وقال: ما يرانا إلا الكواكب، فقالت: فأين مكوكبها ؟! فذكرته أن الله تعالى هو يرانا، وهو الذي كوكبها، يعني خلقها وسيرها، لا يخفي عليه خافية ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(10) .

وأن آخر خلا بامرأة في منزل، وهمّ بها، وأظهرت له المطاوعة، وقال لها: أغلقي الأبواب، فقال بعد ذلك: هل أغلقت جميع الأبواب؟ قالت: نعم بقي باب واحد، الذي بيننا وبين الله، فارتعد وخاف وخرج، وكذلك القصة التي في الصحيحين، قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فأحدهم توسل بعفته أنه كانت له بنت عم قريبة يحبها حبا شديدا، كأشد ما يحب الرجال النساء، وأنه أرادها على نفسها فامتنعت، حتى ألمت بها سنة من السنين حاجة شديدة، فجاءت إليه تقترض منه أو تستجدي، فامتنع حتى تمكنه من نفسها ويبذل لها مائة دينار. يقول: « فلما قعدت بين رجليها قالت: يا عبد الله، اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه »(11) فقام عنها خوفا من الله، "اتقى الله، وترك المال الذي أعطاها، هذا أثر الإيمان.

فنقول: إن هؤلاء الذين يقعون في الفواحش، في فواحش الزنى وفي فواحش اللواط ومقدمة ذلك، ليس معهم إيمان يزجرهم، ولكن نفوس ضعيفة وشهوات ضعيفة تدفعهم إلى فعل هذه الفواحش، فلو لم يكن هناك عقوبات جلد ورجم وتغريب وحبس ونحو ذلك لانتشر هؤلاء وانتشرت الفواحش، وإذا انتشرت، فماذا تكون الحالة؟ لا شك أنها تحصل المنكرات، وأن الله تعالى ينزل عليهم العقوبات والأمراض التي لم تكن في أسلافهم من قبل، كما ورد ذلك في بعض الأحاديث أنه « ما فشا الزنى في قوم حتى يعلنوه، إلا فشت فيهم الأمراض التي لم تكن في أسلافهم »(8) فهكذا هذا هو الواقع؛ لذلك ذكر أو ذكر العلماء هذه الحدود وهذه العقوبات.


(1) سورة البقرة: 187
(2) سورة البقرة: 229
(3) سورة الطلاق: 1
(4) سورة النساء: 13
(5) النسائي : قطع السارق (4904) , وابن ماجه : الحدود (2538) , وأحمد (2/362).
(6) سورة البقرة: 179
(7) سورة الكهف: 19
(8)
(9) سورة يوسف: 23
(10) سورة الشعراء: 218 - 219
(11) البخاري : البيوع (2215) , ومسلم : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2743) , وأحمد (2/116).