موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - حكم نصب القضاة - شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
  
 
 شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد
 مقدمة
 كتاب الطهارة
 أقسام المياه
 فصل كل إناء طاهر
 جلد الميتة
 فصل في الاستنجاء والاستجمار
 فصل في السواك وتوابعه
 الوضوء
 فصل في فرائض وسنن الوضوء
 فصل في المسح على الخفين
 فصل في نواقض الوضوء
 الغسل
 فصل في موجبات وسنن الغسل
 التيمم
 فصل ما يصح به التيمم
 من شروط صحة التيمم طلب الماء
 نية التيمم
 تأخير التيمم رجاء وصول الماء
 عدم الماء والتراب أو لم يمكنه استعمالهما
 إزالة النجاسة
 الدهن المتنجس
 يسير الدم
 فصل في الحيض
 كتاب الصلاة
 وجوب الصلوات الخمس
 تأخير الصلاة
 تارك الصلاة جحودا
 فصل في الأذان والإقامة
 حكم الأذان والإقامة وكيفيتهما
 الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر
 فصل في شروط صحة الصلاة
 باب صفة الصلاة
 مكروهات الصلاة
 فصل في أركان الصلاة
 فصل في سجود السهو
 فصل في صلاة التطوع والقنوت
 الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
 فصل في صلاة الجماعة
 فصل في الإمامة وما يلحقها
 فصل في صلاة المريض
 فصل في صلاة القصر والجمع
 صلاة الخوف
 فصل في صلاة الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء
 كتاب الجنائز
 ما ينبغي للمسلم من لدن المرض إلى الوفاة
 فصل في غسل الميت
 تكفين الميت
 فصل في الصلاة على الميت ودفنه
 زيارة القبور والتعزية
 كتاب الزكاة
 ما تجب فيه الزكاة وشروطها
 نصاب الزكاة
 زكاة المكيل
 فصل في زكاة الذهب
 فصل في زكاة الفطر
 فصل في شروط إخراج الزكاة وأصنافها
 صدقة التطوع
 كتاب الصيام
 ما يثبت به شهر رمضان
 الأعذار المبيحة للفطر
 النية في الصيام
 المفطرات وأحكامها
 مكروهات الصوم
 سنن الصوم
 فصل ما يسن صومه من الأيام وما يحرم
 فصل في أحكام الاعتكاف ولواحقه
 كتاب الحج والعمرة
 شروط وجوب الحج والعمرة
 شروط حج المرأة
 موت القادر على الحج قبل أن يحج أو يعتمر
 سنن الإحرام
 أقسام الحج
 التلبية
 الإحرام قبل الميقات
 فصل في مواقيت الحج
 محظورات الإحرام
 إحرام المرأة
 فصــل في الفدية
 حرمة مكة والمدينة
 باب دخول مكة
 صفة الحج والعمرة
 فصل في أركان وواجبات الحج والعمرة
 الفوات والإحصار
 فصل في الأضحية
 العقيقة
 كتاب الجهاد
 حكم الجهاد وشرطه
 الغنيمة
 فصل في عقد الذمة
 كتاب البيع وسائر المعاملات
 شروط البيع
 أقسام الخيار
 ربا الفضل
 ربا النسيئة
 بيع الأصول وبيع الثمار
 السلم وشروطه
 أحكام القرض
 أحكام الرهن
 أحكام الضمان
 أحكام الحوالة
 الصلح
 أحكام الجوار
 أحكام الحجر
 الوكالة
 الشركة
 المساقاة والمزارعة
 الإجارة
 المسابقة
 العارية
 الغصب والضمان
 الشفعة
 الوديعة
 إحياء الموات
 الجعالة
 اللقطة
 اللقيط
 كتاب الوقف
 تعريف الوقف ودليل مشروعيته
 صيغ الوقف القولية:
 شروط الوقف
 الوقف على غير المسلم
 العمل بشرط الواقف
 مصرف الوقف
 الوقف على الأبناء
 الوقف على مجموعة
 كتــاب الهبـــة
 حكم الهبة وألفاظها
 هبة الثواب
 هبة الوالد لأبنائه
 هبة الأب لبعض أبنائه في حياته
 الرجوع في الهبة
 تملك الأب لمال ولده
 فضل الهدية
 الهدية المحرمة
 هدية المريض
 الترتيب في العطية
 الرجوع في العطية
 إثبات ملكية العطية
 أحكام الوصية
 الوصية لوارث
 الوصية بالخمس
 صيغ الوصايا
 مقدمة الوصية
 الوصية فيما دون الثلث
 الوصية فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة
 عدم وفاء الوصية بالموصى لهم
 تقدم الواجبات والديون في التركة
 ما تصح به الوصية
 الحادث بعد الوصية:
 الوصية بالأنصباء
 الوصية على معصية
 شروط الموصى إليه
 شروط الموصى به
 مات بمحل ليس فيه حاكم
 تجهيز الميت من تركته
 كتـــاب الـفـرائـض
 تعريف الفرائض
 أسباب الإرث
 ميراث المطلقة
 الولاء
 ميراث العبد لسيده
 موانع الإرث
 أركان الإرث
 شروط الإرث
 أقسام الورثة
 ما يتعلق بالتركة
 أصحاب الفروض
 من هم أصحاب الفروض
 أصحاب النصف
 أصحاب الربع
 أصحاب الثمن
 أصحاب الثلثين
 أصحاب الثلث
 تقسيم المال بين الجد والإخوة
 الجد مع الإخوة والأخوات
 الـحجـب
 حجب الحرمان
 حجـب النقصـان
 التعصــيب
 العصبة بالنفس
 العصبة بالغير
 الأخ المبارك
 العصبة مع الغير
 العول وحساب الميراث
 الـرد
 ميراث ذوي الأرحام
 ميراث الحمل
 كتـاب العتـق
 تعريف العتق وفضله
 إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق
 الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق
 ترغيب الشارع في العتق
 الوصية بالعتق
 التدبير
 المكاتبة
 بيع المكاتب
 عتق أم الولد
 ولاء المعتق
 كتاب النكاح
 حكم النكاح وحكمة مشروعيته
 الترغيب في النكاح
 تعدد الزوجات
 الترغيب في ذات الدين
 الترغيب في البكر
 النظر إلى المخطوبة
 حرمة الخلوة بالمخطوبة
 النظر إلى المحارم ونظر النوع للنوع
 التصريح بخطبة المعتدة
 خطبة المسلم على خطبة أخيه
 أركان النكاح
 تعريف النكاح:
 شروط النكاح
 شروط الولي
 المحرمات في النكاح
 حرمة الكافرة وحل الكتابية
 حرمة زواج الحرة من عبدها
 الشروط في النكاح
 الشروط التي تبطل عقد النكاح
 نكاح الشغار
 نكاح المحلل
 نكاح المتعة
 النكاح المعلق
 العيوب التي يفسخ بها النكاح
 الصــداق
 تعريف الصداق واستحباب تيسيره
 ما يصح أن يكون مهرا
 تسمية المهر
 تأجيل الصداق
 تملك المرأة صداقها
 وجوب مهر المثل
 ميراث كل من الزوجين للآخر
 الصداق بعد الطلاق
 الصداق في وطء الشبهة
 منع المرأة نفسها قبل قبض صداقها
 وليمة العرس
 إجابة الدعوة
 إعلان النكاح والضرب عليه بالدف
 المعاشرة بالمعروف
 السفر بالزوجة
 حق الزوجة في مسكن مستقل
 العدل بين الزوجات
 نشوز الزوجة
 الخلع
 التكييف الفقهي للخلع
 الرجعة بعد الخلع
 العوض في الخلع
 خلع زوجة الصغير
 كتاب الطلاق
 مقدمة
 تعريف الطلاق
 حكم الطلاق
 الذي يصح منه الطلاق
 متى لا يقع الطلاق
 التوكيل في الطلاق
 طلاق السنة وطلاق البدعة
 الطلاق الذي لا يسمى سنة ولا بدعة
 الطلاق له صريح وله كناية
 كم يملك من الطلقات
 الاستثناء من الطلاق ومن المطلقات
 مسائل فيها بعض الخفاء في الطلاق
 إباحة الطلاق من محاسن دين الإسلام
 فصل تعليق الطلاق بالشروط
 ما يقطع الشرط والاستثناء
 الطلاق المعلق بشرط يقع متى وقع الشرط
 شك في طلاق أو ما علق عليه
 أوقع بزوجته كلمة وشك هل هي طلاق أو ظهار
 أقسام فراق الرجل لامرأته
 فصل الطلاق الرجعي وأحكام الرجعة
 إذا طلق الحر ثلاثا والعبد اثنتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره
 فصل في الإيلاء
 فصل في الظهار وما يتعلق به
 فصل في اللعان
 باب العدد
 العدة وأقسامها
 الإحداد وتوابعه
 فصل في الرضاع
 باب النفقات
 تعريف النفقة وتحديدها
 متى تسقط نفقة الزوجة
 النفقة على الأقارب
 امتنع من وجبت عليه النفقة
 مقدار النفقة
 النفقة على الرقيق
 نفقة البهائم
 المملوك إذا طلب الزواج
 الحمل على الدواب
 فصل في الحضانة
 الأولى بالحضانة
 ما يشترط في الحاضن
 من لا تثبت له الحضانة
 إذا بلغ الطفل سبع سنين خير بين أبويه
 ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ويصلحه
 كتاب الجنايات
 أهمية كتاب الجنايات وتعريفها
 تحريم القتل
 أقسام القتل
 اجتماع الجماعة على قتل الواحد
 شروط القصاص
 شروط استيفاء القصاص
 كيفية استيفاء القصاص
 ما يجب بقتل العمد
 شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس
 سراية الجناية
 على من تجب الدية
 مقادير الدية
 دية الحر المسلم
 دية قتل العمد وشبه العمد
 دية الأنثى
 دية الكتابي الحر
 دية الرقيق
 دية الجنين الحر
 دية ما في الإنسان منه واحد
 دية ما في الإنسان منه اثنان
 دية ذهاب الحواس
 دية الشجاج
 العاقلة التي تتحمل الدية
 كفارة القتل الخطأ وشبه العمد
 تعريف القسامة وشروطها
 كتاب الحدود
 تعريف الحدود وأهميتها
 شروط إقامة الحدود
 إقامة الإمام للحدود
 كيفية استيفاء الحدود
 مات وعليه حد
 حد الزنا وشروطه
 حد القذف وشروطه
 حد التعزير
 حد الإسكار
 تحريم الخمر
 عقوبة شارب الخمر
 شروط شارب الخمر
 حد السرقة
 شروط حد السرقة
 السرقة من غير حرز
 السرقة زمن المجاعة
 حد قطاع الطريق
 عقوبة قطاع الطريق
 إثبات حد قطاع الطريق
 توبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه
 دفع الصائل
 حكم البغاة
 أحكام المرتد
 تعريف المرتد وحكمه
 الأسباب التي توجب حد الردة
 توبة المرتد
 شروط التوبة
 أحكام الأطعمة
 الأطعمة المحرمة
 أكل المحرم للمضطر
 آداب الضيافة
 أحكام ذكاة الحيوان
 تعريف الذكاة وما تجوز فيه الذكاة
 شروط الذكاة
 ذكاة الجنين
 مكروهات الذبح
 سنن الذبح
 أحكام الصيد
 تعريف الصيد وشروطه
 الأيمان
 تعريف الأيمان ولماذا سميت يمينا
 أنواع الحلف
 كفارة اليمين
 شروط وجوب كفارة اليمين
 حلف ألا يطأ أمته
 متى تجب الكفارة
 مقدار كفارة اليمين
 النية في اليمين
 النذر
 تعريف النذر
 حكم النذر
 أنواع النذر المنعقد
 كتاب القضاء
 أهمية القضاء بين الناس
 حكم نصب القضاة
 الولاية العامة والولاية الخاصة
 شروط تولية القاضي
 لزوم حكم المحكم
 صفات القاضي
 تعريف الدعوى وشروطها
 الشهادة في الحقوق
 شروط الشهود
 تزكية الشهود
 القضاء على الغائب
 كتاب القاضي إلى القاضي
 القسمة
 تعريف القسمة
 أنواع القسمة
 كتاب الشهادات
 حكم تحمل وأداء الشهادة
 أخذ الأجرة على الشهادة
 كيفية الشهادة
 شروط الشاهد
 عدد الشهود
 الشهادة على الشهادة
 قبول الشهادة على الشهادة
 كيفية تحميل الشهادة وشروطها
 الخطأ في الفتوى أو في القضاء
 كتاب الإقرار
 تعريف الإقرار والحكم به
 من يجوز إقراره
 الرجوع في الإقرار
شرح أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد - حكم نصب القضاة

كتاب القضاء

أهمية القضاء بين الناس

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين قال -رحمه الله تعالى-:

كتاب القضاء:

وهو فرض كفاية كالإمامة، فينصّب الإمام بكل إقليم قاضيًا، ويختار أفضل من يجد علمًا وورعًا، ويأمره بالتقوى وتحري العدل.

وتفيد ولاية حكم عامة فصل الحكومة، وأخذ الحق، ودفعه إلى ربه، والنظر في مال يتيم ومجنون وسفيه وغائب، ووقف عمله، ليجرى على شرطه، وغير ذلك.

ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل، وخاصا في أحدهما، أو فيهما.

وشرط كون قاض بالغًا عاقلًا ذكرًا حرًا مسلمًا عدلًا سميعًا بصيرًا متكلمًا مجتهدًا، ولو في مذهب إمامه.

وإن حكَّم اثنان بينهما رجلًا يصلح للقضاء نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائبه.

وسُنَّ كونه قويًا بلا عنف، لينًا بلا ضعف، حليمًا متأنيًا فطنًا عفيفًا.

وعليه العدل بين متحاكمين في لفظه ولحظه ومجلسه ودخول عليه.

وحرم القضاء وهو غضبان كثيرًا، أو حاقن أو في شدة جوع أو عطش، أو همّ أو ملل، أو كسل أو نعاس، أو برد مؤلم أو حرٍّ مزعج، وقبول رشوة وهدية من غير من كان يهاديه قبل ولايته ولا حكومة له.

ولا ينفذ حكمه على عدوه ولا لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له.

ومن استعداه على خصم في البلد بما تتبعه الهمة لزمه إحضاره إلا غير بزرة فتُوكِّلُ، كمريض ونحوه، وإن وجب يمين أرسل من يُحلِّفُهُما.

فصلٌ

وشرط كون مدّع ومنكر جائزي التصرف، وتحرير الدعوى، وعلم مُدَّعى به إلا فيما نصحه مجهولًا كوصية.

فإن ادعى عقدًا ذكر شروطه أو وارثًا سببه، أو مُحَلًّا بأحد النقدين قَوَّمَه بالآخر، أو بهما فبأيهما شاء.

وإذا حررها فإن أقر الخصم حُكم له بسؤال مُدَّع، وإن أنكر ولا بينه فقوله بيمينه، فإن نكل حكم عليه بسؤال مدع في مال وما يُقصد به.

ويستحلف في كل حق آدمي سوى نكاح ورجعة ونسب ونحوها، لا في حق الله كحد وعبادة.

واليمين المشروعة بالله وحده أو بصفته.

ويحكم بالبينة بعد التحليف، وشُرط في بينة عدالة ظاهرًا، وفي غير عقد نكاح باطنًا أيضًا، وفي مزكٍّ معرفة جرح وتعديل، ومعرفة حاكم خبرته الباطنة، وتقدم بينه جرح.

فمتى جهل حاكم حال بينة طلب التزكية مطلقًا، ولا يقبل فيها وفي جرح ونحوهما إلا رجلان.

ومن ادعى على غائب مسافة قصر، أو مستتر في البلد، أو ميت، أو غير مكلف ولا بينة، سُمعت وحكم بها في غير حق الله تعالى، ولا تُسمع على غيرهم حتى يحضر أو يمتنع.

ولو رُفع إليه حكم لا يلزمه نقضه لينفذه لزمه تنفيذه.

ويُقبل كتاب قاض إلى قاض في كل حق آدمي، وفيما حكم به لينفذه، لا فيما ثبت عنده ليحكم به، إلا في مسافة قصر


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ذكروا القضاء في آخر كتاب الفقه، وذكروا الشهادة والإقرار؛ لأنها التي يعتمدها القاضي؛ ولأن الغالب أن الإنسان إذا تمت عليه النعمة، يعني: حصل على المال، وحصل على النكاح فلا يؤمن أن يتعدى على غيره، وأن يغلبه الطمع في حق الغير؛ فلذلك تكثر الخصومات والمرافعات، فتجد عند القضاة عدة قضايا، وذلك من آثار الاعتداء، ومن آثار الطمع، ومن آثار الظلم، ولو أن كلًا اقتصر على حقه لاستراح القضاة ونحوهم.

وهكذا أيضًا لو أن الإنسان تورع عن الشيء المشتبه وتركه، ولم يطالب به، إذا كان الحق الذي يدعيه ليس شيئًا واضحًا لَقَلَّت الخصومة وقَلَّت القضايا، ولما كانت الخصومات واقعية، وكانت المرافعات والمنازعات منتشرة في كل البلاد غالبًا، وكان هناك اعتداءات ومظالم، وأخذًا للحقوق بغير حق احتيج إلى نصب القضاة؛ ليحكموا بين الناس.

وقد كان من الأنبياء قضاة، مثل: داود قال الله تعالى في سورة ص: ﴿ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً (1) يعني: حاكمًا ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (1) احكم بين الناس بالحق عندما يتخاصمون جعله الله تعالى خليفة في الأرض، وأمره أن يحكم بين الناس.

وكذلك أمر الله تعالى نبيه بالحكم حتى بين اليهود كان خيره ﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (2) ثم قال: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ (2) ثم قال: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ (3) فأمره الله أن يحكم بينهم بالعدل أي: بالقسط.

وأمر الله الحكام عمومًا بالعدل في مثل قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (4) وفي سورة النحل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ 5) أي: المساواة، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ المظلمة من المظالم، وكذلك الانتصار للمظلوم ونصره على من ظلمه، ونصرة الظالم بنصيحته.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا قال يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه وتحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه »(6) أي تأخذ على يديه، وتمنعه من أن يأخذ ما لا يستحقه، وتمنعه من الاعتداء على حق أخيه، وتخبره بأن ما أخذ من حق مسلم -وهو لا يستحقه- فإنه يؤخذ من حسناته يوم القيامة.

تذكرون الحديث الذي قال فيه -صلى الله عليه وسلم-: « لتؤدَّين المظالم حتى ينتصر للشاة الجماء من الشاة القرناء »(7) .

تؤدى من المظالم أي الشاة يعني الواحدة من الغنم إذا كانت جماء، ليس لها قرون نطحتها الأخرى التي لها قرون وآلمتها، فلا بد أن الله تعالى يأخذ حق هذه من هذه، إذا كان هذا بين البهائم، مع أنها لا تكليف عليها، فبطريق الأولى أن الإنسان المكلف، الذي هو عاقل وبالغ وعارف، ومع ذلك يأخذ حق غيره، ويعتدي على ما ليس له، ويظلم الناس؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (8) السبيل يعني: الحجة عليهم ﴿ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ (8) الذي يحملهم على هذا البغي قلة الإيمان، ضعف إيمانهم؛ وذلك لأنهم لو كانوا مؤمنين حقًا لحجزهم إيمانهم الذي في القلوب من الاعتداء على حق مسلم بغير حق.

وقد يحجزهم أيضًا الشرف، وحب المال والطمع، مثل الاستكثار لا شك أيضًا أن هذا مما يحمل كثيرًا من الناس على أن يعتدي على حق أخيه فيأخذه بغير حق فيكون بذلك ظالمًا ومسيئًا في أخذ ما لا يستحقه، وكذلك أيضًا قد يحملهم قلة الورع. الورع هو: التوقف عن الشيء المشتبه، وقد كان السلف -رحمهم الله- يحملهم الورع والخوف عن أن يتعدوا أو يأخذوا الشيء المشتبه، بل إذا كان هناك شيء مشتبه يخشون أن فيه حرامًا أو قريبًا منه تركوه كله.

وقد كتب للإمام أحمد -رحمه الله- رسالة صغيرة مطبوعة اسمها: "الورع" إذا قرأتها تعرف ما كان عليه الإمام أحمد،، وكذلك غيره من أهل زمانه من شدة التورع عن ما ليس بحق له، فإذا عرف الإنسان أن هذا حق مسلم فعليه أن يتجنبه، ولا يأخذ مالا يستحقه ظلمًا، فإنه ولا بد سينتقم منه، وسيؤخذ منه.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم- « أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من يأتي بأعمال كثيرة ويأتي وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيؤخذ لهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت أخذ من سيئات المظلومين فطرحت عليه ثم طرح في النار »(9) .

فالمظالم لا بد أن تؤخذ، أن يؤخذ منها، أن يؤخذ للمظلوم من الظالم، حتى ولو دخلوا الجنة.

ورد في الحديث أنهم إذا نزلوا من الصراط « وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض في مظالم كانت بينهم فإذا هُذِّبوا أو نُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة »(10) أي: لا يدخلون الجنة وبينهم أحقاد، وبينهم مظالم، وبينهم شنآن وعداوات، بل يدخلون الجنة بعدما تصفى قلوبهم.

قال الله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (11) أي: ما كان بينهم في الدنيا من الأغلال والأحقاد، لا يدخلون الجنة إلا وقد صفت قلوبهم، وسلمت من الظلم؛ ولذلك نقول: إن على المسلم أن يتورع عن حق إخوانه، فإن الاعتداء عليهم حرام.

ثبت في خطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع قوله: « إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا »(12) أي محرم بعضكم على بعض أن يعتدي أحد على أحد، وفي حديث آخر أنه قال: « كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه »(13) ولكن حديث إن هناك من لم يبالِ بالاعتداء على حق أخيه فيضربه بغير حق، أو يقتله ظلمًا، أو ينتهب ماله، أو يختلس منه أو يطمع في شيء من حقه، فيأخذ ظلمًا وعدوانًا فإن هذا بلا شك من أظلم الظلم.

وإذا كان كذلك فلا بد أنه يؤديه في الدنيا، فإن لم يؤده طوعًا أداه كرهًا، وذلك إذا حكم عليه الحاكم بأنه ظالم، وبأن عنده من الحقوق لإخوانه كذا وكذا، فيحكم عليه بدفع تلك المظلمة، وإعطائها لمستحقها كرهًا، ولو بحبس أو بجلد أو نحو ذلك حتى يؤدي الحقوق لمستحقيها، لذلك نصب القضاة والحكام ونحوهم.

حكم نصب القضاة

نصب القضاة فرض كفاية، أي: يكفي في البلد قاض واحد إذا كان يقوم بفصل الخصومات، وإن عجز ضم إليه ثان، وربما إلى ثالث، أو إلى أكثر من ذلك، ولو إلى عشرة أو عشرين، إذا كان البلد متسعة الأطراف، إذا كانت مترامية الأطراف احتيج إلى عدد القضاة، وهكذا.

أيضًا إذا كثرت الخصومات، وكثرت المنازعات فإن على ولي الأمر أن ينصب في كل قطر قاضيًا، فهي فرض كفاية كالإمامة، الإمامة التي هي الخلافة، نصب الخليفة أو الملك نصب ملكا يتولى أمور المسلمين، هذا من فروض الكفاية. الإمام الذي هو الملك مسئول عن نصب القضاة، فعليه أن ينصب في كل إقليم قاضيًا، أي في كل قطر، وفي كل جهة ينصب قاضيًا، إذا كان كافيًا، فإن لم يكف زِيد بقدر الكفاية.

ويختار أفضل من يجد علماُ وورعًا؛ وذلك لأن القاضي يتولى أمور الناس، ويسمع أقوالهم فلا بد أن يكون عالمًا، أما إذا كان جاهلًا فإنه لا يعرف الحكم، ولا يدري ما يحكم به، فيكون في ذلك غير قائم بما أوجب الله.

العالم هو: العالم بكتاب الله تعالى، وبسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وبأحكام الحكام قبله، وبالآثار عن الصحابة -رضى الله عنهم- في أمور القضاء، وما إلى ذلك كذلك الورع هو الزاهد التارك للمتشبهات بحيث إنه يتورع عن أن يظلم أحدًا إذا لم يكن ورعًا خشي أنه يميل مع هذا لصداقته، ومع هذا لقرابته، ومع هذا لمعاملته، فيظلم الناس بغير موجب.

وفي الأثر: شر الناس من ظلم الناس للناس، يعني يظلم هذا لأجل هذا، ولا مصلحة له هو إذا لم يكن ورعًا، لا بد أن يكون من أهل الورع يحمله ورعه على أن يحكم بالعدل، ويأمره بالتقوى وتحري العدل.

يأمره بالتقوى، يوصيه بتقوى الله، التقوى: كلمة جامعة يدخل فيها فعل الأوامر، وترك الزواجر، فعل الخيرات، وترك المنكرات.

وتطلق على التوقي، التقوى مشتقة من التوقي، وهو: أن يجعل بينه وبين الحرام وقاية، فيقول: عليك بتقوى الله أي: الخوف منه، ومن عقوبته، ويقول أيضًا كما في الحديث: « اتق دعوة المظلوم »(14) هكذا أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذا، يعني: توقها « اتق دعوة المظلوم »(14) لا تظلم أحدًا، لا لنفسك ولا لغيرك، قاله لمعاذ؛ لأنه أرسل معاذًا إلى اليمن داعيًا وقاضيًا وجابيًا وهاديًا.

أرسله بأربع وظائف، فأرسله للدعوة إلى الله، وقال: « فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله »(15) إلى آخره، وأرسله جابيًا للزكاة وقال له: « إياك وكرائم أموالهم »(16) جامعًا للزكوات ونحوها، وأرسله قاضيًا، وسأله « كيف تقضي؟ قال: بكتاب الله … »(17) إلى آخره.

وأرسله هاديًا يعني: معلمًا؛ وذلك لأنه أعلم أو من أعلم الصحابة، شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: « أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل »(18) فلذلك أوصاه بالتقوى، ويوصيه أيضًا بالعدل، أن يعدل بين الخصوم، أن يعدل بينهم، ولا يظلم أحدًا، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (4)

الولاية العامة والولاية الخاصة

يقول: "وتفيد ولاية حكم عامة فصل الحكومة، وأخذ الحق، ودفعه إلى ربه، والنظر في مال يتيم ومجنون وسفيه وغائب، ووقف عمله، ليجرى على شرطه، وغير ذلك"

الولاية: إما أن تكون عامة، أو تكون خاصة.

الولاية العامة: هي التي يقول: وليتك البلد الفلانية ولاية عامة، بحيث إنه يوليه جميع أعمالها، وأما إذا ولاه ولاية خاصة، كأن يقول: وليتك فصل الخصومات، أو يقول: وليتك أخذ الحقوق من بعضهم لبعض، أو يقول: وليتك ولاية الأموال التي ليس لها مالك، أو ما أشبه ذلك فهذه تكون ولاية خاصة.

وفي هذه الأزمنة الغالب أن هناك ولايات خاصة، حيث إن الحكومة تجعل لكل عمل واليًا، فالقاضي يتولى فصل الخصومات، عندك يا هذا كذا، وعليك يا هذا كذا.

والأمير يتولى التنفيذ فيقول: يا فلان: سلم -ادفع- ما عندك، ويا فلان: خذ حقك، فيلزم هذا بأخذ، وهذا بدفع، فهو الذي يسمى منفذًا، كما أن هناك ولايات أخرى، فمثلًا الأوقاف لها ولاية يعني: هذه الجهات تولي الأوقاف، وتنفذ شروط الواقفين.

وكذلك هناك ولاية يقولون: التولي على الأموال التي ليس لها مالك، أو أموال السفهاء ينظرون فيها ويحفظونها، فهذا إذا كان هناك عدة ولايات.

فأما إذا لم يتمكن الإمام من أن يجعل لكل جهة واليًا فإن القاضي يوليه ولاية عامة. عليك أيها القاضي فصل الخصومات، وعليك بعد ذلك التنفيذ، ألزِم هذا بدفع الذي عنده حتى يأخذ الحق صاحبه ومستحقه، ولك يا قاضي أن تنظر في أموال القاصرين في هذا البلد، يتامى ومجانين وسفهاء.

وأموال غاب أهلها هل تترك هذه الأموال يعبث بها السفهاء فتضيع وتفسد؟ لا تترك. إذًا من الذي يتولى النظر فيها؟ القاضي، وله أن يوكل فيقول: وكلتك يا فلان على مال اليتيم الفلاني، وأنت على مال السفيه، وأنت على مال الغائب احفظ مال هذا الغائب كما تحفظ مالك، واتجر فيه كما تتجر في مالك؛ لأن القاضي قد يقول: أنا منشغل، والأعمال كثيرة، فكيف أتولى هذا، وأتولى هذا بنفسي، فيوكل من يراه كفئًا.

ولو لم يأمره الإمام الذي هو الخليفة يوكل من يقوم مقامه؛ لأجل أن لا تضيع الأموال، كذلك إذا كان في البلد أوقاف، عقارات مثلًا أو نخيل، أو كذلك بهائم كخيل، أو نحوها موقوفة، من الذي يتولى النظر فيها؟ القاضي.

لكن إذا جعل هناك كما في البلد، كما في هذه المملكة من يتولاها كوزارة الأوقاف ونحوها، فإنهم يتولونها، ولا يلزم القاضي أن ينظر فيها؛ لأن الأوقاف قد يشترط أصحابها شروطًا، فيقولون مثلًا: إذا كانت الأوقاف كتبًا أنها لا تُمنعُ ممن يستفيد، وأن الوكيل عليها فلان، وبعده فلان وبعده الصالح من الذرية، وهكذا أيضًا إذا كان الوقف عقارًا، إذا كان الوقف شجرًا، إذا كان الوقف دوابًا، كل ذلك بحاجة إلى أن يتولاه من يقيمه، ومن ينظر فيه.

"ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل، وخاصًّا في أحدهما أو فيهما": عموم النظر في عموم العمل مثلًا: الملك يقول لإنسان: وليتك عموم النظر في عموم عملي، أي: ما تحت ولايتي، ولو اتسعت الولاية اتسعت مثلًا أنه دخل في ولايته هذه الأعمال، يعني: هذه المملكة الواسعة وليتك عموم النظر، لك أن تفصل، ولك أن توظف، ولك أن توقف، ولك أن تنفذ، ولك أن تعمر، ولك أن تنقل، عموم النظر، فهذا الذي ولاه عموم النظر له أن يوظف من يريد، من يراه صالحًا.

وله أن يعزل من يريد عن قضاء، أو عن إمامة أو عن خطابة، أو عن تدريس، أو عن وعظ ودعوة، أو ما أشبه ذلك في جميع العمل، في جميع المملكة، هذا عموم النظر في عموم العمل.

أما إذا ولاه عموم النظر في منطقة، وعموم العمل إذا قال مثلًا: وليتك عموم النظر في منطقة الإحساء مثلًا، الذي ولاه عموم النظر له في هذه المنطقة أن يوظف، وأن يعزل وأن يغير، وأن ينقل وأن يعمر، فيعمر مساجد، ويعمر مدارس، ويعين فيها من يريد في هذه المنطقة وحدها، وكذلك أيضًا له أن يغير بعض الأشياء التي تحتاج، إذا كان هناك مثلًا أوقاف تعطلت فله أن يبيعها، وينقلها إلى جهة أخرى، وله أن يقضي، وله أن ينفذ، وله أن يعلّم، وله أن يوكل من يعلم يعني: في هذه المنطقة.

عموم النظر في خاص يعني: في خاص من العمل، وله أيضًا أن يوليه عموم العمل في خاص منهما بأن يقول: وكلتك وليتك القضاء في جميع المملكة، هذا يعني: نظر خاص في عمل عام، عرفنا أن العمل هو المملكة، وأن النظر هو جهة من جهاتها، وليتك جميع المملكة في النظر في القضاة، أو النظر في الأئمة أو النظر في الخطباء أو النظر في المعلمين، أو النظر في الدعاة مثلًا عموم.

أو خصوص النظر في عموم العمل، نظر خاص كالقضاء مثلًا أو نحو ذلك، ففي هذه الحال يتصرف فيما حدد له،

هذا معنى: "خاصًا في أحدهما" أو الخاص مثلًا إذ قال: لك النظر فقط في القضاء في منطقة القصيم خاص في خاص، هذا خاص في خاص.

وأما النظر في العام لك النظر في المملكة كلها في جميع ما تأمر به هذا عام، وأما إذا كان نظرًا في عموم، النظر في العموم هو مثل ما ذكرنا: النظر في جميع المملكة لجميع الأحوال، وأما نظر في خاص فهو: النظر في القضاء في خاص، أي: في منطقة، وأما خاص في عام فأن يقول: لك النظر في هذه المنطقة في جميع ما تأمر به.

فالحاصل أنه يجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل، وخاص في أحدهما، أو في أحدهم، أو فيهما.

شروط تولية القاضي

شروط القاضي، أو صفاته يشترط كون القاضي بالغًا عاقلًا ذكرًا حرًا مسلمًا عدلًا سميعًا بصيرًا متكلمًا مجتهدًا، ولو في مذهب إمامه؛ لأنه إذا كان صغيرًا، يعني: دون البلوغ فإنه قد ينخدع؛ وذلك لأنه لم يتكامل قد بلغ، ونحوه ذكره أن معاذًا أولاه النبي -صلى الله عليه وسلم- وعمره نحو العشرين، أو ثمانية عشر.

وكذلك كثير من الذين تولوا في عهد الصحابة، أو في عهد غيرهم تولوا العمل وهم صغار؛ ذلك لأن الذي ولاهم عرف فيهم الأهلية، آنس فيهم الكفاءة فولاهم، وقاموا بالعمل كما ينبغي.

الشرط الثاني: أن يكون عاقلًا، وضده الجنون، فاقد العقل كيف يتصرف في الناس، وكيف يعرف ما يأمر به؟

الشرط الثالث: الذكورية، لما قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إن فارس وَلَّوْ بِنْتَ مَلِكهم، فقال: « لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة »(19) .

المرأة ورد في الحديث أنها ناقصة عقل ودين فلا تتولى مثل هذا، وأيضًا فإن المرأة وظيفتها الاستحياء والاحتشام والتستر.

القاضي يلزم أن يكون بارزًا للناس يتوارد إليه، ويجلسون إليه، ويدلون بحججهم، فلا يكون القاضي امرأة؛ لأنه يلزم أنها تبرز للناس؛ وذلك ينافي أنوثتها.

الشرط الرابع: الحرية؛ لأن المملوك مستولى عليه، بمعنى أنه مملوك لسيده، ومنافعه له، فلا يمكن أن يتولى، لكن لو أذن له سيده، وكان كفئًا عالمًا عاقلًا بالغًا مسلمًا عدلًا أذن له سيده، وفرغه للقضاء، وكان أهلًا، فإنه يصلح، وتكون أجرته، ومرتبه لسيده.

الشرط الخامس: الإسلام، فلا يجوز أن يولي القضاء كافرا، ولو كان عالمًا عارفًا بالأحكام؛ لأنه يحكم بين المسلمين، وإن كان أيضًا قد يحكم لغيرهم إذا كانوا معهم، فلا يكون إلا من المسلمين.

الشرط السادس: العدالة أن يكون عدلًا، يخرج العاصي المتظاهر بالمعصية لا يصلح أن يتولى القضاء أيًا كانت تلك المعصية، فإذا كان يشرب خمرا، أو يشرب الدخان، أو يحلق لحيته في بلاد تحكم بإنكار ذلك، أو يسمع الغناء، أو يترك الصلاة، أو يتأخر عن صلاة الجماعة، أو ما أشبه ذلك، وهكذا أيضًا إذا كان يتعامل بالربا، أو يأخذ الرشوة، فكل ذلك يقدح في عدالته، فلا يجوز أن يتولى مثل هذا قضاء المسلمين.

الشرط السابع: أن يكون سميعًا.

الأصم لا يدري ما الناس يقولون؛ وذلك لأنه لا بد أن يسمع كلام هذا الخصم، ثم كلام الخصم الثاني، فإذا كان أصم فكيف يسمع؟

الشرط الثامن: البصر، حتى يعرف، وسيما هذا؛ لأنه إذا كان ضريرًا لُبس عليه، قد يأتيه إنسان على أنه فلان، وليس به، هكذا قالوا.

والصحيح أنه يجوز كون القاضي ضريرا؛ لأن العادة أن الضرير يكون معه فطنة وفهم ومعرفة بأصوات الناس، فهو يميز بين الصادق والكاذب، وكذلك أيضًا يعرف الأصوات، يعرف صوت فلان وفلان.

الشرط التاسع: أن يكون متكلمًا، فلا يصح أن يكون أخرس لا ينطق، كيف يعرف الناس حكمه إذا كان أخرس؟ ليس كل أحد يعرف إشارات الأخرس، إذا أشار بكذا وبكذا بأصابعه، لم يفهمها كل أحد، إذًا فلا بد أن يكون متكلمًا.

الشرط العاشر والأخير: أن يكون مجتهدًا، ولو في مذهب إمامه.

الاجتهاد ذكروا أنه قسمان: اجتهاد مطلق، واجتهاد مقيد. فالاجتهاد المطلق: هو الذي يقدر أن يعرف الحكم، الذي هو الصواب بدليله، يستطيع أن يعرف الأدلة، ويستخرجها من أصولها.

ذكر المتأخرون أن الاجتهاد المطلق قد انقطع بعد عصر الأئمة الأربعة، وأن من بعدهم لا بد أن يرجع إلى أقوالهم، ولكن الصحيح أنه لم ينقطع، وأن الإنسان إذا أعطاه الله قدرة وملكة فإن له أن يجتهد، ويأخذ القول الصواب ويعرفه، سواء كان عند هذا الإمام، أو عند هذا، وقد ذكروا أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان -رحمه الله- مجتهدًا؛ ولأجل ذلك خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل، مما يدل على أن الله أعطاه ملكة يقدر بها على معرفة الصواب، ولو خالفه من خالفه.

وكذلك أيضًا في عهد السيوطي في القرن التاسع، وأول القرن العاشر، ادعى أنه مجتهد، أنه بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ولكن لما ادعى ذلك أنكر عليه أهل زمانه، وأشد من أنكر عليه السخاوي، وقالوا: كيف تبدأ الاجتهاد، الاجتهاد قد انقطع، ولكن مؤلفاته فيها شيء كثير من الاختيارات، والغالب أنه لم يخرج عن مذهب الشافعي؛ لأنه شافعي في المذهب، فهذا هو المجتهد المطلق.

وأما الاجتهاد المقيد فهو: أن يجتهد في مذهب الإمام الذي يقلده، إذا كان في المذهب عدة روايات كمذهب الإمام أحمد، قد يكون عن الإمام أحمد روايتان وثلاث روايات وأربع روايات، ففي هذه الحال إذا كان مجتهدًا فمعناه أنه يعرف القول الراجح من هذه الروايات، يبحث في هذه الروايات، أو كذلك إذا نزل فيه نازلة يستطيع أن يخرج دليلها، أو يخرج القول فيها من كتب العلماء الذين هو تبع لهم، يعني من كتب الحنابلة مثلًا، إن كان حنبليًا، والشافعية إن كان شافعيًا، فيستطيع أن يخرجها.

الذي ليس بمجتهد هو المقلد بمعنى أنه إذا حصلت عليه قضية ما عرف دليلها، ولا عرف الحكم فيقول: أحتاج أن أسأل فيقول: يا فلان عرضت عليّ قضية كذا وكذا أخبرني كيف أقضي؟ كلما جاءته قضية توقف فيها حتى يسأل أهل زملائه أو أهل بلده، فمثل هذا لا يسمى عالمًا؛ لأنه يأخذ العلم عن غيره، ويأخذ القضاء عن غيره.

هذه شروط القاضي عشرة في واحد منها خلاف، وهو البصر.

لزوم حكم المحكم

يقول: "وإن حكم اثنان بينهما رجلا يصلح للقضاء، نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائب اثنان بينهما خصومة ونزاع، وطال ذلك النزاع، وكل منهما يدعي أن الصواب معه، اتفقا وأتيا إليك وقالا: نرى فيك الأهلية، وقد رضينا بحكمك، نعرض عليك قضيتنا، هذه دعواي أنا كذا وكذا، والثاني يقول: وهذه دعواي كذا وكذا.

فإذا سمع دعوى كل واحد منهما قال: أنتما حكمتماني، حكمت عليك يا فلان أن عندك كذا لصاحبك فأعطه حقه، فهل ينفذ؟ ينفذ؛ لأنهما حكّماه ورضيا بحكمه، واقتنعا به قالا: قد جعلناك حكمًا بيننا.

قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (20) يعني: إذا طال النزاع بين الزوجين فللقاضي أو لأهلهم أن يبعثوا حكمين، يختار هؤلاء حكمًا، ويختار هؤلاء حكمًا، ثم يقول الحكمان: ماذا عندك يا زوج؟ ماذا عندك يا زوجة؟ فإذا سمعا هذه المقالة عند ذلك يحكمان، يحكمان عليه فيقولان: الحكم لك يا فلان، والحكم عليك يا فلان، عليك أن تقنعي بغير حقك، وعلى وليك أن يدفع كذا، أو ما أشبه ذلك.

فالله تعالى أباح أنه يحكم حكمان في هذا الأمر، وكذلك قال تعالى: ﴿ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ (21) أمر بأن يحكم في الصيد فيه حكمًا فاثنان بينهما خصومة، اختار رجلًا مثلًا اسمه سعيد، يا سعيد جعلناك حكمًا بيننا؛ لأنك تصلح للقضاء، ولأنك من أهل المعرفة، وأهل العلم احكم بيننا، ينفذ حكمه في كل شيء، ينفذ فيه حكم من ولاه الإمام، أو نائبه، يعني: في فصل الخصومات، وفي قطع المنازعات في كل شيء، ينفذ فيه حكم القضاة الذين يوليهم الإمام أو نائبه.

صفات القاضي

أي: ما يتحلى به من الأخلاق، يسن كونه قويًا بلا عنف لينًا بلا ضعف، حليمًا متأنيًا فطنًا عفيفًا، هذه مما يشترط في صفات القاضي؛ لأنه إذا كان ضعيف الجانب ليس له هيبة، وليس له سلطة طمع فيه الظالم، ولبس عليه، بخلاف ما إذا كان مهيبًا، ولكن لا كون قوته قوة شديدة بحيث يهابه صاحب الحق، ولا يقدر على أن ينطق بحقه؛ لأن بعض الولاة يظهر شدة، ويظهر قوة ويظهر اعتزازًا، فإذا رآه المظلوم أيس من حقه وقال: هذا متعجرف، وهذا متكبر، كيف آخذ حقي منه؟ هذا شديد لقوة كلامه ولصرامته. لا وأطمع في أخذ شيء من حقه، فيكون بذلك ظالمًا .

لا بد أن يكون ليس بشديد، قوته ليس معها عنف وبطش، ونحوه، ولينًا ليس معه ضعف، يكون لين الجانب، سهل الأخلاق، مسفر الوجه طليقه، يتواضع مع الصغير والكبير، ولكن بحيث لا يطمع فيه ذو ظلم يغتنم دينه فيخدعه، ويجعله ويصرفه عن طريق الحق، لا بد أن يكون لينًا، ولكن ليس مع اللين ضعف شديد، وأن يكون حليمًا لا يعجل، ولا يغضب إذا تكلم عليه أحد لم يغضب، ولم يشتد كلامه بل يغلبه الحكم، متأنيًا، التأني هو: التريث في الأمور، وعدم العجلة حتى يعرف الحق، ويحكم به بعد أن يتضح دليله، بخلاف الذي يحكم بسرعة، فإنه قد ينتقص إذا حكم بسرعة

قبل أن يتأنى في الأمر انتقض حكمه، بحيث إنه لا يكون عارفًا، العارف الذي يتأنى في الأمور، ولا يتسرع ولا يحكم إلا بعد أن يتتبع القضية، من هذا، ومن هذا، يسن أن يكون فطنًا أي ذكيًا، إذا كان بليدًا فإنه قد يعتقد الظالم محقًا، ويحكم له، ولا يتفطن لحيله، فإن الناس معهم حيل ومعهم أفكار قد يصرفون بها القاضي.

حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « إنكم تختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها »(22) أو ليدعها، وهذا أيضًا دليل على أنه يستحب للقاضي نصيحة الخصوم، وتوبيخهم حتى يقنعوا، وحتى يرجع الظالم عن ظلمه، وينصرفون وهم راضون عن القاضي.

وأما كونه عفيفًا فالعفيف: هو الورع، المتعفف عما لا يحل، العفة تكون عن الحرام، وتكون عن المشتبهات، إذا كان يتعامل بالمشتبهات في بيعه، أو في شرائه، أو في تصرفه دخل عليه الخلل، ودخل عليه العيب، ورُمي بأنه يتجرأ على حقوق الناس، وبأنه يأخذ ما لا يحل له، فيكون ذلك طعنًا حتى لا تقبل أحكامه، ولا نصائحه.

"وعليه العدل بين متحاكمينِ في لفظه ولحظه ومجلسه ودخول عليه".

العدل هو: المساواة، المتحاكمان هما: المتخاصمان، عليه أن يعدل بينهما، أي: يسوي بينهما في لفظه، فلا يتكلم مع واحد يلين له الكلام، والآخر يشدد عليه، بل يكلمهما سواء، يعدل بينهما عليكما كذا وكذا، فأما كونه يميل مع واحد أو يُسارِّه -يتكلم معه سرًا- فإن هذا فيه. .؛ لأن القاضي يعدل بينهما في تكلمه، ولا يُسارِّ أحدهما، لا يكلم أحدهما سرًا والآخر لا يسمع، فإنه يكون مطعنًا عليه.

يقول: وكذلك "لحظه": نظره، اللحظ هو: النظر، فإذا كان ينظر إلى واحد من الخصمين اتهمه الآخر وقال: نظره إليه، كونه دائمًا يحدق نظره إلى خصمي يدل على أنه مال معه، وأنه ظلمني بهذا الميل، فيكون ذلك سببًا في الطعن عليه، لا بد أن ينظرهما سواء، كذلك مجلسه ورد الشرع بأن الخصمين يجلسان أمام القاضي، ولو كان أحدهما أميرًا أو ثريًا أو كبيرًا، يجلسان سواء بين يدي القاضي.

ولا يرفع مجلس أحدهما عن الآخر، يجلسهما سواء فإن كانا على كرسيين سوى بينهما، وإن كانا على الأرض سوى بينهما، ولا يجلس أحدهما على فراش أحسن من الثاني، ولا أحدهما على الأرض والآخر على فراش، بل يسوي بينهما في مجلسه.

كذلك يسوي بينهما في الدخول عليه يدخلان عليه سواء؛ لأنه لو دخل أحدهما على فراش أحسن من الثاني، ولا أحدهما على الأرض والآخر على فراش، بل يسوي بينهما في مجلسه.

كذلك يسوي بينهما في الدخول عليه، يدخلان عليه سواء؛ لأنه لو دخل واحد وحجب الآخر اتهمه ذلك المحجوب، يقول: دخل عليه وحده، وأسّر إليه، وكلمه، وأنا حجبني ومنعني ما أدخلني إلا بعد مدة، لا بد أن يدخلان عليه سواء؛ فذلك من العدل.

يقول: "وحرم القضاء وهو غضبان كثيرًا، في حديث أبي بكرة لما تولى ابنه القضاء كتب إليه: « إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان »(23) لأنه إذا كان غضبان كثيرًا فقد لا يتصور المسألة، وقد يحمله غضبه على أحدهما أن يميل معه، فإذا غضب من أحدهما، أجَّل القضية وصرفهما إلى أن يذهب عنه غضبه فيحكم بينهما في حالة هو فيها مقتنع بالحكم، قد ذهب عنه الغضب الشديد.

ولا يحكم وهو "حاقن" محتقن البول؛ لأنه يكون متكور البال، غير متأن ولا متأمل لما يقول.

وكذا إذا كان "في شدة جوع": إذا كان جائعًا جوعًا شديدًا، وبحاجة إلى الطعام، في تلك الحال لا يكون مطمئنًا، ولا يكون متثبتًا؛ لأنه مع شدة ألم الجوع، وكذلك العطش لا يكون متأنيًا، من شدة تألم الجوع يتمنى أنها تنفصل القضية، حتى يذهب ليأكل أو ليشرب، أو في همّ إذا جاءك هم وغم شديد فإنه لا يفكر في القضية، فلا يجلس للقضاء وهو مهموم.

وكذلك إذا كان في ملل أي: تعب شديد، بحيث إن من آثاره لا يقبل على القضية، وكذلك الكسل الذي، التثاقل التكاسل، التثاقل في الأمور، وعدم النشاط فيها، وكذلك النعاس إذا كان يغلب عليه النعاس، وبحاجة إلى أن يريح نفسه، فإذا قضى في تلك الحالة قد يكون قضاؤه غير محكمًا.

وهكذا إذا كان هناك برد شديد، برد شديد، برد مؤلم، أو حر شديد، بحيث إنه لا يطمئن في مجلسه من شدة الحر، الذي يزعجه، أو شدة البرد الذي يزعجه.

وحرم عليه: "قبول رشوة". النبي -صلى الله عليه وسلم- لعن الراشي والمرتشي.

الرشوة: هي المال الذي يعطيه أحد الخصمين حتى يميل معه أحد الخصمين. مثلًا يقول: إن عندي لك هدية، إن عندي لك كذا، يسميها هدية، وهي رشوة، ففي هذه الحال يميل معه، أو يقصد بذلك الراشي أن يميل معه « لعن الله الراشي والمرتشي »(24) وهكذا جاء في الحديث.

وكذلك "الهدية" إلا إذا كان بما يهاديه قبل ولايته، وليس له قضية، فلا يقبل الهدايا من أحد مخافة أن يكون له دعوى، إذا خاف أنه له دعوى لا يقبل هديته، بل يردها عليه، إذا قبلها فقد يتهم ويقال: حكم لفلان؛ لأنه يهدي إليه، ومال معه؛ لأنه أعطاه كذا، فيتهم، وإن لم يكن ذلك قصدًا.

وكذلك أيضًا الذي يقبل هديته يشترط ألا يكون له خصومة ودعوى، فأما إذا كان له دعوى فلا، ويشترط أن يكون من الذين يهادونه من قبل أن يتولى، يهديك وتهدي إليه قبل أن تتولى، فأهدى إليك كعادته فلا بأس أن تقبل تلك الهدية؛ لأن العادة أنهم يتهادون من قبل، يعملون بحديث « تَهادَوْا تحابوا »(18) .

منعوا أيضًا أنه يتجر في الأسواق؛ لأن الناس قد يتساهل مع هذا في البيع، أو في الشراء مخافة أن يميل معه، ولا ينفذ حكمه على عدوه؛ لأنه يتهم يقول: حكم عليّ لأني قد عاديته؛ ولأني قد خاصمته حكم عليّ، إذا كان له عدو فلا يحكم له بل يحيل القضية إلى غيره، يقول: أحيل القضية إلى فلان الذي هو أحد القضاة مثلًا الذي فيه الأهلية، فأما أن يحكم على عدوه فإنه متهم، ولا يحكم لنفسه، ولا لولده، ولا لأبيه، جميع أولاده وآبائه وأجداده وجداته وبناته، لا يحكم لهم إذا كانت القضية لولده ولَّا لأبيه، جميع أولاده وآبائه وأجداده وجداته وبناته، لا يحكم لهم.

إذا كانت القضية لولده مع خصم آخر أحالها على غيره من القضاة، وقال: انظروا في دعوى ولدي فلان، أو والدي فلان؛ لأني لا أحكم له مخافة التهمة أن أتهم بأني ملت مع أبي أو مع ابني، كل من لا تقبل شهادة له: الأصول والفروع الأب والجد والأم والجدة وإن عليا، وكذلك أيضًا الابن والبنت وابن الابن وبنت الابن وبنت البنت وابن البنت، ونحوهم هؤلاء لا تقبل شهادته لهم، فكذلك لا يشهدون له.

وكذلك أيضًا لا يحكم لهم مخافة أن يتهم ويقال: حكم لولده "ومن استعداه على خصم في البلد بما تتبعه الهمة لزمه إحضاره إلا أو غير برزة فتوكل": يظهر أن إلا زائدة لزمه إحضاره.

"غير برزة فتوكل" هنا كتبها "بذرة" الصواب: "برزة" يعني: لا تترك على حالها إلا غير برزة، إلا المرأة التي ليست برزة؛ وهي التي تستحي، ولا تبرز للناس، فغير البرزة توكل، أما البرزة التي معها جرأة وتخرج وتكلم وتحتج فإنها يلزمها أن تحضر الاستعداء شكاية، إذا جاء إلى القاضي وقال: إن فلانًا خصمي أريد أن تحضره، وهو موجود في البلد، وقد ظلمني بكذا وكذا.

إذا كانت المظلمة مالًا له قيمة، وله قدر، تدفعه همة الناس يلزم القاضي إحضار ذلك الخصم، في هذه الأزمنة يكون الاستعداء على الشرط، أو على أمراء البلد، فهم الذين يستعدي إليهم المظلوم، ويقول: إن فلانًا ظلمني، فإذا كان كذلك فإن على القاضي أن يرسل من يحضره، يا فلان احضر فإن فلانًا قد اشتكاك، احضر وإن لم تحضر فإننا سوف نعاقبك، فيلزمه أن يحضر كل من في البلد، إذا كان المال مما تدفعه الهمة.

أما غير البرزة فلا يحضرها، بل توكل، يعني: المرأة التي تستحي من الناس غير برزة، فمثل هذه توكل؛ لأنها تستحي أن تحضر.

وكذلك المريض، إذا قال: إن فلانًا مريض عليه لي حق قدره كذا وكذا مما تدفعه الهمة، في هذا أيضًا أنه يوكل؛ لأنه يشق عليه الحضور، وكذلك أيضًا من كان بعيدًا يعني: خارج البلد فإنه يوكل؛ لأن عليه مشقة من الحضور إذا وجبت اليمين على غير البرزة، أو على غائب، أو على المريض فلا يحلف الوكيل.

الوكيل ما يحلف؛ لأن الحلف يتعلق بالذمة، يرسل القاضي من يحلفهما، يرسل إلى المرأة التي ليست برزة احلفي على كذا وكذا، ويرسل إلى المريض احلف على كذا وكذا، فحكم بعد ذلك بما يوجب ذلك.

تعريف الدعوى وشروطها

الفصل بعده يتعلق بالدعوى.

الدعوى: هي القضية التي تكون فيها الدعوى، يشترط في المدعي والمدعى عليه أن يكونا جائزي التصرف.

جائز التصرف: هو الحر البالغ الرشيد، فإذا كان المدعي صبيًا ما تسمع دعواه، يتولى أمره وليه، وكذلك إذا كان مجنونًا أو كان عبدًا يتولى أمرهم وليهم، وكذلك إذا كان المدعى عليه صبيًا، ادعى أن هذا الصبي ظلمني، وأنه أخذ لي حقًا، ونحو ذلك، أو هذا مجنون ونحوه، أو هذا العبد في هذه الحال لا تسمع دعواه على المجانين، إذا ادعى عليهم فإن الدعوى تكون على أوليائهم.

أما العبد فيمكن أن تسمع الدعوى عليه، أو الدعوى له؛ لأنه قد يُظلم، وقد يُعتدى عليه، وقد يِظْلم هو بضرب أو بنهب، أو نحو ذلك، ولكن الخصم سيده يحضر سيده، وإذا وجبت اليمين، فالذي يحلف هو العبد.

يشترط: "تحرير الدعوى". تحريرها يعني: تشخيصها، أما إذا قال: لي عليه حق بيّن حقك، لي عليه مظلمة بيّن مظلمتك، عنده لي أرض بيّن هذه الأرض، عنده لي عقار أين هذا العقار، فلا بد أن يحرر ذلك، وأن يبينه، وأن يذكر أوصافه فيقول إني أملك الأرض الفلانية، وإنه اعتدى علي، وأخذ جزءا منها، أخذ منها نصفها أو ربعها، وتقع في البلدة الفلانية، أو مثلًا أدعي عليه أنه أخذ من غنمي شاة، أو صفتها كذا وكذا، أو من معز، وأنه انتهبها، أو ذبحها.

أدعي عليه أن عنده لي دينا قدره من الدراهم كذا، أو من الدنانير كذا وكذا، وأنه بخسني حقي، ولم يعطه لي، لم يعطني حقي، أو كذلك أدعي عليه أنه ضرب ابني، ضربه بكذا وكذا، أو قلع سِنًّا منه، أو فقأ عينًا، أو قطع إصبعًا من يده اليمنى أو اليسرى أو ما أشبه ذلك، هذه دعوى محررة.

بخلاف ما إذا قال: حق ولم يبين، أو دين ولم يذكر مقداره، أو مظلمة ولم يسمها، أو عقار ولم يحرره، فلا بد من تحرير الدعوى، ويشترط أيضًا علم المدعى به إلا فيما نصححه، مجهولًا كوصية المدعى به هو الحق، فيقول: أدعي عليه مائة، أدعي عليه شاة، أدعي عليه دراهم، قيمة ثوب، عشرة أو خمسين، أدعي عليه ضربا، ضربني أو ضرب ابني، لا بد من علم المدعى به وتحديده.

يتسامح فيما إذا كان الشيء يصحح وهو مجهول، فإذا قال: إنه أخذ مني من البقالة ونحوها مالًا ولم يذكر عدده، ولكن هو أخبر أخذ مني في عدة أيام كذا وكذا لم يذكر عدده، في هذا الحال يُسمع، ويكون العدد عند المأخوذ يصطلحان، وكذلك إذا قال: إن أباه أوصى له بوصية وجحدها، أوصى أبوه أن يعطوني من المال وصية، ولا أدري ما هي، هل هي الثلث أو الربع أو العشر أو مائة أو ألف؟ لكن أوصى لي وصية وجحدني، الوصية تصح بالمجهول كشيء أو مال أو جزء أو سهم، كما تقدم.

يقول: فإن ادعى هذا ملك لك، هل كانت السيارة معلومة؟ هل باعك ما لا يملك؟ هل الثمن معلوم أو مجهول؟ هل هي موجودة عنده أو ليست موجودة؟ لا بد من علمه، ولا بد من شروطه.

وكذلك لو ادعى نكاحًا، ادعى عليه أن زوجني ابنته، أو أخته، لا بد أن تذكر الشروط فتقول: نعم إنها أخته، وهو وليها، وإني دفعت له المهر، وإنه أوجبه، وإني قبلت، وإننا أشهدنا فلانًا، أو عقد لنا فلان، الذي هو مأذون، وتمت الشروط، ففي هذه الحال تقبل الدعوى؛ لأنها أصبحت محررة.

كذلك إذا ادعى إرثًا ذكر سببه، إذا قال: إن عندهم لي ميراثا، إنني وارث من جملة الورثة، اذكر السبب، بأي سبب بنسب أو بنكاح أو بولاء؟

إنني وارث من جملة الورثة، اذكر السبب بأي سبب، بنسب أو بنكاح أو بولاء، اذكر السبب هل هو أخوك الميت، أو أخوك لأم، أو أمك الميتة أو زوجتك، اذكر السبب، كذلك إذا ادعى محلى بأحد النقدين، قومه بالآخر، أو بهما فبأيهما شاء.

إذا ادعى مثلا سيفا محلى، أو خنجرا محلى، عنده لي سيف محلى بذهب، أو خنجرا محلاة بذهب، في هذه الحال كيف يرد، يقوم ذلك السيف المحلى بأحد النقدين، يقوم بالدراهم أو يقوم بالدنانير، إن كان محلى بالذهب، فلا يقوم بالذهب، لا يكون ذهب بذهب متفاوت، بل يقوم بالدراهم الفضة، إن ادعى أنه محلى بفضة، وقال: أريده محلى بفضة، وادعى صاحبه أنه قد فات مني أو بعته أو نحو ذلك، يقوم بالنقد الآخر.

المحلى بالذهب يقوم بالفضة، والمحلى بالفضة يقوم بالذهب، أو يقوم بهما، إذا كان مثلا محلى بذهب وفضة، ما قال: محلى بأحدهما محلى بهما فيه ذهب وفضة، في هذه الحال يقومونه بأية واحد منهما بأيهما شاء، إذا حرر الدعوة ووصفها وصفا دقيقا، في هذه الحال إما أن يقر الخصم أو يجهل.

فإذا أقر الخصم، حكم عليه الحاكم بسؤال المدعي، إذا قال: أنا أدعي عليه بالدين، والدين الذي لي قدره مثلا ألف، قيمة مبيع أو قيمة متلف، سأل القاضي ماذا تقول: في دعوى خصمك؟ فقال: صدق عندي له كذا وكذا، إذا قال الخصم الثاني: احكم عليه احكم عليه أن يدفعه، حكم عليه بسؤال المدعي هذا في حالة الإقرار، أما إذا أنكر، إذا قال: كذب ليس عندي له شيء، ولا أعرفه ولا اشتريت منه، ولا اشترى مني ولا تعاملنا، ولا بيننا معرفة ولا بيننا دعوى، ماذا يفعل؟.

تعرفون حديث أبي سعيد، الذي ذكر في الأربعين النووية، قوله -صلى الله عليه وسلم-: « البينة على المدعي، واليمين على من أنكر »(18) وفي رواية البخاري، أنه قضى باليمين على المدعى عليه،. المدعى عليه هو المنكر، ثم يقولون: المدعي من هو؟ المدعي هو المطالب الذي يطالب، إذا ترك لم يسكت، المدعى عليه من هو؟ المطلوب منه، يعرفونهما بأن المدعي: من إذا سكت لم يترك، والمدعى عليه إذا سكت ترك المدعى عليه، الذي إذا المدعي هو الذي يطالب، والمدعى عليه المطلوب الذي إذا سكت لم يترك، هو المدعى عليه الذي إذا سكت لم يترك، هو المدعي إذا سكت ترك.

يقولون: نكتفيه ونغتنم سكوته؛ لأنه يطالب المدعى عليه هو الذي إذا سكت لم يترك، ويعرفونهم أيضا بأن المدعي هو: الخارج والمدعى عليه الداخل، فيقولون: البينة على الخارج، واليمين على الداخل، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، ثم إن البينة هي الشهود.

ولكن يقول: ابن القيم -رحمه الله- إن البينة اسم لكل ما يبين الحق، كالقرائن والشهود والاعترافات، والظواهر والشهرة وانتشار الخبر، هذه تسمى بينات ليست خاصة بالشاهدين.

تكلم على ذلك ابن القيم -رحمه الله- في كتابه المطبوع، الذي سماه " الطرق الحكمية" يتعلق بالقضاء، يقول: فإذا أنكر وليس للمدعي بينة، وقيل: قول منكر بيمينه، فيحلف أنه ليس عندي له شيء، ليس عندي ما يدعيه، وأني لا أطالب بمال، ولا بحق مظلمة ونحو ذلك.

فإذا حلف، فإنه تبرأ ذمته أما إذا نكر، وقال: لا أحلف أخشى من الكذب، وأخشى من عقوبة الفجور، لا أحلف قيل له: إما أن تحلف وإلا حكمنا عليك، فيحكم عليه بسؤال المدعي، المدعي يقول: احكم عليه أنا ما عندي بينة، ولكن يحلف ويسلم، وإذا لم يحلف فإني أطالبه بحقي، فيحلف أو يحكم عليه بسؤال المدعي، وفي هذا الحكم ذو البينة أو باليمين يكون في الأموال أو ما يقصد بهما.

وأما الحدود ونحوها، فلا يحكم فيها باليمين، لا بد من البينة، من العلماء من يقول: في هذه الحال يحلف المدعي، لحديث ورد في ذلك، يذكرون في البلوغ: « أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رد اليمين على صاحب الحق »(18) يعني هذا هو المدعي ما معه بينة، وهذا المدعى عليه امتنع من الحلف، حيث أن صاحبك قد امتنع احلف أنت، احلف أن عنده لك مائة، أو ألف قيمة كذا وكذا حتى نلزمه، فتكون عندنا قرينة، قرينة أن هذا امتنع، ما يدل على أن هذا ظالم، وأما إذا حلف مما يدل على أنه صادق.

الشهادة في الحقوق

يقول: " يستحلف في كل حق آدمي، سوى نكاح ورجعة ونسب ونحوه ، حقوق الآدميين إما أن تكون مال، مثل ثمن مبيع عنده لي قيمة سيارة، أو قيمة بعير وجهده، أو مثلا عنده لي أمانة وديعة قد خان فيها، أو ما أشبه ذلك، هذه من حقوق الآدميين، تدعي المرأة هذا زوجها أنه ما أعطاها صداقها، أو يدعي عليها أنها ما أعطته خلعها، تدعي عليه أنه ما أنفق عليها مدة كذا وكذا، هذه حقوق آدمي من حقوق الآدميين الكذب، إذا ادعى عليك أنك كذبته، هذه حق آدمي فلك أن تحلف أنه كاذب عليك، وإذا لم تحلف، حلف هو أنه صادق، وما أشبه ذلك، هذه حقوق الآدميين.

أما النكاح فلا يستحلف فيه، فإذا ادعى عليك أنك زوجته ابنتك، فلا يقبل حلفه، ولا يلزمك اليمين إذا نكثت، إن لم يكن عنده شهود، فالنكاح لا يحلف فيه، لا من المدعي ولا من المدعى عليه، وكذلك الرجعة إذا ادعى أنه طلق امرأته، ثم قال: إني راجعتها، فهل نقول: احلف؟ ما نقول، ولكن نقول: ائتي بشاهدين أنك راجعتها بالعدة، كذلك النسب إذا ادعى أني مورثه؛ لأني ابن عمه هل نحلفه؟ لا نحلفه وذلك؛ لأنه لا يعلم إلا من قبله.

أما حقوق الله تعالى فلا يحلف فيها، وكذلك العبادات، فإذا اتهم بالزنا وثبت عليه الحد فأنكر، ولم يكن هناك بينة فلا نقول: احلف أنك ما زنيت، أو أنك ما كذبت ما قذفت ما شربت الخمر أو نحو ذلك، وهكذا العبادات، إذا ادعى عليه أنه ما زكى، أو أنه ما صلى صلاة كذا، فلا حاجة إلى التحليف؛ لأن هذا شيء خفي بينه وبين الله تعالى.

كيفية اليمين التي يحلف بها المدعى عليه، اليمين مشروعيته أن يحلف بالله وحده، أو بصفة من صفاته، تقدم ذلك بالأمس في الأيمان، أنه يحلف بالله أو بصفته كوجه الله أو عزة الله، أو يحلف مثلا بكلام الله أو بالقرآن، يحكم بالبينة بعد التحليف، إذا حلف المدعى عليه حكم بالبينة، وقيل: لا شيء لك أيها المدعي؛ لأنك ما أتيت ببينة، ولا أتيت بحلف.

فإذا أتى بالبينة وقال: هؤلاء شهودي، ولم يكن هناك ما يقدح فيهم، حكم بموجب البينة، التي هي الشهود، إذا كان مثلا قد حلف، لو قدر مثلا أن المدعى عليه حلف، المدعي يقول: ما عندي شهود، ولكن أريد يمينه، حلف المدعى عليه، أن ما عندي له شيء ولا يطالبني، ولا اشتريت منه، ولا عندي له أمانة، ولا وديعة ولا ضربته، ولا ضربت ولده حلف.

قدر بعد ذلك أن المدعى عليه وجد بينة عادلة، وأحضرها عند القاضي، فهل نقول: الدعوى قد انقضت لما حلف؟ نحكم بالبينة التي وجدت بعد أن انتهت الدعوى، نحكم بها ونقول: تبين أن يمينك كاذبة، عليك أن تستغفر الله أنت، على ذلك الحلف الفاجر، والذي هي اليمين الغموس، وقد حكمنا عليك، لما جاء البينة الذين هم عدول، فيحكم بالبينة ولو بعد أن حلف المدعى عليه.

شروط الشهود

ماذا يشترط في البينة؟

الشهود يشترط أن يكونوا عدولا في الظاهر، يعني معروف في الظاهر أنهم يصلون ويصومون، وأنهم من أهل الصدق، ومن أهل الورع، وليسوا فسقة ولا قذرة ولا غير ذلك، وفي غير عقد نكاح باطنا، عقد النكاح يكفي فيه شاهدان، شهادة عدلين ظاهرين عدالة ظاهرة، وليس لمأذون أن يفتش ويقول: أخبروني بباطن أمرهم، فقد يكونون غير صادقين ولا صالحين.

نقول: يحكم بالظاهر أنهم عادلان؛ لأن في الحديث: « لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل »(18) وفي رواية: « لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل »(18) فشهود عقد النكاح يكفي فيهم العدالة الظاهرة، وأما شهود القضايا التي عند القاضي، فلا بد أن يكونوا عدولا ظاهرا وباطنا، وإذا جهلهم القاضي، طلب من يزكيهم، يا فلان هل تعرف هذا الشاهد؟ فيقول: نعم، أعرفه وأزكيه، وأنه عدل اشترط في المزكي معرفة الجرح والتعديل، إذا قال: المدعى عليه هؤلاء مطعون فيهم، أحضر من يطعن فيهم، فإذا أحضر قالوا: قال الشهود: نعم، هذا نعرف أنه قد شهد زورا، وهذا نعرف أنه لا يصلي مع الجماعة، وهذا نعرف أنه قد أطلق لسانه بالقذف والسب ونحو ذلك.

فهؤلاء قد جرحوهم، فلا تقبل شهادتهم، وإذا قال القاضي لصاحب البينة: ائتنا بمن يعدلهم، فالمعدل يقول: نعم، أعرف هذا الشاهد أنه عدل، يصلي ويصوم ولا يتعامل بربا، ولا يشهد زورا ولا يكذب في كلامه وما أشبه ذلك، هكذا يكون المزكي، ولا بد أن الحاكم يعرف خبرته الباطنة، إذا كان القاضي يعرفهما باطنا وظاهرا حكم بمعرفته، ولا حاجة إلى طلب المزكي، لقال: يا قاضي هؤلاء شهودي فلان وفلان، أما تعرفهم؟ يقول القاضي: نعم، أعرفهم هل تعرفهم باطنا وظاهرا، فإذا قال: نعم، أعرف باطنهم وظاهرهم، فإنه يحكم بهم ولا حاجة إلى مزكي.

يقول:" وتقدم بينة الجرح" الشاهدان مثلا قال القاضي: لا أعرفهما، ائتي بمن يزكيهما، قال المدعى عليه: عندي فيهما جرح ائتي بمن يجرحهما المدعي، جاء باثنين يجرحوه هذا يقول: إنهما فاسقان، وإنهما كاذبان ومن شهود الزور ومن الكذب هم، وهؤلاء يقولون: إنهما عدلان ظاهران يصليان ويصومان، ويؤمنان بالله واليوم الآخر.

القاضي تحير من يقدم، يقدم بينة الجرح؛ لأن الغالب أن الجارح يعلم شيئا يخفي على المعدل، فلأجل ذلك يحكم القاضي بأن هذا غير مقبول؛ لأنه جرحوا هؤلاء وبينوا ما فيه من الجرح، فلا يقبل دعواه، لنقف هنا حتى قال الحاكم: نقرأه معنا بعد -إن شاء الله تعالى- وصلى الله على محمد.

س: أحسن الله إليكم وأثابكم، يقول: بارك الله فيكم، سماحة فضيلة الشيخ حبذا لو ألقيت كلمة عن فضل الزواج، خاصة في زماننا هذا الذي كثر فيه المغريات، وكيف نجمع بين قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: « ثلاثة حق على الله أن يعينهم »18) وذكر الناكح يريد عفاف، وبين حديث « اعقلها وتوكل »(25) حيث أني كثير وكثير مثلي يريد الزواج، ولكن راتبه قليل، ويأتي لي بعض الشباب ويسبطني عن الزواج، بحجة قلة الراتب، والله يحفظكم.

ج: الحديث وعد من النبي -صلى الله عليه وسلم-، كذلك إذا وعد الله قال تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (26) هكذا إن يكونوا فقراء، وعدهم الله، فنقول: الذين يسبطونك، إذا كنت عندك مقدرة، ولو أن تقترض وأن تطلب من يساعدك، فثق بالله أنه سيوفي عنك ويعينك.

س: أحسن الله إليكم، يقول: إذا كان ولي الأمر امرأة فهل يجوز الخروج عليها؟

ج: ولي الأمر يعني إذا تولت ولاية عامة، فالأصل أنها أن المرأة وظيفتها التستر، فإذا قدر مثلا أن هناك دولة يولون المرأة ولاية عامة أو نحوها، نقول: لا يجوز السمع لها والطاعة، بل يحرصون على أن يفصلوها ويولون رجلا.

س: أحسن الله إليكم، يقول: هل تجوز الهدية للقاضي بعد انتهاء الحكم بين الخصمين؟

ج: نرى أنه لا يجوز، لا يقبل ذلك، ولو بعد انتهاء الدعوة إن لم يكن الذي أهدى إليه يهدي إليه من قبل، أما إذا كان يتهادون من قبل فلا بأس.

س: أحسن الله إليكم، يقول: كثير من البلاد لا يوجد فيها مجتهدون، فهل يبقى هذا الشرط في القضاء أم لا، وجزاكم الله خيرا.

ج: يمكن أن يبقى، فالبلاد التي مهملة، ولا يوجد فيها من يحكم بالعدل، ولا يوجد فيها شهود، أو لا يوجد فيها من يزكي، أو لا يوجد فيها من يحكم بالعدل، يصطلحون فيما بينهم.

س: أحسن الله إليكم، يقول: لو أرسل صياد كلبه المعلم على فريسة، فصاد غيرها فما الحكم؟

ج: يجوز ذلك إذا سمى عند إرساله، لو أرسله على واحدة فصاد اثنتين، وكان قد سمى حل أكله.

أحسن الله إليكم، وأثابكم ونفعنا بعلمكم، وجعل ما قلتم في ميزان حسناتكم، وصلى على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فرض كفاية، أي: يكفي في البلد قاض واحد إذا كان يقوم بفصل الخصومات، وإن عجز ضم إليه ثان، وربما إلى ثالث، أو إلى أكثر من ذلك، ولو إلى عشرة أو عشرين، إذا كان البلد متسعة الأطراف، إذا كانت مترامية الأطراف احتيج إلى عدد القضاة، وهكذا. الفصل بعده يتعلق بالدعوى.


(1) سورة ص: 26
(2) سورة المائدة: 42
(3) سورة المائدة: 49
(4) سورة النساء: 58
(5) سورة النحل: 90
(6) البخاري : المظالم والغصب (2444) , والترمذي : الفتن (2255) , وأحمد (3/99).
(7) مسلم : البر والصلة والآداب (2582) , والترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2420) , وأحمد (2/235).
(8) سورة الشورى: 42
(9) مسلم : البر والصلة والآداب (2581) , والترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2418) , وأحمد (2/371).
(10) البخاري : الرقاق (6535) , وأحمد (3/63).
(11) سورة الحجر: 47
(12) البخاري : الأدب (6043).
(13) مسلم : البر والصلة والآداب (2564) , وابن ماجه : الفتن (3933).
(14) البخاري : المظالم والغصب (2448) , ومسلم : الإيمان (19) , والترمذي : الزكاة (625) , والنسائي : الزكاة (2435) , وأبو داود : الزكاة (1584) , وابن ماجه : الزكاة (1783) , وأحمد (1/233) , والدارمي : الزكاة (1614).
(15) البخاري : المغازي (4347) , ومسلم : الإيمان (19) , والترمذي : الزكاة (625) , والنسائي : الزكاة (2435) , وأبو داود : الزكاة (1584) , وابن ماجه : الزكاة (1783) , وأحمد (1/233) , والدارمي : الزكاة (1614).
(16) مسلم : الإيمان (19) , والترمذي : الزكاة (625) , وأبو داود : الزكاة (1584) , وابن ماجه : الزكاة (1783) , وأحمد (1/233) , والدارمي : الزكاة (1631).
(17) الترمذي : الأحكام (1327) , وأبو داود : الأقضية (3592) , وأحمد (5/242) , والدارمي : المقدمة (168).
(18)
(19) البخاري : المغازي (4425) , والترمذي : الفتن (2262) , والنسائي : آداب القضاة (5388) , وأحمد (5/45).
(20) سورة النساء: 35
(21) سورة المائدة: 95
(22) البخاري : المظالم والغصب (2458) , ومسلم : الأقضية (1713) , والترمذي : الأحكام (1339) , والنسائي : آداب القضاة (5422) , وأبو داود : الأقضية (3583) , وابن ماجه : الأحكام (2317) , وأحمد (6/320) , ومالك : الأقضية (1424).
(23) البخاري : الأحكام (7158) , ومسلم : الأقضية (1717) , والترمذي : الأحكام (1334) , والنسائي : آداب القضاة (5406) , وأبو داود : الأقضية (3589) , وابن ماجه : الأحكام (2316) , وأحمد (5/37).
(24) الترمذي : الأحكام (1336) , وأحمد (2/387).
(25) الترمذي : صفة القيامة والرقائق والورع (2517).
(26) سورة النور: 32